النواقض لغة:
النواقض جمع، مفرده ناقض. يقال: نقض الشيء نقضا: أفسده بعد إحكامه.
ونقض ما أبرمه فلان: أبطله؛ فالنقض ضد الإبرام، ومنه نقض العهد أواليمين: نكثه، ونقض الحبل أو الغزل: حل طاقاته، ونقض البناء: هدمه١.
المراد بنواقض "لا إله إلا الله":
يراد بنواقض "لا إله إلا الله" مفسداتها؛ أي الأمور التي إذا فعلها الشخص، فسد توحيده وانتقض٢؛ فإذا وجد في العبد ناقض من نواقض "لا إله إلا الله"؛ فإنه لا يكون من المسلمين، ولا يكتسب أحكامهم، بل يعطي أحكام أهل الشرك والكفر.
ذكر ناقض "لا إله إلا الله":
تنوعت طرائق العلماء في ذكر هذه النواقض، وتقسيماتها، وتفريعاتها.
وثمة تقسيمات متعددة، وكلها صحيحة.
ولكني سأكتفي بالنواقض التي ذكرها شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب ﵀ في رسالته الموسومة بـ "نواقض الإسلام"٣.
وهذه النواقض عشرة، والحديث عنها سيكون في الوقفات التالية:
_________________
(١) ١ انظر: أساس البلاغة للزمخشري ص٦٥١. والقاموس المحيط للفيروز أبادي ص٨٤٦. ولسان العرب لابن منظور ٧/ ٢٤٢. والمعجم الوسيط لجماعة من المؤلفين ص٩٤٧. ٢ انظر شرح نواقض التوحيد لحسن بن علي عواجي ص٩. ٣ هذه الرسالة مطبوعة ضمن مؤلفات الشيخ محمد بنعبد الوهاب، قسم العقيدة والآداب، ص٣٨٥-٣٨٧.
[ ٧٧ ]
الوقفة الأولى: مع الناقض الأول: الإشراك بالله ١
المراد بهذا الناقض:
يقع هذا الناقض إذا صرف الإنسان شيئا من العبادة لغير الله ﷿؛ من صلاة، أو زكاة، أو ذبح، أو نذر، أو نحو ذلك.
يقول سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز -﵀-: "الشرك هو تشريك غير الله مع الله في العبادة؛ كأن يدعو الأصنام أو غيرها، أو يستغيث بها، أو ينذر لها، أو يصلي لها، أو يصوم لها، أو يذبح لها"٢.
ومن العبادة: النذر؛ فمن صرفه لغير الله فقد أشرك. يقول الشيخ سليمان بن عبد الله -﵀: إن الله تعالى مدح الموفين بالنذر، والله تعالى لا يمدح إلا على فعل واجب أو مستحب، أو ترك محرم، لا يمدح على فعل المباح المجرد، وذلك هو العبادة. فمن فعل ذلك لغير الله متقربا إليه، فقد اشرك٣.
من الدلة على هذا الناقض:
١- قول الله ﷿: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ [المائدة: من الآية٧٢]؛ فالله ﷿ قدحرم الجنة على كل مشرك، وجعل النار مأواه الدائم لأنه ترك القيام بعبوديته عز وجل٤.
٢- قول الله ﷿: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ١١٦]؛ فـ "من لقي الله لا يشرك به شيئا دخل الجنة، ومن لقيه يشرك به دخل النار" ٥، كما قال الصادق المصدوق ﷺ.
_________________
(١) ١ سيأتي الحديث عن هذا الناقض مفصلا في الباب الثاني من هذا الكتاب. ٢ مجموع فتاوى ومقالات متنوعة للشيخ ابن باز ٤/ ٣٢. ٣ تيسير العزيز الحميد للشيخ سليمان ص٢٠٣. ٤ انظر الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي لابن القيم ص١٩١. ٥ صحيح مسلم، كتاب افيمان، باب من مات لا يشرك بالله شيئا دخل الجنة ومن مات مشركا دخل النار.
[ ٧٨ ]
الوقفة الثانية: مع الناقض الثاني: من جعل وسائط وشفعاء بينه وبين الله، يدعوهم مع الله، أو من دون الله، أو يسألهم الشفاعة، أو يتوكل عليهم ١
المراد بهذا الناقض:
أن يجعل العبد لنفسه واسطة بينه وبين الله ﷿، فيما لا يقدر إلا الله، أو فيما لا يشرع ولا يجوز للعبد أن يجعله واسطة؛ كطلب الرحمة والمغرفة، ودخول الجنة، وطلب الشفاء، ولا رزق من غير الله ﷾؛ فهذا من الشرك الأكبر٢.
يقول شيخ افسلام ابن تيمية ﵀ عن هذا الناقض: فمن جعل الملائكة والأنبياء وسائط يدعوهم، ويتوكل عليهم، ويسألهم جلب المنافع ودفع المضار؛ مثل أن يسالهم غفران الذنوب، وهداية القلوب، وتفريج الكروب، وسد الفاقات؛ فهو كافر بإجماع المسلمين٣. لأن الثمرة التي يريد أن يصل إليها من يجيز جعل الوسائط بين العبد وربه، هو إثبات الاستغاثة والاستعانة بغير الله فيما لا يقدر عليه إلا الله. وهذا هو الشرك بعينه٤.
من الأدلة على هذا الناقض:
١- قول الله ﷿: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ﴾ [الأحقاف: ٥] .
٢- قول الله ﷿: ﴿لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ إِلَّا كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلالٍ﴾
٣- قول الله ﷿: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ شُرَكَاءَكُمُ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ أَمْ آتَيْنَاهُمْ كِتَابًا فَهُمْ عَلَى بَيِّنَتٍ مِنْهُ بَلْ إِنْ يَعِدُ الظَّالِمُونَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا إِلَّا غُرُورًا﴾ [فاطر: ٤٠] .
_________________
(١) ١ سيأتي الحديث عن هذا الناقض مفصلا في الباب الثاني من هذا الكتاب إن شاء الله تعالى. ٢ انظر تيسير ذي الجلال والإكرام بشرح نواقض الإسلام لسعد بن محمد القحطاني ص٤٤. ٣ مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية ١/ ١٢٤. ٤ انظر شرح نواقض التوحيد لحسن بن علي عواجي ص٣٧.
[ ٧٩ ]
الوقفة الثالثة: مع الناقض الثالث: عدم تكفير المشركين، أو الشك في كفرهم.
أو تصحيح مذهبهم ١
المراد بهذا الناقض:
أمر الله ﷿ رسوله ﷺ في آيات كثيرة بالبعد عن الكفار والمشركين، والمخالفة لهم، والبراءة منهم. قال تعالى: ﴿وَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ لِي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ أَنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ﴾ [يونس: ٤١]، وقال ﷿: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ، لا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ، وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ، وَلا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ، وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ، لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾ .
ومسألة الحكم بتكفير الكافر مبنية على أصل كبير؛ وهو أن الله تعالى عقد الأخوة والموالاة والمحبة بين المؤمنين كلهم، ونهى عن موالاة الكافرين كلهم، ممن ثبت في الكتاب والسنة الحكم بكفرهم٢.
بـ "من لم يكفر المشركين الذين كفرهم وشركهم ظاهر بين، فهو كافر؛ لأن الله تعالى كفرهم في كتابه، وعلى لسان رسوله ﷺ، فلا يحكم بإسلام المرء حتى يكفر المشركين"٣.
من الأدلة على هذا الناقض:
١- قول الله ﷿: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا آبَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاءَ إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الْأِيمَانِ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [التوبة: ٢٣] .
٢- قول الله ﷿: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ﴾ [الممتحنة: من الآية١] .
٣- قول الله ﷿: ﴿لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ﴾ [المجادلة: من الآية٢٢] .
_________________
(١) ١ سيأتي الحديث عن هذا الناقض مفصلا في الباب الثالث من هذا الكتاب إن شاء الله تعالى. ٢ شرح نواقض التوحيد لحسن بن علي عواجي ص٥١. ٣ تيسير ذي الجلال والإكرام بشرح نواقض الإسلام لسعد بن محمد القحطاني ص٥٣.
[ ٨٠ ]
الوقفة الرابعة: مع الناقض الرابع: من اعتقد أن غير هدي النبي ﷺ أكمل من هديه، أو أن حكم غيره أحسن من حكمه.
المراد بهذا الناقض:
من اعتقد أن هناك دينا أحسن من الدين الذي جاء به رسول الله ﷺ، أو هديا أكمل من هديه ﷺ، أو حكما أفضل من الحكم الذي أتى به من عند ربه ﷿، فقد كفر؛ لأنه كذب ما جاء في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ؛ فالله ﷿ يقول: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا﴾ [الإسراء: ٩]، ويقول ﷾: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [المائدة: ٥٠]، ويقول رسول الله ﷺ: "وخير الهدي هدي محمد" ١.
يقول سماحة الشيخ محمد بن إبراهيم ﵀: "من اعتقد أن حكم غير الرسول ﷺ أحسن من حكمه، وأتم وأشمل لما يحتاجه الناس من الحكم بينهم عند التنازع؛ إما مطلقا، أو بالنسبة إلى ما استجد من الحوادث التي نشأت عن تطور الزمان وتغير الأحوال؛ فلا ريب أنه كفر؛ لتفضيله أحكام المخلوقين التي هي محض زبالة الأذهان، وصرف نحالة الأفكار، على حكم الحكيم الحميد"٢.
من الدلة على هذا الناقض:
١- قول الله ﷿: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ [النساء: ٥٩]؛ فالله ﷾ طلب من عباده الاحتكام إلى كتابه وسنة نبيه ﷺ عند وقوع التنازع.
٢- قول الله ﷿: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالًا بَعِيدًا﴾ [النساء: ٦٠]؛ فأخبر ﷾ أن الاحتكام إلى غير كتابه وسنة نبيه ﷺ إضلال من الشيطان، وهو من صنيع المنافقين: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا﴾ [النساء: ٦١] .
٣- قول الله ﷿: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: ٦٥]؛ فنفى الإيمان عمن لم يرض بحكم الله ﷿.
_________________
(١) ١ تقدم تخريجه ص٥. ٢ رسالة تحكيم القوانين للشيخ محمد بن إبراهيم ص١٤.
[ ٨١ ]
الوقفة الخامسة: مع الناقض الخامس من أبغض شيئا مما جاء به الرسول ﷺ.
المراد بهذا الناقض:
بغض وكراهية الحق من صفات الكفار، كما قال تعالى: ﴿بَلْ جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُون﴾ [المؤمنون: من الآية٧٠]، وهو أيضا من صفات المنافقين الذين قال الله ﷿ عنهم: ﴿وَلا يُنْفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ كَارِهُون﴾ [التوبة: من الآية ٥٤] .
فمن أبغض وكره ما شرعه الله ﷿، أو أبغض وكره التكاليف الشرعية -من صلاة وصيام وزكاة وحج وغيرها- وتمنى أن الله لم يكلف بها؛ فهذا لا شك في كفره؛ لأن في صنيعه تركا للقبول والانقياد والتسليم التي تقدم الحديث عن أنها من شروط لا إله إلا الله١.
ولذلك كفر العلماء من اتصف بهذه الصفة، وقالوا: "تكفير هذا معلوم بالاضطرار من دين الإسلام، والقرآن مملوء من تكفير مثل هذا النوع"٢.
من أدلة على هذا الناقض:
١- قول الله ﷿: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ﴾ [محمد: ٩]؛ فهؤلاء، كرهوا ما أنزل الله من القرآن -وهو ما جاء به النبي ﷺ- فلم يقبلوه، بل أبغضوه، ورفضوه فأحبط الله اعمالهم، والأعمال لا تحبط إلا بالكفر الذي يناقض الإيمان.
٢- قول الله ﷿: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور: من الآية٦٣] . ولا ريب أن من أبغض ما جاء به رسول الله ﷺ مخالف لأمره ﵊.
٣- قول عبد الله بن عمر -﵄: "من ترك السنة كفر"٣، وقوله ﷺ محمول على الترك مع البغض والجحود، أو على ترك منهج النبي ﷺ وطريقته التي أوجب على أمته سلوكها٤.
_________________
(١) ١ انظر تيسير ذي الجلال والإكرام بشرح نواقض الإسلام للقحطاني ص٦٩. ٢ الصارم المسلول على شاتم الرسول لابن تيمية ص٥٢٢. ٣ ذكره ابن بطة العكبري في الشرح والإبانة ص١٢٣. ٤ انظر شرح نواقض التوحيد لحسن بن علي عواجي ص٦٨-٦٩.
[ ٨٢ ]
الوقفة السادسة: مع الناقض السادس من استهزأ بشيء من دين الرسول ﷺ، أو ثوابه، أو عقابه.
المراد بهذا الناقض:
من تجرأ بكلام فيه غض من دين الله، أو تنقص له، أو استهزاء به، أو تنقص لرسول الله ﷺ، أو استهزاء به، كفر بإجماع علماء المسلمين١.
يقول الشيخ سليمان بن عبد الله -﵀-: ولهذا أجمع العلماء على كفر من فعل شيئا من ذلك؛ فمن استهزأ بالله، أو بكتابه، أو برسوله، أو بدينه، كفر -ولو هازلا لم يقصد حقيقة الاستهزاء- إجماعا٢.
ويقول الشيخ حمد بن عتيق -﵀: اعلم أن العلماء قد أجمعوا على أن من استهزأ بالله، أو رسوله، أو كتابه، فهو كافر، وكذا إذا أتى بقول أو فعل صرح في الاستهزاء٣.
ويقول الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي ﵀: فإن الاستهزاء بالله ورسوله كفر مخرج عن الدين؛ لأن أصل الدين مبني على تعظيم الله، وتعظيم دينه، ورسله. والاستهزاء بشيء من ذلك مناف لهذا الأصل، ومناقض له أشد المناقضة"٤.
من الأدلة على هذا الناقض:
١- قول الله ﷿: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ، لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ [التوبة: ٦٥-٦٦] .
_________________
(١) ١ انظر الصارم المسلول على شاتم الرسول لابن تيمية ص٥١٣. ٢ تيسير العزيز الحميد للشيخ سليمان ص٦١٧. وانظر: روضة الطالبين للنووي ١٠/ ٦٤-٦٥. والروضة الندية شرح الدرر البهية لصديق حسن خان ٢/ ٢٩٣. وفتاوى العقيدة لابن عثيمين ص١٩٣. ٣ الدرر السنية في الأجوبة النجدية -لعدد من العلماء- ١٠/ ٤٢٨. ٤ تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان لابن سعدي ٣/ ٢٥٩.
[ ٨٣ ]
هاتان الآيتان حكمتا بكفر المستهزئين بالله، أو بدينه، أو بكتابه، أو برسوله، ولنزولهما سبب، أخرجه ابن جرير الطبري في تفسيره عن ابن عمر -﵄، وفيه: "أن رجلا قال في غزوة تبوك، في مجلس: ما رأينا مثل قرائنا هؤلاء، أرغب بطونا، ولا أكذب ألسنا، ولا أجبن عند اللقاء؛ فقال رجل في المجلس: كذبت، ولكنك منافق، لأخبرن رسول الله ﷺ. فبلغ ذلك النبي ﷺ، ونزل القرآن. قال عبد الله بن عمر: فأنا رأيته متعلقا بحقب١ ناقة رسول الله ﷺ تنكبه الحجارة٢، وهو يقول: يا رسول الله إنما كنا نخوض ونلعب. ورسول الله ﷺ يقول: ﴿أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ، لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ "٣.
فدلت هاتان الآيتان على كفر المستهزئ بالله ﷿، أو بآياته، أو برسوله ﷺ.
فائدة: سئل فضيلة الشيخ محمد بن صالح العثيمين ﵀: هل تنطبق الآيتان السابقتان على الذين يسخرون ويستهزئون بالذين يعفون لحاهم، ويلتزمون بدين الله؟ فأجاب ﵀: "هؤلاء الذين يسخرون بالذين يلتزمون بدين الله، المنفذين لأوامره، إذا كانوا يستهزئون بهم من أجل ما هم عليه من الشرع، فإن استهزاءهم بهم استهزاء بالشريعة، والاستهزاء بالشريعة كفر. أما إذا كانايستهزئون بهم، يعنون أشخاصهم -بقطع النظر عما هم عليه من اتباع السنة في الثياب واللحية؛ فإنهم لا يكفرون بذلك؛ لأن الإنسان قد يستهزئ بالشخص نفسه، بغض النظر عن عمله وفعله. لكن يجب على كل إنسان أن يحذر من الاستهزاء بأهل العلم، أو الاستهزاء بأهل الدين الذي يتمسكون بما دل عليه كتاب الله وسنة رسوله ﷺ"٤.
_________________
(١) ١ حقب الناقة: الحزام الذي يلي حقو البعير. أو هو حبل تشد به الحقيبة "المعجم الوسيط ص١٨٧". ٢ أي تدميها "المعجم الوسيط ص٩٥٠". ٣ جامع البيان في تأويل القرآن لابن جرير الطبري ٦/ ٤٠٩. وإسناده لا بأس به. وانظر مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية ٧/ ٢٧٢-٢٧٣. والحذر بمعرفة أن من هزأ بالدين كفر لجمال الدين باش ٢٢١-٣٣. ٤ فتاوى العقيدة لابن عثيمين ص١٩٦. وانظر المرجع نفسه ص١٩٧.
[ ٨٤ ]
الوقفة السابعة: مع الناقض السابع: السحر، ومنه الصرف والعطف ١.
السحر من نواقض "لا إله إلا الله":
ومن السحر أدوية وعقاقير وعقد وطلاسم تؤثر على بدن المسحور فتجده ينصرف عن زوجته "الصرف"؛ فيبغضها ويبغض بقاءها معه. أو ينعطف قلبه ويميل نحو زوجته أو امرأة أخرى "العطف"؛ حتى يكون كالبهيمة تقوده كما تشاء٢.
والدليل على هذا الناقض، قول الله ﷿: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُوا الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٠٢] .
الوقفةالثامنة: مع الناقض الثامن مظاهرة المشركين، ومعاونتهم على المسلمين
المراد بهذا الناقض:
المقصود من مظاهرة المشركين ومعاونتهم على المسلمين: أن يتخذ البعض الكفار والمشركين أولياء، فيكونوا لهم أنصارا وأعوانا ضد المسلمين، وينضمون إليهم، ويذبون عنهم بالمال والسنان والبيان؛ فهذا كفر يناقض الإسلام.
والله ﷿ نهانا في آيات كثيرة أن نتخذ الكفار والمشركين أولياء، ومن معاني هذه الولاية التي نهينا أن نصرفها لهم: المحبة، والمودة الدينية، والنصرة، والتأييد على المسلمين٣.
_________________
(١) ١ سيأتي الحديث عن هذا الناقض بالتفصيل في الباب الثالث من هذا الكتاب. ٢ انظر: شرح نواقض التوحيد لحسن عاجي ص٧٨-٨٧، وتيسير ذي الجلال والإكرام بشرح نواقض الإسلام لسعد القحطاني ص٧٩-٨٤. ٣ انظر مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية ١١/ ١٦٠-١٦١.
[ ٨٥ ]
من الأدلة على هذا الناقض:
١- قول الله ﷿: ﴿لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ﴾ [آل عمران: ٢٨]؛ أي لا تتخذوا أيها المؤمنون الكفار ظهرا وأنصارا توالونهم على دينهم، وتظاهرونهم على المسلمين من دون المؤمنين وتدلونهم على عوراتهم؛ فإنه من يفعل ذلك فقد برئ من الله، وبرئ الله منه بارتداده عن دينه، ودخوله في الكفر؛ إلا أن تكونوا في سلطانهم، فتخافونهم على أنفسكم، فتظهوا لهم الولاية بألسنتكم، وتضمروا لهم العدواة، ولا تشايغوهم على ما هم عليه من الكفر، ولا تيعنوهم على مسلم بفعل١.
٢- قول الله ﷿: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [المائد: ٥١]؛ أي لا تتخذوا أيها المؤمنون اليهود والنصارى أولياء، ومن يفعل ذلك منكم فإنه منهم؛ لأن "التوالي التام يوجب الانتقال إلى دينهم والتولي القليل يدعو إلى الكثير، ثم يتدرج شيئا فشيئا، حتى يكون العد منهم"٢.
٣- قول الله ﷿: ﴿لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْأِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [المجادلة: ٢٢]؛ فأخبر ﷾ أن المؤمن -الذي لا بد أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما- لا تجده موادا لمن حاد الله ورسوله؛ فإن هذا جمع بين ضدين لا يجمتعان، ومحبوب الله، ومحبوب معادية لا يجتمعان٣.
٤- قول الله ﷿: ﴿إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [الممتحنة: ٩]؛ فأخبر ﷿ أن من يفعل ذلك -أي من يتولى الكفار- فإنه ظالم؛ "وذلك الظلم يكون بحسب التولي، فإذا كان توليا تاما، كان ذلك كفرا مخرجا عن دائرة الإسلام"٤
_________________
(١) ١ انظر جامع البيان في تأويل القرآن لابن جرير الطبري ٣/ ٢٢٧. ٢ تيسير الكريم الرحمن لابن سعدي ٢/ ٣٠٤. ٣ انظر قاعدة في المحبة لابن تيمية ص٨٩-٩٠. ٤ تيسير الكريم الرحمن لابن سعدي ٧/ ٣٥٧.
[ ٨٦ ]
الوقفة التاسعة: مع الناقض التاسع من اعتقد أن بعض الناس يسعه الخروج عن شريعة محمد ﷺ، كما وسع الخضر ﵇ الخروج عن شريعة موسى ﵇
المراد بهذا الناقض:
يعتقد البعض أن بالإمكان الخروج عن شريعة نبينا محمد ﷺ ومخالفته، والاستغناء عن متابعته في عموم أحواله أن بعضها، زاعمين أن في قصة الخضر ﵇ حجة لهم١.
ولا ريب أن هذا الاعتقاد كفر مخرج عن الملة. يقول الشيخ موسى بن أحمد المقدسي: من اعتقد أن لأحد طريق إلى الله من غير متابعة محمد ﷺ، أو لا يجب عليه اتباعه، أو أن له أو لغيره خروجا عن اتباعه وأخذ ما بعث به، أو قال: أنا محتاج إلى محمد في علم الظاهر دون علم الباطن، أو في علم الشريعة دون علم الحقيقة، أوقال: إن من الأولياء من يسعه الخروج عن شريعته كما وسع الخضر الخروج عن شريع موسى، أو أنغير هدي النبي ﷺ أكمل من هديه، فهو كافر"٢.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: "من اعتقد أن أحدا من أولياء الله يكون مع محمد ﷺ كما كان الخضر مع موسى ﵇؛ فإنه يستتاب، فإن تاب، وإلا ضربت عنقه"٣.
وقصة الخضر مع موسى قصها الله علينا٤، وفيها: خرق الخضر للسفينة، وقتله للغلام، وإقامته للجدار. وقد زعم المحتجون بها أن الخضر خالف موسى ﵇ وخرج عن شريعته، وعن الأمر والنهي الشرعيين. قالوا: وكذلك يسوغ لبعض الناس الخروج عن الشريعة النبوية كما ساغ للخضر الخروج عن متابعة موسى عليه السلام٥.
ومزاعمهم هذه مردودة عليهم من وجوه٦:
_________________
(١) ١ انظر مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية ١١/ ٤٢٢. ٢ الإقناع لطالب الانتفاع لموسى المقدسي ٤/ ٢٨٧-٢٨٨. ٣ مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية ٣/ ٤٢٢. ٤ في سورة الكهف، الآيات ٦٠-٨٢. ٥ انظر مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية ١١/ ٤٢٠. ٦ ذكرها شيخ الإسلام ابن تيمية في مجموع الفتاوى ١١/ ٢٦٣.
[ ٨٧ ]
١- إن موسى ﵇ لم يكن مبعوثا إلى الخضر، ولا كان على الخضر اتباعه؛ بل كان مبعوثا إلى قومه خاصة؛ إلى بني إسرائيل، والخضر ﵇ ليس من بني إسرائيل. وموسى ﵇ قصد الخضر للعلم منه، والأخذ عنه، وحين لقيه قال له: "أتيتك لتعلمني مما علمت رشدا" ١. فلا يقاس عليه رسولنا ﷺ الذي أرسله الله لجميع الثقلين؛ الجن والإنس، كما قال ﷺ: "وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة، وبعثت إلى الناس عامة" ٢.
ولا يعتبر صنيع الخضر ﵇ خروجا على شريعة موسى ﵇، أما من خالف رسول الله ﷺ، ولم يطعه في كل ما أمر، أو ينته عما نهى عنه وزجر، فهو من أمته، ولا يجوز له مخالفته، فإن فعل، فهو خارج عن شريعته ﵊ لا محالة.
٢- إن قصة الخضر ﵇ ليس فيها مخالفة للشريعة؛ بل ما فعله ﵇ يباح في الشريعة إذا علم العبد أسبابها كما علمها الخضر ﵇. ولهذا لما بين الخضر لموسى أسبابها، وافقه موسى ﵇ على ذلك، ولو كان ما فعله الخضر مخالفا لشريعة موسى، لما وافقه بحال٣.
أما هذا الذي يريد الخروج على شريعة محمد ﷺ، فهو مخالف لشريعة موسى، لما وافقه بحال٣.
أما هذا الذي يريد الخروج على شريعة محمد ﷺ، فهو مخالف لشريعته. ويتضح ذلك في الوجه الثالث.
٣- إن ما فعله الخضر ﵇ كان عن وحي من الله عزوجل، وليس مجرد خيال أو إلهام. وهذا لا يمكن أن يكون لحد بعد رسولنا ﷺ؛ خاتم الأنبياء والمرسلين، الذي بموته انقطع الوحي.
ومن ادعى حصوله كفر٤.
إذا: لا يجوز الخروج على شريعة خاتم الأنبياء والمرسلين ﷺ بحال، ومن فعل ذلك، فهو كافر مرتد، وهو من اعظم الناس كفرا٥.
_________________
(١) ١ صحيح البخاري، كتاب أحاديث الأنبياء، باب حديث الخضر مع موسى ﵉. ٢ صحيح البخاري، كتاب التميم، باب١، حديث رقم٣٣٦. ٣ انظر: مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية ١١/ ٢٦٣. وشرح نواقض التوحيد لحسن عواجي ص١٠٠-١٠١. وتيسير ذي الجلال والإكرام بشرح نواقض الإسلام لسعد القحطاني ص١٠٠. ٤ انظر الفكر الصوفي في ضوء الكتاب والسنة لعبد الرحمن عبد الخالق ص١٣٢. ٥ انظر إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان لابن قيم الجوزية ١/ ١٢٣.
[ ٨٨ ]
الوقفة العاشرة: مع الناقض العاشر الإعراض عن دين الله، فلا يتعلمه، ولا يعمل به.
المراد بهذا الناقض:
الإعراض التام عن دين الله ﷿، والتولي عن طاعة رسول الله ﷺ، والامتناع عن الاتباع، والصدود عن قبول حكم الشريعة؛ فلا إرادة له في تعلم الدينن ولا يحدث نفسه بغير ما هو عليه١، ويعرض إعراضا كليا عن جنس العمل الظاهر "الطاعة أو الاتباع".
والإعراض التام الكلي لا يقع إلا ممن تمكن من العلم ومعرفة الحق، وتمكن من العمل، فأعرض، وفرط، وترك ماأوجبه الله عليه، من غير عذر؛ فهذا وأمثاله مفرط بإعراضه عن اتباع داعي الهدى. فإذا ضل، فإنما أتي من تفريطه وإعراضه٢.
ويجب أن يعلم أن الإعراض ليس كله مما يخرج من الملة؛ بل الذي يكفر بتركه هو الإعراض عن تعلم الإيمان العام المجمل، والإعراض عن جنس العمل الذي يعد شرطا في صحة الإيمان٣، فهذا هو الذي يكفر فاعله لأنه لم يتعلم دين الله، ولم يعمل به.
يقول العلامة ابن القيم عن الإعراض عن تعلم الإيمان المجمل الذي يدخل صاحبه في دائرة الإسلام: والإسلام هو توحيد الله وعبادته وحده لا شريك له، والإيمان بالله وبرسوله، واتباعه فيما جاء به. فما لم يأت العبد بهذا فليس بمسلم، وغن لم يكن كافرا معاندا، فهو كافر جاهل٤.
ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية عن الإعراض عن العمل: وقد تبين أن الدين لا بد فيه من قول وعمل، وأنه يمتنع أن يكون الرجل مؤمنا بالله ورسوله بقلبه، أو بقلبه ولسانه، ولم يؤد واجبا ظاهرا، ولا صلاة، ولا زكاة، ولا صياما، ولا غير من الواجبات٥.
_________________
(١) ١ انظر: طريق الهجرتين وباب السعادتين لابن قيم الجوزية ص٤١٢-٤١٣. وتيسير ذي الجلال والإكرام بشرح نواقض الإسلام لسعد القحطاني ص١٠٢. ٢ انظر: مفتاح دار السعادة لابن قيم الجوزيه ١/ ٤٣. والمجموع الثمين للشيخ ابن عثيمين ٣/ ١٧. ٣ انظر: شرح نواقض الإسلام لحسن عواجي ص١٠٥. وتيسير ذي الجلال والإكرام بشرح نواقض الإسلام لسعد القحطاني ص١٠٢-١٠٣. ٤ طريق الهجرتين وباب السعادتين لابن قيم الجوزية ص٤١١. ٥ مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية ٧/ ٦٢١.
[ ٨٩ ]
من الأدلة على هذا الناقض:
١- قول الله ﷿: ﴿وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ، وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ [النور: ٤٧-٤٨]؛ "فنفى الإيمان عمن تولى عن العمل، وإن كان قد أتى بالقول"١.
٢- قول الله ﷿: ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ﴾ [آل عمران: ٣٢]؛ فدل على أن من تولى عن طاعة الله ﷿، وطاعة رسوله ﷺ، فهو كافر٢.
٣- قول الله ﷿: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا﴾ [النساء: ٦١]؛ "فبين سبحانه أن من تولى عن طاعة الرسول ﷺ، وأعرض عن حكم فهو من المنافقين وليس بمؤمن"٣.
٤- قول الله ﷿: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى، قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا، قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى﴾ [طه: ١٢٤-١٢٦]؛ فأخبر ﷿ أن المعرضين في معيشة ضنك، وضيق، وأنهم يحشرون يوم القيامة عميا.
خاتمة النواقض:
ختم شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب ﵀ مبحث النواقض بقوله: ولا فرق في جميع هذه النواقض بين الهازل، والجاد، والخائف، إلا المكره. وكلها من أعظم يكون خطرا، ومن أكثر ما يكون وقوعا، فينبغي للمسلم أن يحذرها، ويخاف منها على نفسه. نعوذ بالله من موجبات غضبه، وأليم عقابه، وصلى الله على محمد.
وكلامه -﵀- بعدم التفريق بين الهازل والجاد في محله، ويمكنك إدراكه إذا تأملت في سبب نزول الآية ﴿لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾؛ كفروا بسبب كلمة قالوها على وجه المزاح واللعب. نسأل الله أن يعصمنا بالتقوى إنه سميع مجيب.
_________________
(١) ١ مجموع فتوى شيخ الإسلام ابن تيمية ٧/ ١٤٢. ٢ انظر تفسير ابن كثير ١/ ٣٣٨. ٣ الصارم المسلول على شاتم الرسول لابن تيمية ص٣٣.
[ ٩٠ ]