أولا: تعريفه
هو اعتقاد أن احدا غير الله تعالى يعلم الغيب. وهو كفر لمعارضته لقوله ﷿:
﴿قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾ [النمل: ٦٥]، وقوله ﷾: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ﴾ [الأنعام: ٥٩] .
ثانيا: من الأمثلة عليه
الأمثلة على هذا النوع كثيرة، ويمكن بيان بعضها في المسائل التالية.
المسألة الأولى: السحر
أولا: تعريفه
السحر في اللغة: ما خفي ولطف سببه١. وفي الاصطلاح: عزائم ورقى وعقد وكلام يتكلم به، أو يكتب، أو يعمل شيء يؤثر في القلوب والأبدان والعقول؛ فيمرض، ويقتل، ويفرق بين المرء وزوجه٢.
ثانيا: قسما السحر: السحر قسمان ٣
قسم: خيالات ترهب بظاهرها، وتؤثر في القلوب، بيد أنه لا حقيقة لها؛ كسحر سحرة فرعون. قال تعالى عنه: ﴿يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى﴾ [طه: من الآية٦٦] .
وقسم: له حقيقة؛ كالذي حدث لر سول الله صلى الله عليه وسلم٣، حين سحره اليهودي لبيد بن أعصم؛ فعن عائشة -﵂- أن النبي ﷺ سحر حتى كان يخيل إليه أنه يفعل الشيء، وما يفعله، حتى أتاه ملكان؛ فقعد أحدهما عند رجليه ﷺ، والآخر عند رأسه، فأخبراه بصنيع اليهودي، وأنه سحره في مشط ومشاطة؛ جعله في وعاء طلع النخل، ودفنه في بئر ذي أروان، فأخرجه رسول الله صلى الله عليه وسلم٤.
_________________
(١) ١ انظر: الصحاح للجوهري ٥/ ٦٧٨. والقاموس المحيط للفيروزآبادي ص٥١٩. ٢ انظر المغني لابن قدامة ٨/ ١٥٠. ٣ انظر المجموع الثمين للشيخ ابن عثيمين ٢/ ١٤٣. ٤ انظر الحديث بطوله في صحيح البخاري، كتاب الطب، باب السحر، وباب: هل يستخرج السحر، وفي صحيح مسلم، كتاب السلام، باب السحر. ملاحظة: هذا الذي وقع لرسول الله ﷺ ليس فيه انتقاصا لشخصه، بل هو كالأمراض التي كانت تعتريه ﷺ وإصابته به كإصابته بالسم، لا فرق بينهما. "انظر: زاد المعاد لابن القيم ٤/ ١٢٤".
[ ١٧٩ ]
ثالثا: حكم السحر، مع الدليل: السحر محرم بالكتاب والسنة والإجماع.
وهو من أكبر الكبائر، ومن السبع الموبقات.
ودليل ذلك من كتاب الله: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُوا الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٠٢]؛ فدلت هذه الآية الكريمة على أن السحر كفر، وأن السحرة يفرقون بين المرء وزوجه، كما دلت على أن السحر ليس بمؤثر لذاته نفعا ولا ضرا، وإنما يؤثر بغذن الله الكوني والقدري؛ لأن الله ﷾ هو الذي خلق الخير والشر. كما دلت الآية الكريمة على أن الذين يتعلمون السحر إنما يتعلمون ما يضرهم ولا ينفعهم، وأنه ليس لهم عند الله من خلاق -أي من حظ ونصيب. وهذا وعيد عظيم يدل على شدة خسارتهم في الدنيا والآخرة، وأنهم باعوا أنفسهم بأبخس الأثمان١.
ودليل حرمة السحر من السنة: قوله ﷺ: "اجتنبوا الموبقات: الشرك بالله، والسحر" ٢.
فالسحر من الموبقات. يقول الإمام النووي ﵀ عن السحر: عمل السحر حرام، وهو من الكبائر بالإجماع، وقد عده النبي ﷺ من السبع الموبقات. ومنه ما يكون كفرا، ومنه ما لا يكون كفرا؛ بل معصية كبيرة. فإن كان فيه قول أو فعل يقتضي الكفر، فهو كفر، وإلا فلا. وأما تعلمه وتعليمه فحرام٣؛ فالسحر قد يكون كفرا إذا كان فيه تعظيم غي الله؛ من الجن والشياطين والكواكب وغيرهم، وإذا كان فيه ادعاء علم الغيب.
وأكثر العلماء على أن الساحر كافر يجب قتله٤، وحده -كما في الحديث-: "ضربة بالسيف"٥. وسئل الإمام أحمد عن الساحر، فقال: إذا عرف بذلك فأقر؛ يقتل٦.
_________________
(١) ١ رسالة في حكم السحر والكهانة للشيخ ابن باز ص٧. ٢ صحيح البخاري، كتاب الطب، باب الشرك والسحر من الموبقات. ٣ نقله عنه ابن حجر في فتح الباري ١٠/ ٢٢٤. وانظر كلام الحافظ ابن حجر عن حكم السحر وتعلمه في الموضع نفسه. وانظر: تفسير ابن كثير ١/ ٢٥٨. وأضواء البيان للشنقيطي ٤/ ٤٥٦. ٤ مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية ٢٩/ ٣٨٤. ٥ أخرجه مالك في الموطأ ٢/ ٨٧١. والحاكم في المستدرك ٤/ ٣٦٠ مرفوعا، ولا يصح رفعه، بل هو موقوف. ٦ انظر مسائل الإمام أحمد، برواية ولده عبد الله ص٢٤٧. وأحكام أهل الملل للخلال ص٢٠٧.
[ ١٨٠ ]
رابعا: علاج السحر:
حصل العلاج بأن يقرأ على المسحور: سورة الإخلاص، والمعوذتين، وآية الكرسي، والآيات التي ذكر فيها السحر، وخاصة التي في سورة يونس، في قوله ﷿:
﴿مَا جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ إِنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ إِنَّ اللَّهَ لا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ﴾ [يونس: ٨١]، شريطة أن يصدر ذلك عن إخلاص، وصدق، وتوكل، وإيمان جازم بأن النافع والضار هو الله ﷿ وحده.
ولو أضاف سبع ورقات من السدر الأخضر، ودقهن، ووضعهن في ماء تقرأ فيه تلك الآيات، ويحسو منها المسحور ثلاث حسوات، ويغتسل بالباقي، لكان ذلك أفضل١.
المسألة الثانية: الكهانة
أولا: تعريف الكاهن
الكاهن هو الذي يدعي أنه يعلم الغيب، وهو لفظ يطلق على العراف، والرمال، والذي يضرب بالحصى، والمنجم٢؛ فكل من أخبر عن المغيبات في المستقبل، هو كاهن، وكل من ادعى معرفة علم شيء من المغيبات، فهو إما داخل في اسم الكاهن، او مشارك له في المعنى، فيلحق به٣.
فائدة:
سئل الإمام أحمد ﵀: الكاهن شرا أو الساحر؟ قال: كل شر٤.
ثانيا: حكم الكهانة، مع الدليل
الكهانة محرمة بالكتاب، والسنة، والإجماع.
يقول الله ﷿ مخاطبا رسوله ﷺ: ﴿فَذَكِّرْ فَمَا أَنْتَ بِنِعْمَتِ رَبِّكَ بِكَاهِنٍ وَلا مَجْنُونٍ﴾ [الطور: ٢٩] .
ووجه الدلالة من هذه الآية على تحريم الكهانة: أن الله ﷿ نفي الكهانة عن نبيه ﷺ؛ لأن الكهان يدعون علم الغيب. ومجرد ادعاء علم الغيب كفر بواح، فاعتبر الله ﷿ السلامة من الكهانة نعمة. ومفهوم ذلك أن الكهانة تتنافى مع نعمة الإسلام٥.
_________________
(١) ١ انظر: فتح الباري لابن حجر ١٠/ ٢٣٣-٢٣٤. وأضواء البيان للشنقيطي ٤/ ٤٦٤. ورسالة في حكم السحر والكهانة للشيخ ابن باز ص٨-١٣. والمجموع الثمين للشيخ ابن عثيمين ١/ ١٥٥. ٢ فتح الباري لابن حجر ١٠/ ٢١٦. ٣ انظر فتح المجيد شرح كتاب التوحيد للشيخ عبد الرحمن بن حسن ص٤١٤. ٤ انظر أحكام أهل الملل للخلال ص٢٠٨. ٥ انظر أضواء البيان للشنقيطي ٧/ ٤٥٦.
[ ١٨١ ]
ومن السنة قوله ﷺ: "ليس منا من تطير أو تطير لهن أوتكهن أو تكهن لهن أو سحر أو سحر له، ومن أتى كاهنا فصدقه بما يقول، فقد كفر بما أنزل على محمد ﷺ" ١؛ ففي قوله ﷺ: "أو تكهن أو تكهن له" إشارة إلى أن من تلقى الكهانة عمن يتعاطها، فقد برئ منه رسول الله ﷺ. ففيه وعيد وتحذير من مجرد إتيان الكهان والعرافين ونحوهم ممن يدعون معرفة الغيب -ولو لم يصدقهم- ويشهد لهذا المعنى قوله ﷺ: "من أتى عرافا فسأله عن شيء، لم تقبل له صلاة أربعين ليلة" ٢. هذا إذا سأله ولم يصدقه. أما إذا سأله، ودقهن فالوعيد أشد -والعياذ بالله تعالى، يقول ﷺ: "من أتى كاهنا فصدقه بما يقول، أو أتى امرأة حائضا، أو أتى امرأة في دبرها، فقد برئ مما أنزل الله على محمد ﷺ" ٣.
قال الشيخ عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ ﵀ معلقا على هذا الحديث: ظاهر الحديث أنه يكفر متى اعتقد صدقه بأي وجه كان٤.
فإذا كان هذا حال من أتى الكاهن، فما هو حال الكاهن نفسه؟!
المسألة الثالثة: التنجيم
أولا: تعريفه
التنجيم -كما يزعم أهله: هو الاستدلال على الحوادث الأرضية قبل حدوثها بالنظر في الأحوال الفلكية٥؛ فيخبر أهل هذه الصناعة عما سيقع في العالم مستقبلا، ويزعمون أنهم استفادوا ذلك من النظر في سير الكواكب في مجاريها، واجتماعها واقترانها، زاعمين أن لها تأثير في العالم السفلي٦.
_________________
(١) ١ ذكره الهيثمي في مجمع الزوائد ٥/ ١١٧، وقال: "ورجاله رجال الصحيح خلا إسحاق بن الربيع وهو ثقه". وقال المنذري في الترغيب والترهيب ٤/ ٣٣: "رواه البزار بإسناد جيد". ٢ صحيح مسلم، كتاب السلام، باب تحريم الكهانة، وإتيان الكهان. ٣ أخرجه أبو داود في سننه، كتاب الطب، باب في الكاهن. والترمذي في جامعه، كتاب الطهارة، باب ما جاء كراهية إتيان الحائض. وابن ماجه في سننه، كتاب الطهارة، باب النهي عن إتيان الحائض. والحديث صححه الألباني في صحيح سنن أبي داود ٢/ ٧٣٩، وفي صحيح سنن الترمذي ١/ ٤٤. ٤ فتح المجيد شرح كتاب التوحيد للشيخ عبد الرحمن بن حسن ص٤١١. ٥ انظر مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية ٣٥/ ١٩٢. ٦ انظر التنجيم والمنجمون وحكمهم في الإسلام للدكتور عبد المجيد المشعبي ص٣١-٣٣.
[ ١٨٢ ]
ثانيا حكم التنجيم، مع الدليل:
قبل الحديث عن حكم التنجيم، تجدر الإشارة إلى أن التنجيم نوعان:
أحدهما: مباح، وهو ما يعرف بعلم الحساب، أو علم التسيير؛ كمعرفة وقت الكسوف، والخسوف، والرصد، وهبوب الرياح، واتجاهاتها، مع الاعتقاد الجازم أن كل شيء يجري في هذا الكون بقضاء الله وقدره. وعند الإخبار بشيء من ذلك يقيد الكلام بمشيئة الله، وبعبارة التوقع؛ فهذا قال العلماء بجوازه. ولا يدخل تحت هذه المسألة١.
أما النوع الثاني: وهو الاستدلال بالأحوال الفلكية على الحوادث الأرضية؛ فيدعي المنجم أنه من خلال النظر في النجوم يمكن أن يعرف ما سيقع في الأرض؛ من نصر قوم، أو هزيمة آخرين، أو موت أو حياة، أو قيام أو زوال، أو خسارة لرجل، وربح لآخر.
فهذا النوع هو المراد بهذه المسألة، وهو محرم، وصاحبه يعتبر كافر كفار بواحا إذا اعتقد أن للنجوم تأثيرا ذاتيا في الحوادث الأرضية.
ومن الأدلة على تحريم التنجيم: أن الله ﷿ إنما خلق النجوم زينة للسماء، ورجوما للشياطين، وعلامات يهتدي بها. لم يخلقها سبحانه للاستدلال بها على ما يجري على الأرض.
يقول الله ﷿: ﴿وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ وَأَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابَ السَّعِيرِ﴾ [الملك: ٥]، ويقول ﷾: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ قَدْ فَصَّلْنَا الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ [الأنعام: ٩٧] .
وقد دلت السنة على تحريم التنجيم؛ فمن ذلك: قول رسول الله ﷺ: "من اقتبس شعبة من النجوم، فقد اقتبس شعبة من السحر، زاد ما زاد" ٢. وقوله ﷺ: "إن أخوف ما أخاف على أمتي في آخر زمانها: النجوم، وتكذيب بالقدر، وحيف السلطان" ٣.
_________________
(١) ١ انظر: فتح المجيد شرح كتاب التوحيد للشيخ عبد الرحمن بن حسن ص٤٤٨. والمجموع الثمين للشيخ ابن عثيمين ٢/ ١٤١-١٤٢. والتنجيم والمنجمون وحكمهم في الإسلام للدكتور عبد المجيد المشعبي ص١٦٠-١٦٢، ٣٠٥-٣٢٠. ٢ أخرجه أبو داود في السنن، كتاب الطب، باب في النجوم. وابن ماجه في السنن، كتاب الأدب، باب تعلم النجوم. وقد صححه الألباني في السلسلة الصحيحة رقم ٧٩٣، وفي صحيح سنن أبي داود ٢/ ٧٣٩، وفي صحيح سنن ابن ٢/ ٣٠٥. ٣ أخرجه الطبراني في المعجم في الكبير، وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد ٧/ ٢٠٣، وقال: "فيه ليث بن أبي سليم، وهو لين، وبقية رجاله وثقوا" وقال الألباني: "الحديث له شواهد كثير يرتقي بها إلى درجة الصحة في نقدي". "السلسلة الصحيحة ٣/ ١١٩، رقم ١١٢٧".
[ ١٨٣ ]