تمهيد:
شرع الله لأمة محمد ﷺ عيدين سنويين، وعيدا أسبوعيا؛ ففي الدنيا للمؤمنين ثلاثة أعياد: عيد يتكرر كل أسبوع، وعيدان يأتيان في كل عام مرة مرة، من غير تكرر في السنة١، وهما عيد الفطر وعيد الأضحى.
فلا يجوز إحداث أعياد أو احتفالات أخرى. بل كل ما أحدث يدخل تحت مسمى البدعة التي نهى عنها رسول الله ﷺ بقوله: "وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة" ٢.
قول الحافظ ابن رجب ﵀: وأصل هذا أنه لا يشرع أن يتخذ المسلمون عيدا، إلا ما جاءت الشريعة باتخاذه عيدا، وهو يوم الفطر، ويوم الأضحى وأيام التشريق، وهي أعياد العام، ويوم الجمعة، وهو عيد الأسبوع. وما عدا ذلك فاتخاذه عيدا وموسما بدعة لا أصل له في الشريعة٣.
وقد أدث الناس أعيادا لم يشرعها الله ﷿، ولا رسوله ﷺ، فابتدعوا في دين الله، وزادوا فيه ونقصوا، وعارضوا بصنيعهم قول الله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْأِسْلامَ دِينًا﴾ [المائدة: من الآية٣] .
وقد قسم الدكتور عبد الله بن جبرين ما أحدثه الناس من الأعياد والاحتفالات إلى ثلاثة أنواع٤:
_________________
(١) ١ لطائف المعارف فيما لمواسم العام من الوظائف لابن رجب الحنبلي ص٤٨٠. ٢ صحيح مسلم، كتاب الجمعة، باب تخفيف الصلاة والخطبة. ٣ لطائف المعارف فيما لمواسم العام من الوظائف لابن رجب الحنبلي ص٢٢٨. ٤ انظر مذكرة العقيدة الإسلامية للدكتور عبد الله بن جبرين ص١٦١-١٦٩.
[ ١٦٩ ]
النوع الأول:
أيام لم تعظمها الشريعة أصلا، ولم يحدث فيها حادث له شأن، ومن أمثلة هذا النوع: ما أحدث في شهر رجب من عبادات؛ صلاة، أو صيام، أو زكاة، أو غير ذلك. يقول الحافظ ابن رجب: فأما الصلاة فلم يصح في شهر رجب صلاة مخصوصة تختص به، والأحاديث المروية في فضل صلاة الرغائب في أول ليلة جمعة من شهر رجب كذب، وباطل لا تصح. وهذه الصلاة بدعة عند جمهور العلماء١.
وأماالصيام فلم يصح في فضل صوم رجب بخصوصه شيء عن النبي ﷺ ولا عن أصحابه رضي الله عنه١. وأما الزكاة فقد اعتاد أهل هذه البلاد إخراج الزكاة في شهر رجب، ولا أصل له في السنة، ولا عرف عن أحد من السلف٢.
النوع الثاني:
أيام وليالي جاء في الشرع ما يدل على فضلها؛ فهذه يتقييد المسلم بالعبادات المشروعة فيها، ولا يحدث عبادات ليس لها أصل في الشرع، ومن أمثلة هذا النوع ما أحدث في ليلة النصف من شعبان من صلاة الألفية، وغير ذلك. وهذه الصلاة المحدثة -كما ذكر العلامة ابن القيم- وضعت في الإسلام بعد أربعمائة سنة من هجرة رسول الله صلى الله عليه وسلم٣.
النوع الثالث:
أيام وليالي حدثت فيها حوادث مهمة، ولكن لم يأت في الشرع ما يدل على فضلها، أو على مشروعية التعبد لله أو الاحتفال فيها. ومن أمثلة هذا النوع:
١- حادثة الإسراء والمعراج:
فالإسراء والمعراج حادثتان ثابتان في كتاب الله ﷿، وفي سنة رسول الله ﷺ، ولكن لم يرد في تحديد وقتهما حديث صحيح ولا ضعيف. بل ليس هناك ما يعتمد عليه في تحديد الشهر الذي حدثتا فيه. يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: لم يقم دليل علوم لا على شهرها، ولا على عشرها، ولا على عينها، بل النقول في ذلك منقطعة مختلفة، ليس فيها ما يقطع به٤.
_________________
(١) ١ لطائف المعارف فيما لمواسم العام من الوظائف لابن رجب الحنبلي ص٢٢٨. ٢ المصدر نفسه ص٢٣١. ٣ انظر المنار المنيف في الصحيح والضعيف لابن القيم ص٩٩. ٤ نقله عنه تلميذه ابن القيم في كتابه: زاد المعاد ١/ ٥٧. وانظر فتح الباري لابن حجر ٧/ ٢٠٣، فقد ذكر اختلاف الناس الكبير في تحديد وقتها.
[ ١٧٠ ]
ولو ثبت أن هذه الحادثة وقعت في ليلة بعينها، فلا يجوز تخصيصها، أو تفضيلها على غيرها من الليالي بشيء من العبادات، لعدم ورود الشرع بشيء من ذلك.
ومن فعل شيئا من ذلك فقد ابتدع في دين الله ما ليس منه. يقول الشيخ علي محفوظ ﵀ عن ابتداع أصحاب هذا العصر احتفالات ما أنزل الله بها من سلطان: ومنها ليلة المعراج التي شرف الله تعالى هذه الأمة بما شرع لهم فيها، وقد تفنن أهل هذا الزمان بما يأتونه في هذه الليلة من المنكرات، وأحدثوا فيها من أنواع البدع ضروبا كثيرة؛ كالاجتماع في المساجد، وإيقاد الشموع والمصابيح فيها وعلى المنارات، مع الإسراف في ذلك، واجتماعهم للذكر والقراءة، وتلاوة قصة المعراج١.
٢- حادثة المولد النبوي:
لم يستطع العلماء تحديد ليلة بعينها ولد فيها رسولنا ﷺ، بل ولا شهر بعينه، وبينهم في ذلك خلاف مشهور؛ فمنهم من قال إنه ولد في رجب، ومنهم من قال في رمضان، ومنهم من قال في ربيع الأول. حتى من قالوا إنه ﷺ ولد في ربيع الأول اختلفوا في تحديد يوم مولده: أهو الثاني، أو الثامن، أو العاشر، أو الثاني عشر، أو السابع عشر، أو الثامن عشر، أو الثاني والعشرين٢.
وأتى العبيديون في القرن الرابع الهجري، فجزموا أن مولده ﷺ كان في شهر ربيع الأول؛ في الثاني عشر منه، وأحدثوا الاحتفال فيه٣، فخالفوا ما عليه المسلمون طيلة أربعة قرون. على الرغم من عدم وجود ما يرجح قولهم.
والذي أجمع عليه العلماء: أن الأمة الإسلامية أصيبت في هذا الشهر بأعظم مصاب، وهو وفاته ﷺ، والذي عليه جمهورهم أيضا: أنها كانت في الثاني عشر من هذا الشهر٤.
_________________
(١) ١ الإبداع في مضار الابتداع لعلي محفوظ ص١٤١. ٢ انظر في ذلك: الطبقات الكبرى لابن سعد ١/ ١٠٠-١٠١. والسيرة النبوية لابن هشام ١/ ١٥٨. وتاريخ الإسلام للذهبي -قسم السيرة ص٢٥-٢٦-. والبداية والنهاية لابن كثير ٣/ ٣٧٣-٣٨٠. ٣ انظر المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار للمقريزي ١/ ٤٢٣-٤٣٣. ٤ انظر في ذلك: الطبقات الكبرى لابن سعد ٢/ ٢٧٢-٢٧٥. وتاريخ الإسلام للذهبي -قسم السيرة ص٥٦٨-٥٧١-. وفتح الباري لابن حجر ٨/ ١٢٩. ولطائف المعارف فيما لمواسم العام من الوظائف لابن رجب الحنبلي ص٢١٢.
[ ١٧١ ]
فمن احتفل بمولده ﷺ في شهر ربيع الأول، وفي الثاني عشر منه، فإنما يحتفل بمصاب الأمة؛ لما تقدم من إجماع العلماء على أن وفاته ﷺ كانت يوم الاثنين، في شهر ربيع الأول، وقول جمهورهم أنها في الثاني عشر منه. وليس من محبته أن نقيم احتفالا يوم وفاته.
ولو فرض أن مولده ﷺ كان في هذا الشهر، وفي الثاني عشر منه، لما جاز لأحد أن يحتفل بهذه المناسبة؛ لعدم ورود دليل شرعي يجيز ذلك؛ ولأن الصحابة ﵁ لم يفعلوه، مع أنهم أشد اتباعا له ﷺ، وأشد حبا ممن أتى بعدهم. وكذلك لم يفعله أهل القرون الثلاثة المفضلة؛ فلو كان خيرا لسبقونا إليه. يقول شيخ الإسلام ابن تيمية في شأن اتخاذ مولد النبي ﷺ عيدا: فإن هذا لم يفعله السلف، مع قيام المقتضى له، وعدم المانع فيه لو كان خيرا. ولو كان هذا خيرا محضا أو راجحا، لكان السلف ﵃ أحق به منا؛ فإنهم كانوا أشد محبة لرسول الله ﷺ وتعظيما له منا، وهم على الخير أحرص. وغنما كمال محبته وتعظيمه في متابعته، وطاعته، واتباع أمره، وإحياء سنته باطنا وظاهرا، ونشر ما بعث به، والجهاد على ذلك بالقلب واليد واللسان.
فإن هذه طريقة السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان١.
ولا أدل على عدم احتفال السلف الصالح بالمولد النبوي من اختلافهم في تعيين تاريخ ولادته ﷺ؛ فلو كان يشرع فيها شيء من العبادات -على سبيل الافتراض- لعينها الصحابة واهتموا بها، ولكانت معلومة مشهورة٢.
"وبالجملة فإنه ينبغي للمسلم الذي يحب الله تعالى، ويحب نبيه ﷺ أكثر مما يحب نفسه وولده، أن يسير على خطى ومنهج الحبيب محمد بن عبد الله ﷺفداه أبي وأمي- وأن يكثر من قراءة وحفظ الكتاب الذي أنزل عليه، ومن حفظ وتدارس سنته وسيته في كل أيام وليالي العام، وأن يكثر من الصلاة والسلام عليه في جميع الأوقات، وبالأخص في كل يوم جمعة وليلتها من كل أسبوع٣.
_________________
(١) ١ اقتضاء الصراط المستقيم لابن تيمية ٢/ ٦١٥. ٢ التبرك: أنواعه وأحكامه للجديع ص٣٦٣. ٣ مذكرة العقيدة الإسلامية للدكتور ابن جبرين ص١٦٨.
[ ١٧٢ ]