قد يظنّ أَن هَذِه الْأَسْمَاء مترادفة وَأَن الْكل يرجع إِلَى الْخلق والاختراع وَلَا يَنْبَغِي أَن يكون كَذَلِك بل كل مَا يخرج من الْعَدَم إِلَى الْوُجُود فيفتقر إِلَى تَقْدِير أَولا وَإِلَى الإيجاد على وفْق التَّقْدِير ثَانِيًا وَإِلَى التَّصْوِير بعد الإيجاد ثَالِثا وَالله ﷾ خَالق من حَيْثُ أَنه مُقَدّر وبارئ من حَيْثُ أَنه مخترع موجد ومصور من حَيْثُ أَنه مُرَتّب صور المخترعات أحسن تَرْتِيب
[ ٧٥ ]
وَهَذَا كالبناء مثلا فَإِنَّهُ يحْتَاج إِلَى مُقَدّر يقدر مَا لَا بُد لَهُ مِنْهُ من الْخشب وَاللَّبن ومساحة الأَرْض وَعدد الْأَبْنِيَة وطولها وعرضها وَهَذَا يَتَوَلَّاهُ المهندس فيرسمه ويصوره ثمَّ يحْتَاج إِلَى بِنَاء يتَوَلَّى الْأَعْمَال الَّتِي عِنْدهَا يحدث أصُول الْأَبْنِيَة ثمَّ يحْتَاج إِلَى مزين ينقش ظَاهره ويزين صورته فيتولاه غير الْبناء هَذِه هِيَ الْعَادة فِي التَّقْدِير وَالْبناء والتصوير وَلَيْسَ كَذَلِك فِي أَفعَال الله ﷿ بل هُوَ الْمُقدر والموجد والمزين فَهُوَ الْخَالِق البارئ المصور
ومثاله الْإِنْسَان وَهُوَ أحد مخلوقاته وَهُوَ مُحْتَاج فِي وجوده أَولا إِلَى أَن يقدر مَا مِنْهُ وجوده فَإِنَّهُ جسم مَخْصُوص فَلَا بُد من الْجِسْم أَولا حَتَّى يخصص بِالصِّفَاتِ كَمَا يحْتَاج الْبناء إِلَى آلَات حَتَّى يَبْنِي ثمَّ لَا يصلح لبنية الْإِنْسَان إِلَّا المَاء وَالتُّرَاب جَمِيعًا إِذْ التُّرَاب وَحده يَابِس مَحْض لَا ينثني وَلَا يَنْعَطِف فِي الحركات وَالْمَاء وَحده رطب مَحْض لَا يتماسك وَلَا ينْتَصب بل ينبسط فَلَا بُد أَن يمتزج الرطب باليابس حَتَّى يعتدل ويعبر عَنهُ بالطين ثمَّ لَا بُد من حرارة طابخة حَتَّى يستحكم مزج المَاء بِالتُّرَابِ وَلَا ينْفَصل فَلَا يتخلق الْإِنْسَان من الطين الْمَحْض بل من صلصال كالفخار والفخار هُوَ الطين المعجون بِالْمَاءِ الَّذِي قد عملت فِيهِ النَّار حَتَّى أحكمت مزاجه ثمَّ يحْتَاج إِلَى تَقْدِير المَاء والطين بِمِقْدَار مَخْصُوص فَإِنَّهُ إِن صغر مثلا لم تحصل مِنْهُ الْأَفْعَال الإنسانية بل كَانَ على قدر الذَّر والنمل فتسفيه الرِّيَاح ويهلكه أدنى شَيْء وَلَا يحْتَاج إِلَى مثل الْجَبَل من الطين فَإِن ذَلِك يزِيد على قدر الْحَاجة بل الْكَافِي من غير زِيَادَة ونقصان قدر مَعْلُوم يُعلمهُ الله ﷿
وكل ذَلِك يرجع إِلَى التَّقْدِير فَهُوَ بِاعْتِبَار تَقْدِير هَذِه الْأُمُور خَالق وَبِاعْتِبَار الإيجاد على وفْق التَّقْدِير مُصَور وَبِاعْتِبَار مُجَرّد الإيجاد والإخراج من الْعَدَم إِلَى الْوُجُود بارئ والإيجاد الْمُجَرّد شئ والإيجاد على وفْق التَّقْدِير شَيْء آخر وَهَذَا يحْتَاج إِلَيْهِ من يبعد رد الْخلق إِلَى مُجَرّد التَّقْدِير مَعَ أَن لَهُ فِي اللُّغَة
[ ٧٦ ]
وَجها إِذْ الْعَرَب تسمي الْحذاء خَالِقًا لتقديره بعض طاقات النَّعْل على بعض وَلذَلِك قَالَ الشَّاعِر
ولأنت تفري مَا خلقت وَبَعض الْقَوْم يخلق ثمَّ لَا يفري
فَأَما اسْم المصور فَهُوَ لَهُ من حَيْثُ رتب صور الْأَشْيَاء أحسن تَرْتِيب وصورها أحسن تَصْوِير وَهَذَا من أَوْصَاف الْفِعْل فَلَا يعلم حَقِيقَته إِلَّا من يعلم صُورَة الْعَالم على الْجُمْلَة ثمَّ على التَّفْصِيل فَإِن الْعَالم كُله فِي حكم شخص وَاحِد مركب من أَعْضَاء متعاونة على الْغَرَض الْمَطْلُوب مِنْهُ وَإِنَّمَا أعضاؤه وأجزاؤه السَّمَوَات وَالْكَوَاكِب والأرضون وَمَا بَينهمَا من المَاء والهواء وَغَيرهمَا وَقد رتبت أجزاؤه ترتيبا محكما لَو غير ذَلِك التَّرْتِيب لبطل النظام فخصص بِجِهَة الفوق مَا يَنْبَغِي أَن يَعْلُو وبجهة السّفل مَا يَنْبَغِي أَن يسفل وكما أَن الْبناء يضع الْحِجَارَة أَسْفَل الْحِيطَان والخشب فَوْقهَا لَا بالِاتِّفَاقِ بل بالحكمة وَالْقَصْد لإِرَادَة الإحكام وَلَو قلب ذَلِك فَوضع الْحِجَارَة فَوق الْحِيطَان والخشب أَسْفَلهَا لانهدم الْبناء وَلم تثبت صورته أصلا
فَكَذَلِك يَنْبَغِي أَن يفهم السَّبَب فِي علو الْكَوَاكِب وتسفل الأَرْض وَالْمَاء وَسَائِر أَنْوَاع التَّرْتِيب فِي الْأَجْزَاء الْعِظَام من أَجزَاء الْعَالم وَلَو ذَهَبْنَا نصف أَجزَاء الْعَالم ونحصيها ثمَّ نذْكر الْحِكْمَة فِي تركيبها لطال الْكَلَام وكل من كَانَ أوفر علما بِهَذَا التَّفْصِيل كَانَ أَكثر إحاطة بِمَعْنى اسْم المصور وَهَذَا التَّرْتِيب والتصوير مَوْجُود فِي كل جُزْء من أَجزَاء الْعَالم وَإِن صغر حَتَّى فِي النملة والذرة بل فِي كل عُضْو من أَعْضَاء النملة بل الْكَلَام يطول فِي شرح صُورَة الْعين الَّتِي هِيَ أَصْغَر عُضْو فِي الْحَيَوَان وَمن لم يعرف طَبَقَات الْعين وعددها وهيئاتها وشكلها ومقاديرها وألوانها وَوجه الْحِكْمَة فِيهَا فَلَنْ يعرف صورتهَا وَلم يعرف مصورها
[ ٧٧ ]
إِلَّا بِالِاسْمِ الْمُجْمل وَهَكَذَا القَوْل فِي كل صُورَة لكل حَيَوَان ونبات بل لكل جُزْء من كل حَيَوَان ونبات تَنْبِيه
حَظّ العَبْد من هَذَا الِاسْم أَن يحصل فِي نَفسه صُورَة الْوُجُود كُله على هَيئته وترتيبه حَتَّى يُحِيط بهيئة الْعَالم وترتيبه كُله كَأَنَّهُ ينظر إِلَيْهَا ثمَّ ينزل من الْكل إِلَى التفاصيل فيشرف على صُورَة الْإِنْسَان من حَيْثُ بدنه وأعضائه الجسمانية فَيعلم أَنْوَاعهَا وعددها وتركيبها وَالْحكمَة فِي خلقهَا وترتيبها ثمَّ يشرف على صفاتها المعنوية ومعانيها الشَّرِيفَة الَّتِي بهَا إدراكاته وإرادته وَكَذَلِكَ يعرف صُورَة الْحَيَوَانَات وَصُورَة النَّبَات ظَاهرا وَبَاطنا بِقدر مَا فِي وَسعه حَتَّى يحصل نقش الْجَمِيع وَصورته فِي قلبه وكل ذَلِك يرجع إِلَى معرفَة صُورَة الجسمانيات وَهِي معرفَة مختصرة بِالْإِضَافَة إِلَى معرفَة تَرْتِيب الروحانيات وَفِيه يدْخل معرفَة الْمَلَائِكَة وَمَعْرِفَة مَرَاتِبهمْ وَمَا وكل إِلَى كل وَاحِد مِنْهُم من التَّصَرُّف فِي السَّمَوَات وَالْكَوَاكِب ثمَّ التَّصَرُّف فِي الْقُلُوب البشرية بالهداية والإرشاد ثمَّ التَّصَرُّف فِي الْحَيَوَانَات بالإلهامات الهادية لَهَا إِلَى مَظَنَّة الْحَاجَات
فَهَذَا حَظّ العَبْد من هَذَا الِاسْم وَهُوَ اكْتِسَاب الصُّورَة العلمية الْمُطَابقَة للصورة الوجودية فَإِن الْعلم صُورَة فِي النَّفس مُطَابقَة للمعلوم وَعلم الله ﷿ بالصور سَبَب لوُجُود الصُّور فِي الْأَعْيَان وَالصُّورَة الْمَوْجُودَة فِي الْأَعْيَان سَبَب لحُصُول الصُّور العلمية فِي قلب الْإِنْسَان وَبِذَلِك يَسْتَفِيد العَبْد الْعلم بِمَعْنى اسْم المصور من أَسمَاء الله ﷾ وَيصير أَيْضا باكتساب الصُّورَة فِي نَفسه كَأَنَّهُ مُصَور وَإِن كَانَ ذَلِك على سَبِيل الْمجَاز فَإِن تِلْكَ الصُّور العلمية إِنَّمَا تحدث فِيهِ على التَّحْقِيق بِخلق الله تَعَالَى واختراعه لَا بِفعل العَبْد وَلَكِن العَبْد
[ ٧٨ ]
يسْعَى فِي التَّعَرُّض لفيضان رَحْمَة الله تَعَالَى عَلَيْهِ ف ﴿إِن الله لَا يُغير مَا بِقوم حَتَّى يُغيرُوا مَا بِأَنْفسِهِم﴾ ١٣ سُورَة الرَّعْد الْآيَة ١١ وَلذَلِك قَالَ ﷺ إِن لربكم فِي أَيَّام دهركم نفخات من رَحمته أَلا فتعرضوا لَهَا
وَأما الْخَالِق البارئ فَلَا مدْخل للْعَبد أَيْضا فِي هذَيْن الاسمين إِلَّا بِنَوْع من الْمجَاز بعيد وَوَجهه أَن الْخلق والإيجاد يرجع إِلَى اسْتِعْمَال الْقُدْرَة بِمُوجب الْعلم وَقد خلق الله تَعَالَى للْعَبد علما وقدرة وَله سَبِيل إِلَى تَحْصِيل مقدوراته على وفْق تَقْدِيره وَعلمه
والأمور الْمَوْجُودَة تَنْقَسِم إِلَى مَا لَا يرتبط حُصُولهَا بقدرة الْعباد أصلا كالسماء وَالْكَوَاكِب وَالْأَرْض وَالْحَيَوَان والنبات وَغير ذَلِك وَإِلَى مَا لَا حُصُول لَهَا إِلَّا بقدرة الْعباد وَهِي الَّتِي ترجع إِلَى أَعمال الْعباد كالصناعات والسياسات والعبادات والمجاهدات فَإِذا بلغ العَبْد فِي مجاهدة نَفسه بطرِيق الرياضة فِي سياستها وسياسة الْخلق مبلغا ينْفَرد فِيهَا باستنباط أُمُور لم يسْبق إِلَيْهَا وَيقدر مَعَ ذَلِك على فعلهَا وَالتَّرْغِيب فِيهَا كَانَ كالمخترع لما لم يكن لَهُ وجود من قبل إِذْ يُقَال لواضع الشطرنج إِنَّه الَّذِي وَضعه واخترعه حَيْثُ وضع مَا لم يسْبق إِلَيْهِ إِلَّا أَن وضع مَا لَا خير فِيهِ لَا يكون من صِفَات الْمَدْح
وَكَذَلِكَ فِي الرياضات والمجاهدات والسياسات والصناعات الَّتِي هِيَ منبع الْخيرَات صور وترتيبات يتعلمها النَّاس بَعضهم من بعض ويرتقي لَا محَالة إِلَى أول مستنبط وَوَاضِع فَيكون ذَلِك الْوَاضِع كالمخترع لتِلْك الصُّورَة والخالق الْمُقدر لَهَا حَتَّى يجوز إِطْلَاق الِاسْم عَلَيْهِ مجَازًا
[ ٧٩ ]
وَمن أَسمَاء الله تَعَالَى مَا يكون نقلهَا إِلَى العَبْد مجَازًا وَهُوَ الْأَكْثَر وَمِنْهَا مَا يكون فِي حق العَبْد حَقِيقَة وَفِي حق الله تَعَالَى مجَازًا كالصبور والشكور وَلَا يَنْبَغِي أَن تلاحظ الْمُشَاركَة فِي الِاسْم وتذهل عَن هَذَا التَّفَاوُت الْعَظِيم الَّذِي ذَكرْنَاهُ