المسألة الثالثة: في بيان بعض المسميات التي أطلقت على حملة العقيدة الإسلامية:
عرفنا بعض المسميات التي أطلقت على علم العقيدة الإسلامية.
وثمة مسميات أطلقت على أهل العقيدة الصحيحة وحملتها. سأذكر بعضها في الوقفات التالية:
الوقفة الأولى: أهل السنة والجماعة
من المسميات التي أطلقت على حملة العقيدة الصحيحة: أهل السنة والجماعة.
التعريف بأهل السنة والجماعة:
هذا المسمى يجمع وصفين اثنين لأصحابه، وهما السنة، والجماعة.
والسنة قد تقدم معناها اللغوي، وذكرنا أن العلماء يعرفونها اصطلاحا بأنها: ما نقل عن رسول الله -ﷺ- من قول أو فعل أو وصف أو تقرير١.
والسنة قد تطلق على ما يقابل البدعة، كقولهم: طلاق السنة كذا، وطلاق البدعة كذا، وفلان على سنة -إذا وافق التنزيل والأثر في القول والفعل-، وفلان على بدعة -إذا عمل خلاف ذلك-٢. وهاتان الكلمتان -السنة والبدعة- تستعملان دائما ككلمتين متضادتين؛ لأن السنة هي الطريق التي كان عليها رسول الله -ﷺ- وأصحابه ﵃، والبدعة هي ترك تلك الطريق والانحراف عنها.
وقد ورد في الأثر ذكر السنة مقابل البدعة؛ من ذلك ما قاله رسول الله -ﷺ: "ما أحدث قوم بدعة، إلا رفع مثلها من السنة" ٣. وما قاله ابن عباس -﵄:
_________________
(١) ١ انظر ص١٥، ١٦. ٢ انظر مفهوم أهل السنة والجماعة عند أهل السنة والجماعة للدكتور ناصر العقل ص٢٩. ٣ مسند أحمد ٤/ ١٠٥، وحسنه الحافظ ابن حجر في فتح الباري ١٣/ ٢٥٣.
[ ١٩ ]
"ما يأتي على الناس من عام إلا أحدثوا فيه بدعة، وأماتوا فيه سنة، حتى تحيى البدع، وتموت السنن"١.
فالسنة بهذا المعنى، تشمل ما كان عليه رسول الله ﷺ، وخلفاؤه الراشدون ﵃، وصحابته الكرام ﵃ من الاعتقادات، والأعمال، والأقوال.
أما الجماعة في اللغة: فهي مأخوذة من الجمع؛ وهو ضم الشيء بتقريب بعضه من بعض؛ يقال: جمعته فاجتمع. قال ابن فارس: "الجيم والميم والعين أصل واحد، يدل على تضام الشيء"٢. والجماعة: العدد الكثير من الناس، أو القوم المجتمعون على أمر ما، أو طائفة يجمعهم غرض واحد٣.
والجماعة شرعا هم: الرسول ﷺ، وأصحابه ﵃، والتابعون، وتابعوهم بإحسان٤.
وأهل الشيء هم: أخص الناس به. يقول أهل اللغة: أهل الرجل: أخص الناس به، وأهل البيت: سكانه، وأهل الإسلام: من يدين به، وأهل المذهب: من يدين به٥.
وبإمكاننا بعدما علمنا معنى أهل، والسنة، والجماعة، أن نعرف أهل السنة والجماعة بأنهم المتبعون لمنهج الرسول -ﷺ- وأصحابه في الأصول والفروع٦.
وقيل: هم من كان على مثل ما كان عليه النبي -ﷺ- وأصحابه اعتقادا وقولا وفعلا؛ لأن رسول الله -ﷺ- سئل عن الفرقة الناجية، فأجاب مرة بأنها ما كان عليه هو وأصحابه، وأخرى قال: هي الجماعة٧.
_________________
(١) ١ أخرجه ابن وضاح القرطبي في كتابه: البدع والنهي عنها ص٤٥. ٢ معجم مقاييس اللغة لابن فارس ١/ ٤٧٩. ٣ انظر لسان العرب لابن نظور ٨/ ٥٣-٦٠. ٤ انظر مفهوم أهل السنة والجماعة للعقل ص٥٤. ٥ انظر معجم مقاييس اللغة لابن فارس ١/ ١٥٠. ٦ انظر: الاعتصام للشاطبي ١/ ٢٨. وشرح العقيدة الواسطية للهراس ص١٦-١٧. ٧ الحديث أخرجه أبو داود في سننه، كتاب السنة، باب شرح السنة. وابن ماجه في سننه، كتاب الفتن، باب افتراق الأمم. وابن أبي عاصم في السنة ١/ ٣٢-٣٣، تحت الأرقام ٦٣، ٦٤، ٦٥. وقال الألباني في تعليقه على الحديث: "والحديث صحيح قطعا؛ لأن له ست طرق أخرى عن أنس، وشواهد عن جمع من الصحابة" "١/ ٤٢".
[ ٢٠ ]
وقيل: "هم الذين اجتمعوا على الأخذ بسنة النبي ﷺ، والعمل بها ظاهرا وباطنا في القول والعمل والاعتقاد"١.
ملاحظة: لا يقصد بالجماعة هنا مجموع الناس وعامتهم، ولا أغلبهم، ولا سوادهم، ما لم يجتمعوا على الحق؛ لأن الجماعة هي التمسك بالكتاب والسنة، ولو كنت وحدك، كما قال عبد الله بن مسعود -﵁: "إنما الجماعة ما وافق طاعة الله، وإن كنت وحدك"٢.
يقول عبد الرحمن بن إسماعيل، المعروف بأبي شامة "ت٦٦٥هـ: "وحيث جاء الأمر بلزوم الجماعة فالمراد به لزوم الحق واتباعه، وإن كان المتمسك به قليلا، والمخالف كثيرا؛ لأن الحق الذي كانت عليه الجماعة الأولى من النبي ﷺ، وأصحابه ﵃، ولا تنظر إلى كثرة أهل الباطل بعدهم"٣.
_________________
(١) ١ انظر: رسائل في العقيدة ص٥٣، والمجموع الثمين ٣/ ٣، وكلاهما لفضيلة الشيخ ابن عثيمين. ٢ انظر شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة للالكائي ١/ ١٠٩. ٣ الباعث على إنكار البدع والحوادث لأبي شامة ص٣٤.
[ ٢١ ]