من المسميات التي أطلقت على حملة العقيدة الصحيحة: السلف.
التعريف بهم:
السلف في اللغة: جمع سالف، والسالف: المتقدم. والسلف: الجماعة المتقدمون١.
قال ابن فارس: "سلف: السين واللام والفاء أصل يدل على تقدم وسبق. من ذلك: السلف الذين مضوا، والقوم السلاف: المتقدمون"٢.
فالسلف -إذًا- من سلف يسلف سلفا وسلوفا أي: تقدم٣.
_________________
(١) ١ انظر لسان العرب لابن منظور ٦/ ١٥٨. ٢ معجم مقاييس اللغة لابن فارس ٣/ ٩٥. ٣ انظر: المفردات للراغب الأصفهاني ص٢٣٩. والوجوه والنظائر لألفاظ القرآن للدامغاني ص٢٤٣.
[ ٢١ ]
وسلف كل إنسان: من تقدمه من آبائه وذوي قرابته الذين هم فوقه في السن والفضل، وأحدهم سالف١. وقيل: من تقدمه بالموت من آبائه وذوي قرابته. ولهذا سمي الصدر الأول من التابعين بالسلف الصالح٢. هذا عن السلف في اللغة.
أما السلف في الاصطلاح: فقد اختلف العلماء في تحديد المراد بهم، نتيجة اختلافهم في تحديد الزمن الذي ينسبون إليه، إلى عدة أقوال:
١- القول الأول: أنهم الصحابة ﵃ فقط، وهو قول عدد من شراح الرسالة لابن أبي زيد القيرواني٣.
٢- القول الثاني: أنهم الصحابة والتابعون. وممن ذهب إلى هذا أبو حامد الغزالي، حين قال: "اعلم أن الحق الصريح الذي لا مراء فيه عند أهل البصائر، هو مذهب السلف؛ أعني مذهب الصحابة والتابعين"٤.
٣- القول الثالث: أنهم الصحابة، والتابعون، وتابعوا التابعين؛ أي: القرون الثلاثة التي أثبت لها رسول الله -ﷺ- الخيرية بقوله: "خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم" ٥.
وإلى هذا القول ذهب عدد كبير من أهل العلم؛ كالإمام الشوكاني، والإمام السفاريني، وغيرهما٥.
ملاحظة:
يلاحظ على هذه الأقوال جميعها أنها تدخل من كان في القرون الأولى في مسمى السلف. ولكن ليس كل من كان في ذلك الزمن يسمى سلفيا، إذ المعروف أن الفرق ظهرت
_________________
(١) ١ انظر معالم التنزيل للبغوي ٤/ ١٤٢. ٢ انظر النهاية في غريب الحديث لابن الأثير ٢/ ٣٩٠. ٣ انظر وسطية أهل السنة بين الفرق للدكتور محمد باكريم ص٩٧، ٩٨. ٤ إلجام العوام عن علم الكلام للغزالي ص٥٣. ٥ صحيح البخاري، كتاب فضائل أصحاب النبي ﷺ، باب فضائل أصحاب النبي ﷺ.
[ ٢٢ ]
في القرون الأولى، فـ"ليس السبق الزمني كافيا في تعيين السلف، بل لا بد أن يضاف إلى هذا السبق الزمني موافقة الرأي للكتاب والسنة نصا وروحا. فمن خالف رأيه الكتاب والسنة، فليس بسلفي، وإن عاش بين ظهراني الصحابة والتابعين"١.
ويصح أن يضاف إلى أهل القرون المفضلة الموافقين للكتاب والسنة، من وافق الكتاب والسنة، ونهج نهج أولئك الكرام، واتبع آثارهم ومروياتهم الصحيحة التي أبانوا بها الحق.
فلا شك أنه داخل في مفهوم هذه الكلمة "السلف". ولقد وفق الإمام السفاريني ﵀ حين حدد مذهب السلف بأنه "ما كان عليه الصحابة الكرام رضوان الله عليهم، وأعيان التابعين لهم بإحسان، وأتباعهم، وأئمة الدين ممن شهد له بالإمامة، وعرف عظم شأنه في الدين، وتلقى الناس كلامهم خلفا عن سلف، دون من رمي ببدعة، أو شهر بلقب غير مرضي؛ مثل: الخوارج، والروافض، والقدرية، والمرجئة، والجبرية، والجهمية، والمعتزلة، والكرامية، ونحو هؤلاء"٢.
إذًا: ليس المراد بالسلف أهل القرون المفضلة فحسب، بل يدخل فيهم كل من وافق الكتاب والسنة، ونهج منهج الصحابة ﵃.
مفهوم الخلف عند علماء السلف:
الخلف في اللغة هو من جاء خلف المتقدم، سواء أكان تأخره في الزمن، أو في الرتبة٣.
وإذا أطلقت كلمة "الخلف" في مقابل كلمة "السلف" يراد بها: "من رمي ببدعة، أو شهر بلقب غير مرضي"١، كما تقدمت عبارة الإمام السفاريني في ذلك. فمن انحرف عن الكتاب والسنة، ومال عن طريقة الصحابة ﵃، فلم يتخذها منهجا له، فهو خلفي، وإن عاش بين ظهراني الصحابة.
_________________
(١) ١ بتصرف من كتاب: الإمام ابن تيمية وقضية التأويل للدكتور الجليند ص٥٢. ٢ لوامع الأنوار للسفاريني ١/ ٢٠. ٣ انظر القاموس المحيط للفيروزآبادي ص١٠٤٢-١٠٤٣.
[ ٢٣ ]