سبق أن ذكرنا تعريف شيخ الإسلام ابن تيمية للعبادة، بأنها: "اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه، من الأقوال والعمال الباطنة والظاهرة".
فالعبادة على هذا لا تقتصر على أركان الإسلام فحسب؛ من صلاة، وصيام، وزكاة، وحج. بل إن الإسلام أسبغ على أعمال الإنسان كلها صفة العبادة، إذا تحقق فيها شرطا قبول العمل، وهما١:
أولا: الإخلاص؛ بأن يكون العمل خالصا لوجه الله الكريم، كما قال تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاء﴾ [البينة: من الآية٥] . فينوي العبد أن يكون عمله، وقوله: وإعطاؤه، ومنعه، وحبه، وبغضه لله وحده، لا شريك له؛ إذا الأعمال لا تقوم إلا بالنيات، كما قال ﷺ: "إعمال بالنيات" ٢؛ فالنية تتحكم في العمل، وتقلبه إلى عبادة.
ثانيا: المتابعة؛ بأن يكون العمل على منهاج رسول الله ﷺ، وهديه القويم، كما قال تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: من الآية٧] . فالأعمال لا اعتبار لها إلا إذا كانت على الوجه الذي رسمه الشرع. روت أم المؤمنين عاشة ﵂ أن رسول الله ﷺ قال: "من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه، فهو رد" ٣.
وكل عمل بلا متابعة، فإنه لا يزيد عامله إلا بعدا من الله؛ فإن الله ﷿ إنما يعبد بأمره، لا بالأهواء، ولا الآراء.
والمسلك الحسن ليس في إخلاص العمل لله ﷿ فحسب، ولا في متابعة الرسول ﷺ فقط، بل في مجموعهما معا، فإن الله ﷿ ذكر العمل الصالح، فقال: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف: من الآية ١١٠]، والعمل الصالح هو الخالص الصواب، فإذا جمع العمل هذين الشرطين، كان عبادة.
_________________
(١) ١ انظرهما في كتاب: تجريد التوحيد المفيد للمقريزي ص٨٨-٨٩. ٢ صحيح البخاري، كتاب بدء الوحي، باب كيف كان بدء الوحي إلى رسول الله ﷺ. وصحيح مسلم، كتاب الإمارة، باب قوله ﷺ: "إنما الأعمال بالنيات". ٣ صحيح البخاري، كتاب الصلح، باب إذا اصطلحوا على جور، فالصلح مردود. وصحيح مسلم، كتاب الأقضية، باب نقض الأحكام الباطلة، ورد محدثات الأمور.
[ ٩٣ ]
والعبادة تتعدد وتتنوع لتشمل حياة الإنسان المسلم كلها، وفي هذه الأمثلة بيان لذلك:
١- الله ﷿ لم يقصر وصف الصلاح على العبادات المخصوصة، بل جعله شاملا لأعمال أخرى يقول ﷿: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلا نَصَبٌ وَلا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَطَأُونَ مَوْطِئًا يُغِيظُ الْكُفَّارَ وَلا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ إِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ، وَلا يُنْفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً وَلا يَقْطَعُونَ وَادِيًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [التوبة: ١٢٠-١٢١] .
٢- عن أبي ذر الغفاري ﵁ أن ناسا قالوا: يا رسول اللهّ! ذهب أهل الدثور بالأجور، يصلون كما نصلي، ويصومون كما نصوم، ويتصدقون بفضول أموالهم. قال ﷺ: "أو ليس قد جعل الله لكم ما تصدقون به: إن بكل تسبيحة صدقة، وكل تكبيرة صدقة، وكل تحميدة صدقة، وكل تهليلة صدقة، وأمر بالمعروف صدقة، ونهي عن المنكر صدقة، وفي بضع أحدكم صدقة". قالوا: يا رسول الله! أيأتي أحدنا شهوته، ويكون له فيها أجر؟ قال ﷺ: "أرأيتم لو وضعها في حرام، أكان عليها فيها وزر؛ فكذلك إذا وضعها في الحلال، كان له أجر" ١. فأخبر ﷺ أن باب العبادة واسع، يدخل فيه التسبيح، والتحميد، والتكبير والتهليل، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. حتى إتيان الرجل امرأته جعل فيه رسول الله ﷺ صدقة؛ لأن في الكف عن المعصية ابتغاء مرضاة الله ﷿ أجر وعبادة، إذ بإتيان الرجل امرأته يعف نفسه عن الحرام، ويعف أهله أيضا. فإن انضم إلى ذلك نية إنجاب الذرية الطيبة، وتربيتها التربية الحسنة، وحسن رعايتهم، ازدادت دارة العبادة بازدياد دائرة النية الصالحة.
٣- عن ابن عباس -﵄، عن النبي ﷺ فيما يروي عن ربه ﷿، قال: قال: "إن الله كتب الحسنات والسيئات، ثم بين ذلك فمن هم بحسنة فلم يعملها كتبها الله له عنده حسنة كاملة، فإن هو هم بها فعملها، كتبها الله له عنده عشر حسنات إلى سبعمائة ضعف إلى أضاف كثيرة. ومن هم بسيئة فلم يعملها كتبها الله له عنده حسنة كاملة، فإن هو هم بها فعملها كتبها الله له سيئة واحدة" ٢. فبين ﷺ أن النية الطيبة وحدها، ولو لم يصاحبها عمل، يؤجر الإنسان عليها. فالنية دائما لها أجرها.
وهكذا تتسع دائرة العبادة بقدر امتداد النية المقرونة بالعمل، حتى تشمل حياة المسلم كلها، في يقظته ومنامة، وفي صمته وكلامه، وفي سعيه لمعاشه ومعاده، ما دام العمل موافقا لشرع الله ﷺ وما دامت نيته ابتغاء وجه الله ﷿.
_________________
(١) ١ صحيح مسلم، كتاب الزكاة، باب بيان أن اسم الصدقة يقع على كل نوع من المعروف. ٢ صحيح البخاري، كتاب الرقاق باب من هم بحسنة أو بسيئة. وصحيح مسلم، كتاب الإيمان، باب إذا هم العبد بحسنة كتب.
[ ٩٤ ]