تمهيد:
ذكرنا فيما مضى أن رسولنا ﷺ كان حريصا على حماية جناب التوحيد١.
ومن مظاهر حرصه ﷺ، تلك الأحاديث الكثيرة التي قالها يحذر أمته عن سلوك الطرق التي تفضي إلى الشرك من اتخاذ القبور مساجد، أو البناء عليها، أو الصلاة إليها.
ويمكن تصنيف هذه الأحاديث وفق الموضوعات التالية:
أولا- أحاديث تنهى عن اتخاذ القبور مساجد، أو البناء عليها: ومنها:
١- ما جاء في الصحيح عن عائشة ﵂ أن أم سلمة ﵂ ذكرت لرسول الله ﷺ كنيسة رأتها بأرض الحبشة، وما فيها من الصور؛ فقال ﷺ: "أولئك إذا مات فيهم الرجل الصالح، أو العبد الصالح بنوا على قبره مسجدا وصوروا فيه تلك الصور، أولئك شرار الخلق عند الله" ٢. ويلاحظ الوعيد في هذا الحديث في قوله ﷺ: "أولئك شرار الخلق عند الله"، وهذا الوعيد يتناول من اتخذ قبور الأنبياء مساجد، ومعنى اتخاذها مساجد: أي بناء المساجد عليها٣. ومعلوم أن الفتنة بالقبور كالفتنة بالأصنام، أو أشد. يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: وهذه العلة التي لأجلها نهى الشارع ﷺ عن اتخاذ المساجد على القبور، هي التي أوقعت كثير من الأمم، إما في الشرك الأكبر، أو فيما دونه من الشرك فإن الشرك بقبر الرجل الذي يعتقد صلاحه أقرب إلى النفوس من الشرك بخشبة أو حجر؛ ولهذا تجد أهل الشرك يتضرعون عندها ويخشعون ويخضعون ويعبدون بقلوبهم عبادة لا يفعلونها في بيوت الله ولا وقت السحر، ومنهم من يسجد لها، وأكثرهم يرجون من بركة الصلاة عندها والدعاء ما لا يرجونه في المساجد٤. فنهى ﷺ عن بناء المساجد عليها حسما لمادة الشرك، وسدا للطرق المفضية إليه.
_________________
(١) ١ انظر ص١٥١ من هذا الكتاب. ٢ صحيح البخاري، كتاب الصلاة، باب: هل تنبش قبور مشركي الجاهلية ويتخذ مكانها مساجد؟ وصحيح مسلم، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب النهي عن بناء المساجد على القبور. ٣ انظر فتح الباري لابن حجر ١/ ٥٢٤. ٤ نقل ذلك عنه الشيخ عبد الرحمن بن حسن في كتاب فتح المجيد شرح كتاب التوحيد ص٣١٢.
[ ١٥٧ ]
٢- ما روته أم المؤمنين عائشة، وابن عباس ﵁ قالا: لما نزل برسول الله ﷺ طفق يطرح خميصة له على وجهه، فإذا اغتم بها كشفها عن وجهه؛ فقال وهو كذلك:
"لعنة الله على اليهود والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد" يحذر ما صنعوا.
قالت عائشة ﵂: ولولا ذلك لأبرز قبرهن غير أنه خشى أن يتخذ مسجدا١؛ أي: لولا نهيه ﷺ عن اتخاذ المساجد على القبور لكشف قبر النبي ﷺ، ولم يتخذ عليه الحائل.
فلعن -﵊- في هذا الحديث من كان قبلنا، وأنكر عليهم. وإنكاره صنيعهم هذا يخرج على وجهين:
أحدهما: أنهم يسجدون لقبور الأنبياء تعظيما لهم.
والثاني: أنهم يجوزون الصلاة في دافن الأنبياء والسجود في مقابرهم، والتوجه إليها حالة الصلاة نظرا منهم بذلك إلى عبادة الله، والمبالغة في تعظيم النبياء. والأول هو الشرك الجلي، والثاني الخفي؛ فلذلك استحقوا اللعن٢.
٣- ما رواه جندب بن عبد الله ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ قبل أن يموت بخمس وهو يقول: "ألا وإن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد، إني أنهاكم عن ذلك" ٣. ولهذا النهي منه ﷺ "بالغ المسلمون في سد الذريعة في قبر الرسول ﷺ، فأعلوا حيطان تربته، وسدوا المداخل إليها، وجعلوها محدقة بقبرة ﷺ، ثم خافوا أن يتخذ موضع قبره قبلة إذا كان مستقبل المصلين، فتتصور الصلاة إليه بصورة العبادة، فبنوا جدارين من ركني القبر الشماليين، وتحرفوهما حتى التقيا على زاوية مثلث من جهة الشمال، حتى لا يتمكن أحد من استقبال قبره"٤.
٤- ما رواه جابر بن عبد الله -﵄- قال: نهى رسول الله ﷺ أن يخصص القبر، وأن يقعد عليه، وأن يبنى عليه٥.
_________________
(١) ١ صحيح البخاري، كتاب الصلاة، باب ٥٥. وصحيح مسلم، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب النهي عن بناء المساجد على القبور. ٢ تيسير العزيز الحميد للشيخ سليمان بن عبد الله ص٣٢٧. ٣ صحيح مسلم، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب النهي عن بناء المساجد على القبور. ٤ المفهم شرح صحيح مسلم للقرطبي ٢/ ٩٣٢. ٥ صحيح مسلم، كتاب الجنائز، باب النهي عن تجصيص القبر والبناء عليه.
[ ١٥٨ ]
ويلاحظ النهي عن البناء على القبور في هذه الأحاديث، واللعن على ذلك؛ "فهذا التحذير منه ﷺ، واللعن عن مشابهة أهل الكتاب في بناء المساجد على قبر الرجل الصالح صريح في النهي عن المشابهة في هذا، ودليل على الحذر من جنس أعمالهم؛ حيث لا يؤمن في سائر أعمالهم أن تكن من هذا الجنس، ثم من المعلوم ما قد ابتلي به كثير من هذه الأمة؛ من بناء المساجد على القبور، واتخاذ القبور مساجد بلا بناء.
وكلا الأمرين محرم، ملعون فاعله بالمستفيض من السنة"١.
٥- ما رواه أبو الهياج الأسدي، قال: قال لي علي بن أبي طالب ﵁: ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله ﷺ: "أن لا تدع تمثالا إلا طمسته، ولا قبرا مشرفا إلا سويته" ٢؛ ففي قوله: "أن لا تدع تمثالا إلا طمسته": الأمر بتغييير صور ذوات الأرواح٣.
وقوله: "ولا قبرا مشرفا إلا سويته": أي لا يرفع القبر على الأرض رفعا كثيرا، ولا يسنم، بل يرفع نحو شبر، ويسطح٤.
قال العلامة محمد بن علي الشوكاني ﵀: "اعلم أنه اتفق الناس سابقهم ولاحقهم، وأولهم وآخرهم، من لدن الصحابة ﵃ إلى هذا الوقت: أن رفع القبور والبناء عليها بدعة من البدع التي ثبت النهي عنها، واشتد وعيد رسول الله ﷺ لفاعلها"٥.
وقال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي ﵀: والتحقيق الذي لا شك فيه: أنه لا يجوز البناء على القبور، ولا تجصيصها٤، واستدل بالحديثين السابقين.
ثانيا: أحاديث تنهى عن الصلاة إلى القبور، أو اتخاذها عيدا: ومنها:
الأحاديث التي تقدمت بالنهي عن اتخاذ القبور مساجد، دليل واضح في النهي عن الصلاة إليها؛ لأن من قصد القبور للصلاة عندها، أو إليها، فقد اتخذها مساجد وأعيادا، وارتكب ما نهى الله ورسوله عنه، ووقع في وسيلة من وسائل الشرك الأكبر٦.
_________________
(١) ١ اقتضاء الصراط المستقيم لابن تيمية ١/ ٢٩٥. ٢ صحيح مسلم، كتاب الجنائز، باب النهي عن تجصيص القبر والبناء عليه. ٣ انظر شرح النووي على صحيح مسلم ٧- ٣٦. ٤ أضواء البيان للشنقيطي ٣/ ١٧٧-١٧٨.٥ شرح الصدور بتحريم رفع القبور للشوكاني ص١٧. ٦ انظر الإرشاد إلى توحيد رب العباد للشيخ عبد الرحمن بن حماد آل عمر ص٩٧.
[ ١٥٩ ]
وقد دلت أحاديث كثيرة على تحريم الصلاة إلى القبور، أو اتخاذها عيدا، ومن ذلك:
١- ما رواه أبو مرثد الغنوي ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: " لا تصلوا إلى القبور، ولا تجلسوا إليها" ١؛ ففيه تصريح بالنهي عن الصلاة إلى قبر. قال الشافعي ﵀: وأكره أن يعظم مخلوق حتى يجعل قبره مسجدا مخافة الفتنة عليه وعلى من بعده من الناس٢.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ معلقا على هذا الحديث: فلا يجوز أن يصلي إلى شيء من القبور؛ لا قبور الأنبياء ولا غيرهم، لهذا الحديث الصحيح، ولا خلاف بين المسلمين أنه لا يشرع أن يقصد الصلاة إلى القبر، بل هذا من البدع المحدثة، وكذلك قصد شيء من القبور لا سيما قبور الأنبياء والصالحين عند الدعاء. وإذا لم يجز قصد استقباله عند الدعاء لله تعالى، فدعاء الميت نفسه أولى أن لا يجوز، كما أنه لا يجوز أن يصلي مستقبله، فلأن لا يجوز الصلاة له بطريق الأولى٣.
٢- ما رواه أبو هريرة رضي الله عن النبي ﷺ أنه قال: "لا تجعلوا بيوتكم قبورا، ولا تجعلوا قبري عيدا، وصلوا علي، فإن صلاتكم تبلغني حيث كنتم" ٤.
فإذا كان هذا في حق قبره ﷺ الذي هو أفضل قبر على وجه الأرض، فكيف بقبر غيره من البشر. يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ معلقا على هذا الحديث:
"ووجه الدلالة: أن قبر رسول الله ﷺ أفضل قبر على وجه الرض. وقد نهى عن اتخاذه عيدا. فقبر غيره أولى بالنهي كائنا من كان، ثم إنه قرن ذلك بقوله ﷺ: "ولا تتخذوا بيوتكم قبورا": أي لا تعطلوها عن الصلاة فيها والدعاء والقراءة، فتكون بمنزلة القبور. فأمر بتحري العبادة في البيوت، ونهى عن تحريها عند القبور٥.
_________________
(١) ١ صحيح مسلم، كتاب الجنائز، باب النهي عن تجصيص القبر والبناء عليه. ٢ شرح النووي على صحيح مسلم ٧/ ٣٨. ٣ قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة لابن تيمية ص٢٩٤-٢٩٥. ٤ أخرجه افمام أحمد في المسند ٢/ ٣٦٧. وابو داود في السنن، كتاب المناسك، باب زيارة القبور. وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود ١/ ٣٨٣. ٥ اقتضاء الصراط المستقيم لابن تيمية ٢/ ٦٥٧.
[ ١٦٠ ]
وقد ذكر الشيخ عبد الرحمن بن حسن ﵀ أن من أعظم المحدثات وأسباب الشرك بالقبور: الصلاة عندها، واتخاذها مساجد، وبناء المساجد عليها. وقد تواترت النصوص عن النبي ﷺ بالنهي عن ذلك والتغليظ فيه١.
ولصحة هذه النصوص وتواترها عن النبي ﷺ، وتنوع الوعيد الوارد فيها، أجمع أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ ومن بعدهم من سلف هذه الأمة وجميع من سار على نهجهم على تحريم اتخاذ المساجد على القبور، أو البناء عليها، أو الصلاة إليها.
ومن غربة الإسلام أن هذا الذي لعن رسول الله ﷺ فاعليه تحذيرا لأمته أن يفعلوه معه ﷺ ومع الصالحين من أمته، قد فعله الخلق الكثير من متأخري هذه الأمة، واعتقدوه قربة من القربات، وهو من أعظم السيئات والمنكرات، وما شعروا أن ذلك محادة لله ورسوله صلى الله عليه وسلم٢.
ملاحظة: لا يجوز الطواف بالقبور، ويعتبر شركا؛ لأن الطواف بالكعبة عبادة لله ﷿؛ كما قال تعالى: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: ٢٩]؛ ولا يجوز صرف هذه العبادة لغير الله تعالى. والطواف بالقبور يعتبر تعظيما وعبادة لصاحب القبر، وفيه مضاهاة للطواف بالكعبة. والله ﷿ إنما شرع حج بيته، والطواف به، ولم يشرع الطواف عند غيره؛ فالطواف ببيته ﷾ توحيد وعبادة ونفي للشرك؛ لأن المعبود بحق أمرنا أن نصرفه إليه في ذلك المكان. قال ﷿: ﴿وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ [الحج: ٢٦] ٣.
_________________
(١) ١ انظر فتح المجيد شرح كتاب التوحيد ص٣١٣. ٢ انظر المرجع نفسه ص٣١٥. ٣ انظر الأسئلة والأجوبة في العقيدة للشيخ صالح الأطرم ص٥٠.
[ ١٦١ ]