هُوَ الَّذِي يحيي الْخلق يَوْم النشور وَيبْعَث من فِي الْقُبُور وَيحصل مَا فِي الصُّدُور والبعث هُوَ النشأة الْآخِرَة وَمَعْرِفَة هَذَا الِاسْم مَوْقُوفَة على معرفَة حَقِيقَة الْبَعْث وَذَلِكَ من أغمض المعارف وَأكْثر الْخلق مِنْهُ على توهمات مجملة وتخيلات مُبْهمَة وغايتهم فِيهِ تخيلهم أَن الْمَوْت عدم والبعث إِيجَاد مُبْتَدأ بعد عدم مثل الإيجاد الأول فظنهم أَن الْمَوْت عدم غلط وظنهم أَن الإيجاد الثَّانِي مثل الإيجاد الأول غلط
فَأَما ظنهم أَن الْمَوْت عدم فَهُوَ بَاطِل بل الْقَبْر إِمَّا حُفْرَة من حفر النيرَان أَو رَوْضَة من رياض الْجنَّة وَالْمَيِّت إِمَّا من السُّعَدَاء وَأُولَئِكَ لَيْسُوا أَمْوَاتًا بل أَحيَاء عِنْد رَبهم يرْزقُونَ فرحين بِمَا آتَاهُم الله من فَضله ٣ سُورَة آل عمرَان الْآيَة ١٦٩ و١٧٠ وَإِمَّا من الأشقياء وهم أَيْضا أَحيَاء وَلذَلِك ناداهم رَسُول الله ﷺ فِي وقْعَة بدر وَقَالَ إِنِّي وجدت مَا وَعَدَني رَبِّي
[ ١٢٣ ]
حَقًا فَهَل وجدْتُم مَا وعد ربكُم حَقًا ثمَّ لما قيل لَهُ كَيفَ تنادي قوما قد جيفوا قَالَ مَا أَنْتُم بأسمع لما أَقُول مِنْهُم لكِنهمْ لَا يقدرُونَ أَن يجيبوا والمشاهدة الْبَاطِنَة دلّت أَرْبَاب البصائر على أَن الْإِنْسَان خلق لِلْأَبَد وَأَنه لَا سَبِيل عَلَيْهِ للعدم نعم تَارَة يقطع تصرفه عَن الْجَسَد فَيُقَال مَاتَ وَتارَة يُعَاد إِلَيْهِ فَيُقَال أحيي وَبعث أَي أحيي جسده وكشف ذَلِك بِالْحَقِيقَةِ مِمَّا لَا يحْتَملهُ هَذَا الْكتاب
وَأما ظنهم أَن الْبَعْث لَيْسَ إيجادا ثَانِيًا وَهُوَ مثل الإيجاد الأول فَغير صَحِيح بل الْبَعْث إنْشَاء آخر لَا يُنَاسب الْإِنْشَاء الأول أصلا وللإنسان نشآت كَثِيرَة وَلَيْسَت هِيَ نشأتين فَقَط وَلذَلِك قَالَ تَعَالَى وننشئكم فِيمَا لَا تعلمُونَ ٥٦ سُورَة الْوَاقِعَة الْآيَة ٦١ وَلذَلِك قَالَ بعد خلق المضغة والعلقة وَغير ذَلِك ثمَّ أَنْشَأْنَاهُ خلقا آخر فَتَبَارَكَ الله أحسن الْخَالِقِينَ ٢٣ سُورَة الْمُؤمنِينَ الْآيَة ١٤ بل النُّطْفَة نشأة من التُّرَاب والعلقة نشأة من النُّطْفَة والمضغة نشأة من الْعلقَة وَالروح نشأة من المضغة ولشرف نشأة الرّوح وجلالته وَكَونه أمرا ربانيا قَالَ عِنْد ذَلِك ثمَّ أَنْشَأْنَاهُ خلقا آخر فَتَبَارَكَ الله أحسن الْخَالِقِينَ ٢٣ سُورَة الْمُؤْمِنُونَ الْآيَة ١٤ وَقَالَ تَعَالَى ويسألونك عَن الرّوح قل الرّوح من أَمر رَبِّي ١٧ سُورَة الْإِسْرَاء الْآيَة ٨٥ ثمَّ خلق الإدراكات الحسية بعد خلق أصل الرّوح نشأة أُخْرَى ثمَّ خلق التَّمْيِيز الَّذِي يظْهر بعد سبع سِنِين نشأة أُخْرَى ثمَّ خلق الْعقل بعد خمس عشرَة سنة وَمَا يقاربها نشأة أُخْرَى وكل نشأة طور وَقد خَلقكُم أطوارا ٧١ سُورَة نوح الْآيَة ١٤ ثمَّ ظُهُور خاصية الْولَايَة لمن رزق تِلْكَ الخاصية نشأة أُخْرَى ثمَّ ظُهُور خاصية النُّبُوَّة بعد نشأة أُخْرَى وَهِي
[ ١٢٤ ]
نوع من الْعَبَث وَالله ﷾ باعث الرُّسُل كَمَا أَنه الْبَاعِث يَوْم النشور
وكما أَنه يعسر على ابْن المهد فهم حَقِيقَة التَّمْيِيز قبل حُصُول التَّمْيِيز ويعسر على الْمُمَيز فهم حَقِيقَة الْعقل وَمَا ينْكَشف فِي طوره من الْعَجَائِب قبل حُصُول الْعقل فَكَذَلِك يعسر فهم طور الْولَايَة والنبوة فِي طور الْعقل فَإِن الْولَايَة طور كَمَال وَرَاء نشأة الْعقل كَمَا أَن الْعقل طور كَمَال وَرَاء نشأة التَّمْيِيز والتمييز طور كَمَال وَرَاء نشأة الْحَواس وكما أَن من طباع النَّاس إِنْكَار مَا لم يبلغوه وَلم ينالوه حَتَّى إِن كل وَاحِد يُنكر مَا لم يُشَاهِدهُ وَلم يحصل لَهُ وَلَا يُؤمن بِمَا غَابَ عَنهُ فَمن طباعهم إِنْكَار الْولَايَة وعجائبها والنبوة وغرائبها بل من طباعهم إِنْكَار النشأة الثَّانِيَة والحياة الْآخِرَة لأَنهم لم يبلغوها بعد وَلَو عرض طور الْعقل وعالمه وَمَا يظْهر فِيهِ من الْعَجَائِب على الْمُمَيز لأنكره وجحده وأحال وجوده فَمن آمن بِشَيْء مِمَّا لم يبلغهُ فقد آمن بِالْغَيْبِ وَذَلِكَ هُوَ مِفْتَاح السعادات
وكما أَن طور الْعقل وإدراكاته ونشأته بعيد الْمُنَاسبَة عَن الإدراكات الَّتِي قبله فَكَذَلِك النشأة الْآخِرَة بل أبعد فَلَا يَنْبَغِي أَن تقاس النشأة الْآخِرَة بِالْأولَى وَهَذِه النشآت هِيَ أطوار ذَات وَاحِدَة ومراقيها الَّتِي تصعد فِيهَا إِلَى دَرَجَات الْكَمَال حَتَّى تقرب من الحضرة الَّتِي هِيَ مُنْتَهى كل كَمَال وَتَكون عِنْد الله ﷿ بَين رد وَقبُول وحجاب ووصول فَإِن قبل رقي إِلَى أَعلَى العليين وَإِلَّا رد إِلَى أَسْفَل السافلين وَالْمَقْصُود أَن لَا مُنَاسبَة بَين النشأتين إِلَّا من حَيْثُ الِاسْم وَمن لم يعرف النشأة والبعث لم يعرف معنى اسْم الْبَاعِث وَشرح ذَلِك يطول فلنتجاوزه
[ ١٢٥ ]
تَنْبِيه
حَقِيقَة الْبَعْث ترجع إِلَى إحْيَاء الْمَوْتَى بإنشائهم نشأة أُخْرَى وَالْجهل هُوَ الْمَوْت الْأَكْبَر وَالْعلم هُوَ الْحَيَاة الْأَشْرَف وَقد ذكر الله ﷾ الْعلم وَالْجهل فِي كِتَابه الْعَزِيز وسماهما حَيَاة وموتا وَمن رقى غَيره من الْجَهْل إِلَى الْمعرفَة فقد أنشأه نشأة أُخْرَى وأحياه حَيَاة طيبَة فَإِن كَانَ للْعَبد مدْخل فِي إِفَادَة الْخلق الْعلم ودعائهم إِلَى الله تَعَالَى فَذَلِك نوع من الْإِحْيَاء وَهِي رُتْبَة الْأَنْبِيَاء وَمن يرثهم من الْعلمَاء