أولا: تعريف الشرك الأكبر: يعرف الشرك الأكبر بأنه: إثبات شريك لله ﷿ في خصائصه؛ فيجعل الإنسان ندا لله في ربوبيته، أو في ألوهيته، أو في أسمائه وصفاته١.
ثانيا: حكم الشرك الأكبر، مع الدليل:
١- الشرك الأكبر يخرج من الملة، وصاحبه حلال الدم والمال، يقول الله سبحانه عن المشركين: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: ٥]، ويقول عنهم: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَنُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ [التوبة: ١١]، ويقول رسول الله ﷺ: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمد رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة؛ فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم إلا بحق الإسلام، وحسابهم على الله" ٢.
٢- الشرك الأكبر يحبط جميع العمل. يقول الله ﷿: ﴿ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأنعام: ٨٨]، ويقول سبحانه: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الزمر: ٦٥] .
٣- الشرك الأكبر لا يغفر لصاحبه إن مات عليه، يقول الله ﷿: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨، ١١٦] . أما إن تاب قبل الموت، فإن الله يتوب عليه، ما قال سبحانه: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ وَإِنْ يَعُودُوا فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الْأَوَّلِينَ﴾ [لأنفال: ٣٨] .
٤- صاحب الشرك الأكبر في الآخرة خالد مخلد في النار. يقول الله ﷿: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ [المائدة: من الآية٧٢] .
_________________
(١) ١ انظر: معارج القبول للشيخ حافظ الحكمي ٢/ ٤٨٣. وفتاوى اللجنة الدائمة ١/ ٥١٦-٥١٧. ٢ صحيح البخاري، كتاب الإيمان باب: فإن تابوا وأقاموا الصلاة. وصحيح مسلم، كتاب الإيمان، باب الأمر بقتال الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله. واللفظ للبخاري.
[ ١١١ ]
ثالثا: أقسام الشرك الأكبر: ينقسم الشرك الأكبر إلى ثلاثة أقسام بالنسبة إلى أنواع التوحيد:
١- شرك في الربوبية.
٢- شرك في الأسماء والصفات.
٣- شرك في الألوهية.
وبيان هذه الأقسام يمكن في المسائل التالية:
المسألة الأولى من أقسام الشرك الأكبر: الشرك في الربوبية
الشرك في الربوبية أحد أقسام الشرك الأكبر، وهو شرك يتعلق بذات الله ﷿.
أولا: تعريفه
هو صرف خصائص الربوبية كلها، أو بعضها لغير الله ﷿، أو تعطيله ﷿ عنها بالكلية.
وخصائص الربوبية هي: التفرد بالخلق، والرزق، والإحياء، والإماتة، والإعطاء والمنع، والضر، والنفع، وغير ذلك.
ثانيا: نوعاه
الشرك في الربوبية نوعان؛ شرك تعطيل، وشرك تمثيل.
١- شرك التعطيل:
عريفه: هو تعطيل المصنوع عن صانع، وتعطيل الصانع عن أفعاله ويكون ذلك بتعطيل خصائص الربوبية، وإنكار أن يكون الله رب العالمين١.
ومن الأمثلة عليه٢: شرك فرعون الذي عطل الربوبية ظاهرا؛ ﴿قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَالَمِين﴾ [الشعراء: ٢٣]، وقال لهامان: ﴿يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ، أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا﴾ [غافر: ٣٦-٣٧] .
ومن هذا الشرك٣: شرك أهل وحدة الوجود؛ كابن عربي، وابن سبعين، وغيرهم الذين يقولون: إن الخالق عين المخلوق؛ فعطلوا لله ﷿ عن أن يكون رب العالمين، ولم يفرقوا بين رب، وعبد.
_________________
(١) ١ انظر الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي لابن القيم ص٢٣١. ٢ انظر تجريد التوحيد المفيد للمقريزي ص٦٩. ٣ انظر الدين الخالص لصديق حسن خان ١/ ٣١٥.
[ ١١٢ ]
٢- شرك التمثيل:
عريفه: هو التسوية بين الله وخلقه في شيء من خصائص الربوبية، أو نسبتها إلى غيره عز وجل١.
ومن الأمثلة عليه٢: شرك النصارى الذين اتخذوا معه أربابا، فجعلوه ثالث ثلاثة؛ وشرك المجوس القائلين بأن للعالم ربين أحدهما خالق للخير، والآخر خالق للشر؛ وشرك الصابئة الذين زعموا أن الكواكب هي المدبرة لأمر العالم؛ وشرك القدرية "مجوس هذه الأمة" القائلين بأن كل إنسان يخلق فعل نفسه؛ وشرك عباد القبور الذين يزعم أن أرواح الأولياء تتصرف بعد الموت، فتقضى الحاجات، وتفرج الكربات، وتنصر من دعاها، وتحفظ من لاذ بحماها. ومثلهم مزاعم غلاة الصوفية في الأولياء: أنهم ينفعون، ويضرون، ويتصرفون في الأكوان إلخ.
المسألة الثانية من أقسام الشرك الأكبر: الشرك في الأسماء والصفات
أولا: تعريفه
هو التسوية بين الله والخلق في شيء من الأسماء والصفات؛ بأن يجعل لله ﷿ ندا في أسمائه وصفاته؛ فيسميه بأسماء الله، أو يصفه بصفاته٣.
ثانيا: نوعاه
الشرك في الأسماء والصفات نوعان؛ شرك تشبيه، وشرك اشتقاق.
١- شرك التشبيه:
تعريفه: هو أن يثبت لله تعالى في أسمائه وصفاته من الخصائص، مثل ما يثبت للمخلوق من ذلك٤.
ومن الأمثلة عليه: قول القائل: إن يدي الله مثل أيدي المخلوقين، واستواءه على عرشه كاستوائهم، ونحو ذلك٤.
_________________
(١) ١ انظر المدخل لدراسة العقيدة الإسلامية للدكتور إبراهيم البريكان ص١٤٧. ٢ انظر: تجريد التوحيد المفيد للمقريزي ص٥٥-٥٧، ٧٠. والجواب الكافي لابن القيم ٢٣١-٢٣٢. وشرح العقيدة الطحاوية لابن أبي العز ١/ ٣٨. وتوحيد الربوبية لمحمد إبراهيم الحمد ص٢١-٢٥. ٣ انظر: فتاوى اللجنة الدائمة ١/ ٥١٦. والمدخل لدراسة العقيدة الإسلامية للبريكان ص١٤٧. ٤ انظر فتح رب البرية بتلخيص الحموية للشيخ ابن عثيمين ص٢٠-٢١.
[ ١١٣ ]
٢- شرك الاشتقاق:
تعريفه: هو أن يشتق من أسماء الله ﷿ المختصة به اسما، ويسمى به غيره.
وهذا من الإلحاد في أسمائه سبحانه وتعالى١.
ومن الأمثل عليه: ما فعله المشركون من اشتقاق أسماء لآلهتهم الباطلة من أسماء الإله الحق ﷾: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف: ١٨٠]، فـ "يلحدون": أي يشركون٢، قال ابن عباس -﵄-: "اشتقوا العزى من العزيز، واشتقوا اللات من الله"٣.
المسألة الثالثة من أقسام الشرك الأكبر: الشرك في الألوهية والتعبد
أولا: تعريفه: هو أن يجعل لله ند في العبادة، أو في التشريع؛ فيصرف العبد لغير الله شيئا من أنواع العبادة التي تصرف لله، أو يتخذ غيره مشرعا من دونه، أو شريكا له ﷿ في التشريع٤.
ثانيا: أنواعه: الشرك في الألوهية والتبعد على أنواع، منها:
١- شرك الدعاء.
٢- شرك الشفاعة.
٣- شرك النية والإرادة والقصد.
٤- شرك الطاعة.
٥- شرك المحبة.
٦- شرك الخوف.
_________________
(١) ١ انظر فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء ١/ ٥١٦. ٢ أخرجه عبد الرزاق، وعبد بن حميد، وابن جرير عن قتادة بن دعامة السدوسي. "انظر الدر المنثور في التفسير المأثور للسيوطي ٣/ ٢٧٢". ٣ أخرجه ابن أبي حاتم، عن ابن عباس. "الدر المنثور ٣/ ٢٧١". ٤ انظر فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء ١/ ٥١٦.
[ ١١٤ ]
من أنواع الشرك في الألوهية والتعبد:
أولا: شرك الدعاء
أولا: تعريفه: هو دعاء غير الله؛ من الأنبياء، والأولياء، وغيرهم، فيما لا يقدر عليه إلا الله ﷿؛ فمن دعا، أو استغاث١، أو استعان٢، أو استعاذ بغير الله، فيما لا يقدر عليه إلا الله؛ من طلب رزق، أو شفاء مريض، أو إحياء ميت، أو غير ذلك؛ فقد أشرك مع الله غيره، سواء أكان ذلك الغير نبيا، أو وليا، أو جنيا، أو غير ذلك من المخلوقات٣.
يقول العلامة ابن القيم معددا أنواع الشرك الأكبر: "ومن أنواعه: طلب الحوائج من الموتى، والاستغاثة بهم، والتوجه إليهم. وهذا أصل شرك العالم؛ فإن الميت قد انقطع عمله، وهو لا يملك لنفسه ضرا ولا نفعا؛ فضلا عمن استغاث به، وسأله قضاء حاجته"٤.
ثانيا: من الأدلة على أن دعاء غير الله شرك:
١- قول الله ﷿: ﴿وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾ [المؤمنون: ١١٧]؛ فهذا سيقدم على ربه، فيجازيه بأعماله، ولا ينيله من الفلاح شيئا؛ لأنه كافر٥.
٢- قول الله ﷿: ﴿وَإِذَا مَسَّ الْأِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيبًا إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنْهُ نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُو إِلَيْهِ مِنْ قَبْلُ وَجَعَلَ لِلَّهِ أَنْدَادًا لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ﴾ [الزمر: ٨]؛ فلا يغنيك ما تتمتع به، إذا كان المآل النار٦.
_________________
(١) ١ استغاث: أي طلب الغوث؛ وهو إزالة الشدة. والفرق بينها وبين دعا؛ أن الاستغاثة تكون من المكروب، والدعاء يكون من المكروب وغيره. "انظر تيسير العزيز الحميد للشيخ سليمان ص٢١٤". ٢ الاستعانة: طلب العون. وقد تكون في جلب منفعة، أو دفع مضرة. ٣ انظر: تيسير ذي الجلال والإكرام للقحطاني ص٢٦، وبيان الشرك ووسائله عند علماء الحنابلة لمحمد بن عبد الرحمن الخميس ص١٤. ٤ مدارج السالكين لابن القيم ١/ ٣٧٥. ٥ انظر تيسير الكريم الرحمن لابن سعدي ٥/ ٣٨٦. ٦ انظر المرجع نفسه ٦/ ٤٥٣.
[ ١١٥ ]
ثالثا: نوعاه
قبل التعرض لنوعي الشرك في الدعاء، يستحسن ذكر نوعي الدعاء؛ لأن الشرك يقع فيهما؛ فالدعاء نوعان: دعاء مسألة وطلب، ودعاء عبادة وثناء١. وفي النوعين طلب التوصل والتقرب إلى الله ﷾؛ سواء أكان على وجه السؤال لله ﷿، والاستعاذة به، رغبة إليه في جلب المنافع ودفع المضار، وهذا دعاء المسألة والطلب. أم كان على وجه عبادته ﷿، طاعته، وامتثال أمره، والانتهاء عن نهيه، وهذا دعاء العبادة والثناء٢.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ عن هذين النوعين: "إن المعبود لا بد أن يكون مالكا للنفع والضر؛ فهو يدعى للنفع والضر دعاء مسألة، ويدعى خوفا ورجاء دعاء العبادة؛ فعلم أن النوعين متلازمان"٣؛ فمن صلى، أو صام، أو توجه إلى الله ﷿ وسأله دعاء طلب ومسألة؛ فهو راج له، خائف منه٤.
والله ﷿ يقول: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [غافر: ٦٠]؛ فجعل سبحانه الدعاء عبادة.
والآن، وبعد أن عرفنا نعي الدعاء، نقول: إن شرك الدعاء يقع في هذين النوعين؛ إما شرك في المسألة والطلب، أو شرك في العبادة والثناء.
رابعا: كيف يقع الشرك في هذين النوعين؟
إذا توجه الإنسان بواحد من هذين النوعين لأحد غير الله ﷿؛ فقد أشرك.
فيقع الشرك في النوع الأول؛ دعاء العبادة؛ إذا صرف العبد شيئا من العبادة لغير الله ﷿، يقول فضيلة الشيخ محمد بن صالح العثيمين: "فمن صرف شيئا من أنواع العبادة لغير الله فقد كفر كفرا مخرجا عن الملة؛ فلو ركع
_________________
(١) ١ انظر: اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم لابن تيمية ٢/ ٧٧٨. وفتح المجيد شرح كتاب التوحيد للشيخ عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ ص٢٢٣. ٢ انظر اقتضاء الصراط المستقيم لابن تيمية ٢/ ٧٧٨. ٣ مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية ١٥/ ١٠-١١. ٤ انظر فتاوى العقيدة للشيخ ابن عثيمين ص٣٩٨.
[ ١١٦ ]
إنسان، أو سجد لشيء يعظمه كتعظيم الله في هذا الركوع أو السجود، لكان مشركا خارجا عن الإسلام١. ويقول الإمام أحمد بن علي المقريزي: فالشرك به في الأفعال: كالسجود لغيره سبحانه، والطواف بغير البيت المحرم، وحلق الرأس عبودية وخضوعا لغيره٢.
لأن ذلك من خصائص الألوهية؛ فمن سجد لغيره ﷿، أو صرف له لونا من ألوان العبادة فقد جعله لله ندا٣، كذا لو ذبح لغير الله تعظيما له، وتقربا إليه، فقد أشرك شركا أكبر؛ لأن الذبح عبادة أمر الله ﷿ بها في قوله: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَر﴾ [الكوثر: ٢] ٤.
ويقع الشرك في النوع الثاني؛ دعاء المسألة والطلب، إذا كان المدعو ميتا، أو كان السؤال في شيء لا يقدر عليه إلا الله ﷿؛ فلو "كان المدعو حيا قادرا على ذلك فليس بشرك؛ كقولك: اسقني ماء لمن يستطيع ذلك٥.
أما إن كان المدعو ميتا، فإن دعاءه شرك مخرج عن الملة٦.
على هذا يقال: ليس دعاء المسألة والطلب كله شركا؛ بل دعاء الإنسان لغيره ينقسم إلى ثلاثة أقسام٧: الأول: أن يدعو مخلوقا بأمر من الأمور التي يمكن أن يدركها بأشياء محسوسة معلومة؛ كسؤال الفقير. فهذا جائز.
والثاني: أن تدعو مخلوقا مطلقا -سواء كان حيا أو ميتا- فيما لا يقدر عليه إلا الله؛ مثل: يا فلان! اجعل ما في بطن امرأتي ذكرا؛ فهذا شرك أكبر؛ لأن هذا من فعل الله ﷿ الذي لا يستطيعه البشر، ولا يقدرون عليه.
والثالث: أن تدعو مخلوقا لا يجيب بالوسائل الحسية المعلومة؛ كدعاء الأموات؛ فهذا شرك أكبر أيضا؛ لأن هذا لا يقدر عليه المدعو. ولا يقع مثل هذا النوع من الدعاء إلا إذا اعتقد الداعي في المدعو شيئا سريا يدبر به الأمور.
_________________
(١) ١ فتاوى العقيدة لابن عثيمين ص٣٩٨. ٢ تجريد التوحيد المفيد للمقريزي ص٥٨-٥٩. ٣ انظر المصدر نفسه ص٧٣. ٤ انظر المجموع الثمين من فتاوى الشيخ ابن عثيمين ٢/ ١٤٨-١٤٩. ٥ فتاوى العقيدة لابن عثيمين ص٣٩٨. ٦ المرجع نفسه ص٣٩٩. ٧ انظر المرجع نفسه ص٣٩٣.
[ ١١٧ ]
من أنواع الشرك في الألوهية والتعبد:
ثانيا: شرك الشفاعة
تمهيد:
هذا اللون من الشرك نتيجة لازمة لشرك العبادة -أحد نوعي شرك الدعاء؛ فمن صرف شيئا من العبادة لغير الله ﷿؛ فهو إنما يفعل ذلك كي يشفع له هذا الغير عند الله ﷿، في التجاوز عن الذنوب والسيئات، أو في تحقيق الآمال، ونيل الرغبات، ظنا منه أن الأصنام، أو الأولياء، أو غيرهم يملكون الشفاعة.
أولا: تعريف الشفاعة
تعرف الشفاعة بأنها انضمام شيء إلى آخر، ناصرا له، وسائلا عنه١؛ فهي مأخوذة من شفع الشيء شفعا، إذا ضم مثله إليه، وجعله زوجا٢.
ثانيا: الشفاعة المعنية هاهنا
الشاعة المرادة هنا هي تلك التي تتعلق بالآخرة؛ كطلب الشفيع مغفرة ذنوب المشفوع له، او التجاوز عن سيئاته، أو غير ذلك.
ثالثا: كيف يقع شرك الشفاعة؟
يقع هذا الشرك إذا اتخذ العبد من دون الله أندادا، فصرف لهم نوعا من أنواع العبادة، أو كلها، وتوجه بهم، وتقرب بعبادتهم إلى الله، زاعما أن معبوداته هذه تشفع له عند الله، وتقربه منه زلفى.
رابعا: من أدلة هذا النوع
١- قول الله ﷿: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الْأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [يونس: ١٨]؛ فحكم الله ﷿ بالشرك على من عبد الشفعاء، أو دعاهم بقصد الشفاعة٣.
٢- قول الله ﷿: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لا يَمْلِكُونَ شَيْئًا وَلا يَعْقِلُونَ، قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [الزمر: ٤٣-٤٤]؛ فنفى ﷾ أن تشفع لهم هذه الأنداد عند الله، وأخبر أن الشفاعة لله وحده؛ فلا يشفع أحد عنده إلا بإذنه.
٣- قول الله ﷿ ﴿أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ﴾ [الزمر: ٣]؛ فكذبهم وكفرهم بذلك٤.
_________________
(١) ١ انظر: الدين الخالص لصديق حسن خان ٢/ ١٧١. ٣ انظر المعجم الوسيط لجماعة من المؤلفين ٤٨٧. ٣ انظر تيسير العزيز الحميد للشيخ سليمان بن عبد الله ص٢٧٦. ٤ انظر مدارج السالكين لابن القيم ١/ ٣٦٩.
[ ١١٨ ]
٤- قول الله ﷿: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ﴾ [سبأ: ٢٢]؛ فقطع الله الأسباب التي يتعلق بها المشركون قطعا؛ لأن المشرك إنما يتخذ معبوده لما يعتقد أنه يحصل له به من النفع.
والنفع لا يكون إلا ممن فيه خصلة من هذه الأربع: إما مالك لما يريد عابده منه؛ فإن لم يكن مالكا، كان شريكا للمالك، فإن لم يكن شريكا له، كان معينا له وظهيرا، فإن لم يكن معينا ولا ظهيرا، كان شفيعا عنده؛ فنفى سبحانه المراتب الأربع نفيا مرتبا منتقلا من الأعلى إلى ما دونه؛ فنفى الملك، والشركة، والمظاهرة، والشفاعة التي يظنها المشرك، وأثبت شفاعة لا نصيب فيها لمشرك، وهي الشفاعة بإذنه١.
خامسا: ما هي الشفاعة التي يقبلها الله ﷿؟ الشفاعة التي تقدمت هي الشفاعة الشركية التي في قلوب المشركين المتخذين من دون الله شفعاء، وهي التي نفاها الله ﷿.
ولكنه سبحانه لم ينف الشفاعة مطلقا؛ بل أخبر ان هناك شفاعة مقبولة عنده؛ وهي الشفاعة الصادرة عن إذنه، لمن وحده؛ فالشفاعة التي يقبلها ﷿ هي التي جمعت شرطين: أحدهما: إذنه ﷾ بالشفاعة؛ لأن الشفاعة كلها له وحده، كما قال: ﴿قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا﴾ [الزمر: ٤٤]، وقال: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة: ٢٥٥]؛ فلا يشفع أحد؛ لا ملك مقرب، ولا نبي مرسل إلا بإذنه ﷿. والشرط الثاني: أن يرضى ﷾ عن المشفوع فيه، وهذا يتطلب أن يكون من أهل التوحيد الذين لم يتخذوا من دون الله شفعاء، كما قال سبحانه: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة: ٢٥٥]؛ فلا يشفع أحد؛ لا ملك مقرب، ولا نبي مرسل إلا بإذنه ﷿، والشرط الثاني: أن يرضى ﷾ عن المشفوع فيه. وهذا يتطلب أن يكون من أهل التوحيد الذين لم يتخذوا من دون الله شفعاء، كما قال سبحانه: ﴿ولا يشفعون الا لمن ارتضى﴾ [الأنبياء: ٢٨]، وكما قال رسول الله ﷺ: "أسعد الناس بشفاعتي من قال لا إله إلا الله خالصا من قلبه" ٢؛ فشفاعته ﷺبعد إذن الله ﷿ له بها- لا ينالها إلا أهل التوحيد الخالص، وهذا عكس ما عند المشركين الذين زعموا أن الشفاعة تنال باتخاذهم أولياءهم شفعاء، وعبادتهم وموالاتهم من دون الله٣.
فالشفاعة المثبتة المقبولة -إذا- هي التي جمعت شرطين؛ إذن الله ﷿ للشافع أن يشفع، ورضاه ﷾ عن المشفوع
. يقول ﷿: ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى﴾ [النجم: ٢٦] .
_________________
(١) ١ مدارج السالكين لابن القيم ١/ ٣٧٢. وانظر تيسير العزيز الحميد للشيخ سليمان بن عبد الله ص٢٨٥. ٢ تقدم تخريجه ص٧٤ من هذا الكتاب. ٣ انظر مدارج السالكين لابن القيم ١/ ٣٩٦-٣٧٠.
[ ١١٩ ]
من أنواع الشرك في الألوهية والتعبد:
ثالثا: شرك النية والإرادة والقصد
أولا: المراد بهذا النوع
هو أن ينوي العبد ويريد ويقصد بعمله جملة وتفصيلا غير الله ﷿.
أو هو العمل الصالح للدنيا فقط. أو هو الذي يعمل العمل من غير إيمان، أو كان غرضه وهدفه الحياة الدنيا فقط١؛ فمن كان غرضه الدنيا لا غير، لا يريد إلا إياها، ولا يحب ولا يبغض إلا من أجلها، ولا يوالي ولا يعادي إلا عليها؛ فليس له في الدنيا إلا ما قدر لهن وهو في الآخرة من أهل النار.
ثانيا: دليل هذا النوع
يدل على هذا النوع قول الله ﷿: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لا يُبْخَسُونَ، أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [هود: ١٥-١٦]؛ فهؤلاء لم يعملوا إلا للحياة الدنيا وزينتها فقط؛ فليس لهم في الآخرة ثواب؛ لأنهم لم يريدوا بعملهم الآخرة، وإنما أرادوا الدنيا٢.
من أنوع الشرك في الألوهية والتعبد:
رابعا: شرك الطاعة
تمهيد:
سبق أن ذكرنا أن توحيد الألوهية يعني: إفراد الله ﷿ بالعبادة٣. ومن العبادة: الخضوع له ﷿ في الحكم، وتنفيذ أوامره ظاهرا وباطنا٤، كما قال سبحانه: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ [يوسف: ٤٠]؛ فالحكم حق له.
ولا يتم الإيمان إلا بتحكيم شرع الله ﷾، كما قال: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: ٦٥] .
_________________
(١) ١ انظر: تجريد التوحيد للمقريزي ص٦٧. وتيسير العزيز الحميد للشيخ سليمان بن عبد الله ص٥٣٧. وبيان الشرك ووسائله عند علماء الحنابلة للخميس ص١٤. ٢ انظر: تيسير العزيز الحميد في شرح كتاب التوحيد للشيخ سليمان بن عبد الله ص٥٣٥. وفتح المجيد شرح كتاب التوحيد للشيخ عبد الرحمن بن حسن ص٥٤٠. ٣ انظر ص٥٩ من هذا الكتاب. ٤ أضواء البيان للشنقيطي ١/ ٣٩٦-٣٩٧.
[ ١٢٠ ]
أولا: تعريفه
يعرف شرك الطاعة بأنه: مساواة غير الله بالله في التشريع والحكم١. أو طاعة العلماء والأمراء في المعصية، مع استحلال ذلك٢؛ فكل من أطاع مخلوقا في تحريم الحلال، أو تحليل الحرام؛ فهو مشرك شرك طاعة. يقول الشيخ محمد الأمين الشنقيطي ﵀: إن الذين يتبعون القوانين الوضعية التي شرعها الشيطان على ألسنة أوليائه مخالفة لما شرعه الله جل وعلا على ألسنة رسله صلوات الله وسلامه عليهم، أنه لا يشك في كفرهم وشركهم إلا من طمس الله بصيرته، وأعماه عن نور الوحي مثلهم٣.
ثانيا: من أدلة هذا النوع
يدل لهذا النوع أدلة كثيرة؛ منها:
١- قول الله ﷿: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [التوبة: ٣١]؛ فهؤلاء اتخذوا علماءهم، ومشايخهم وقراءهم سادة لهم من دون الله، يطيعونهم في معاصي الله، فيحلون ما أحلوه لهم مما قد حرمه الله عليهم، ويحرمون ما يحرمونه عليهم، مما قد أحله الله لهم٤.
٢- عن عدي بن حاتم ﵁ أنه سمع رسول الله ﷺ يقرأ هذه الآية: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣١]؛ فقال لرسول الله ﷺ: إنا لسنا نعبدهم! قال ﷺ: "أليس يحرمون ما أحل الله فتحرمونه، ويحلون ما حرم الله فتحلونه"؟ قال عدي: بلى.
فقال رسول الله ﷺ: "فتلك عبادتهم" ٥.
٣- قول الله ﷿: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالًا بَعِيدًا﴾ [النساء: ٦٠]؛ فسمى سبحانه الاحتكام إلى غير شرعه تحاكما إلى الطاغوت٦.
_________________
(١) ١ انظر المدخل لدراسة العقيدة الإسلامية للبريكان ص١٥٥. ٢ انظر: فتح المجيد للشيخ عبد الرحمن بن حسن ص٥٥٣. وبيان الشرك ووسائله عند علماء الحنابلة للخميس ص١٥. ٣ أضواء البيان للشنقيطي ٤/ ٨٣-٨٤. ٤ انظر جامع البيان للطبري ٦/ ٣٥٤. ٥ أخرجه الترمذي في الجامع الصحيح، كتاب التفسير، باب: ومن سورة التوبة. وحسنه. ٦ انظر فتح المجيد شرح كتاب التوحيد للشيخ عبد الرحمن بن حسن ص٥٦٧.
[ ١٢١ ]
٤- قول الله ﷿: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: ٦٥]؛ فنفى ﷿ الإيمان عن المعرضين عن الاحتكام إلى شرعه، وأقسم بنفسه ﷾ أنه لن يؤمن أحد حتى يحكم بما جاء به الرسول ﷺ، وحتى ينتفي عن صدره الضيق والحرج من ذلك.
ثالثا: من الأمثلة على هذا النوع
١- الطاعة في تحكيم القوانين الوضعية بدلا من الشريعة الإسلامية، والاحتكام إليها.
٢- الطاعة في تحليل ما علم تحريمه من دين الإسلام بالضرورة؛ مثل الربا، والزنا، والتبرج، والسفور، والقمار، ونحو ذلك من سائر المعاملات المنصوص على تحريمها، ولا مجال للاجتهاد فيها.
٣- الطاعة في تحريم ما أحل الله وأباحه؛ مثل أكل اللحوم، وتعدد الزوجات، والملكية الفردية، وغير ذلك.
وعن هذه الأمثلة يقول الشيخ الشنقيطي ﵀: الحلال هو ما أحله الله، والحرام هو ما حرمه الله، والدين هو ما شرعه الله؛ فكل تشريع من غيره باطل، والعمل به بدل تشريع الله -عند من يعتقد أنه مثله، أو خير منه-، كفر بواح، لا نزاع فيه"١.
خاتمة لهذا النوع:
علماء الأمة الإسلامية اتفقوا على أن الحكم لله ﷿ وحده؛ لأنه المالك للخلق وحده؛ فله الحكم والأمر فيهم بما شاء.
يقول الإمام أبو حامد الغزالي ﵀: "أما استحقاق نفوذ الحكم؛ فليس إلا لمن له الخلق والأمر. فإنما النافذ حكم المالك على مملوكه، ولا مالك إلا الخالق ﷿، فلا حكم ولا أمر إلا له. أما النبي ﷺ، والسلطان، والسيد، والأب، والزوج، فإذا أمروا وأوجبوا، لم يجب شيء بإيجابهم، بل بإيجاب الله تعالى طاعتهم؛ لولا ذلك لكان كل مخلوق أوجب على غيره شيئا، كان للموجب عليه أن يقلب عليه الإيجاب؛ إذا ليس أحدهما أولى من الآخر.
فإذا: الواجب طاعة الله تعالى، وطاعة من أوجب الله طاعته٢.
_________________
(١) ١ أضواء البيان للشنقيطي ٧/ ١٦٢. ٢ المستصفى لأبي حامد الغزالي ١/ ٨٣.
[ ١٢٢ ]
من أنواع الشرك في الألوهية والتعبد:
خامسا: شرك المحبة
تمهيد:
سبق أن شكرنا أن العبادة تقوم على ثلاثة أركان، أحدها المحبة١. وهي محبة العبودية التي تستلزم الذل لله، والخضوع له، وتعظيمه، ومال طاعته، وإيثاره على غيره ﷿.
وهذه المحبة هي المحبة الواجبة؛ إذ المحبة ثلاثة أنواع:
أولا: أنواع المحبة: المحبة ثلاثة أنواع:
١- محبة واجبة: وهي التي سبقت الإشارة إليها؛ محبة طاعة الله، والانقياد له٢؛ وهي محبة العبودية المستلزمة للذل والخضوع، وكمال الطاعة، وإيثار المحبوب على غيره؛ فهذه المحبة خالصة لله، لا يجوز أن يشرك معه فيها أحد٣.
٢- محبة محرمة، أو شركية: وهي صرف تلك المحبة الواجبة لله ﷿، إلى غيره؛ فمن أحب غير الله حب ذل وخضوع، فقدم طاعته على طاعة الله، وآثر محابه على محاب الله، فقد جعله ندا لله.
وعنها يقول شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب ﵀: إن من اتخذ ندا تساوي محبته محبة الله، فهو الشرك الأكبر٤. وهذه المحبة: قليلها وكثيرها ينافي في محبة الله ورسوله صلى الله عليه وسلم٥.
٣- محبة طبيعية، أو جبلية: وهذه مباحة، ما لم تصل إلى تعظيم المحبوب إلى الحد الذي لا يليق إلا بالله ﷿. ومن أمثلة هذه المحبة: حب الإنسان لوطنه، والوالد لولده، والزوج لزوجه، وذي المال لماله، وغير ذلك. وعنها يقول مولانا ﷿: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ﴾ [آل عمران: ١٤] .
ثانيا: كيف يقع الشرك في المحبة؟ تقدم أن الإنسان إذا صرف المحبة الواجبة لله ﷾، لغير الله ﷿، فقد اشرك في المحبة.
_________________
(١) ١ انظر ص٩٧ من هذا الكتاب. ٢ انظر: الوسيط في تفسير القرآن للواحدي ١/ ١٣٦. والإرشاد إلى صحيح الاعتقاد للفوزان ص٧٤. ٣ الإرشاد إلى صحيح الاعتقاد للشيخ صالح الفوزان ص٧٤. ٤ انظر فتح المجيد شرح كتاب التوحيد للشيخ عبد الرحمن بن حسن ص٤٨٧. ٥ انظر المرجع نفسه ص٤٧٨.
[ ١٢٣ ]
ثالثا: دليل هذا النوع: من الدلة على هذا النوع: قول الله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ [البقرة: من الآية ١٦٥] . وقد تقدم معناها١.
شبهة والرد عليها:
يعترض بعض الواقعين في هذا النوع من الشرك: بأنهم يحبون الله حبا شديدا، ربما أشد من حبهم لأندادهم، فأين الشرك في ذلك؟.
وعلى شبهتهم هذه رد العلامة ابن القيم ﵀ بقوله: وترى المشرك يكذب حاله وعمله قوله؛ فإنه يقول: لا نحبهم كحب الله، ولا نسويهم بالله، ثم يغضب لهم ولحرماتهم إذا انتهكت أعظم مما يغضب لله، ويستبشر بذكرهم، ويتبشبش به، سيما إذا ذكر عنهم ما ليس فيهم؛ من إغاثة اللهفان، وكشف الكربات، وقضاء الحاجات، وأنهم الباب بين الله وبين عباده؛ فإنك ترى المشرك يفرح، ويسر، ويحن قلبه، وتهيج منه لواعج التعظيم والخضوع لهم والموالاة، وإذا ذكرت له الله وحده، وجردت توحيده، لحقته وحشتة، وضيق، وحرج، ورماك بنقص الإلهية التي له، وربما عاداك٢.
من أنواع الشرك في الألوهية والتعبد:
سادسا: شرك الخوف
تمهيد:
سبق أن ذكرنا أن العبادة تقوم على ثلاثة أركان، أحدها الخوف٣. وهو عبدية القلب التي لا يجوز تعلقها بغير الله ﷿؛ فيخاف العبد مولاه ﷾ أن يصيبه بما يشاء من العقوبات، والمصائب، والأوصاف؛ ويخاف مما توعد به العصاة في الآخرة من النكال والعذاب.
وهذا هو الخوف الواجب صرفه لله ﷿، ولا يجوز أن يصرف لكائن من كان سوى الله ﷻ.
أنواع الخوف: الخوف أنواعه ثلاثة، كما المحبة:
١- خوف واجب: وقلنا هو الخوف من الله ﷿ أن يصيبك بما يشاء والمطلوب فيه:
_________________
(١) ١ انظر ص٧٥ من هذا الكتاب. ٢ مدارج السالكين لابن القيم ١/ ٣٧١. ٣ انظر ص٩٧، ١٠٠ من هذا الكتاب.
[ ١٢٤ ]
أن يحملك على فعل المأمورات، واجتناب المنهيات والمحظورات. وهذا الخوف يجب أن يكون مقترنا بالرجاء والمحبة؛ بحيث لا يكون خوفا باعثا على القنوط من رحمة الله، أو اليأس من روح الله ﷿؛ فالمؤمن يسير إلى الله بين الخوف والرجاء؛ بحيث لا يذهب مع الخوف فقط حتى يقنط من رحمة الله، ولا يذهب مع الرجاء فقط حتى يأمن من مكر الله؛ لأن القنوط من رحمة الله، والأمن من مكر الله ينافيان التوحيد. قال تعالى: ﴿أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [الأعراف: ٩٩]، وقال تعالى: ﴿إِنَّهُ لا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ﴾ [يوسف: ٨٧]، وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ﴾ [الحجر: ٥٦] "١.
٢- خوف طبيعي٢: وهو الخوف مما يخاف منه طبعا؛ كالخوف من السبع، كالأسد ونحوه، والعدو المبغت، وغير ذلك، مع اعتقاد أن النفع والضر بيد الله وحده. وهذا الخوف مباح، وهو غير مذموم. وقد وقع لموسى ﵇، يقول تعالى حاكيا عنه: ﴿فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ قَالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [القصص: ٢١] .
٣- الخوف المحرم: وهو قسمان:
الأول: الخوف السري "الاعتقادي"، وسمي اعتقاديا لأن محله القلب وهو: الخوف من غير الله أن يؤثر فيه، أو يصيبه لما لا يقدر عليه إلا الله ﷿؛ من مرض، أو منع رزق، أو إصابة بفقر، أو نحو ذلك بقدرته ومشيئته، كما قال الله عن قوم هود ﵇ إنهم قالوا له: ﴿إِنْ نَقُولُ إِلَّا اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ قَالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ﴾ [هود: ٥٤] ٣.
وهذا الخوف هو الخوف الشركي؛ فمن وقع فيه وقع في الشرك الأكبر.
_________________
(١) ١ الإرشاد إلى صحيح الاعتقاد للشيخ صالح الفوزان ص٦٩-٧٠. ٢ انظر: فتح المجيد للشيخ عبد الرحمن بن حسن ص٤٨٩. والإرشاد للفوزان ص٦٧. ٣ انظر: فتح المجيد للشيخ عبد الرحمن بن حسن ص٤٨٨. والأسئلة والأجوبة في العقيدة للشيخ صالح الأطرم ص٣٩. والإرشاد للشيخ صالح الفوزان ص٦٦.
[ ١٢٥ ]
الثاني: الخوف العملي١: وهو الخوف من الناس المؤدي إلى ترك الواجب، أوالمؤدي إلى عمل المحرم.
وهذا الخوف حرام، وينافي كال التوحيد، وهو خوف أصغر.
ودليله: قول الله ﷿: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ [آل عمران: ١٧٣]؛ فاخشوهم: أي واتركوا الجهاد، ويشهد لهذا القسم أيضا قوله ﷺ: "إن الله تعالى يقول للعبد يوم القيامة: ما منعك إذ رأيت المنكر أن لا تغيره؟ فيقول: رب خشية الناس؛ فيقول: إياي كنت أحق أن تخشى" ٢.
خاتمة:
أنواع الشرك في الألوهية كثير تتعلق بعبادته ﷿ ومعاملته؛ فمن صرف شيئا من العبادة لغير الله ﷿؛ فقد وقع في هذا النوع من أنواع الشرك، سواء أكانت العبادة المصروفة لغير الله: نذرا، أو ذبحا، أو سجودا، أو حبا، أو ذلا، أو توكلا، أو رجاء، أو خوفا، أو دعاء، أو غير ذلك.
_________________
(١) ١ انظر: فتح المجيد للشيخ عبد الرحمن بن حسن ص٤٨٩. والأسئلة والأجوبة في العقيدة للشيخ صالح الأطرم ص٣٩. والإرشاد للشيخ صالح الفوزان ص٦٦. ٢ أخرجهألأحمد في مسنده ٣/ ٢٧، ٢٩، ٧٧، وابن ماجه في السنن، كتاب الفتن، باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وصححه الشيخ الألباني في صحيح الجامع رقم ١٨١٤. وانظر فتح المجيد ص٤٨٩.
[ ١٢٦ ]