هَذَانِ الوصفان أَيْضا من المضافات فَإِن الظَّاهِر يكون ظَاهرا لشَيْء وَبَاطنا لشَيْء وَلَا يكون من وَجه وَاحِد ظَاهرا وَبَاطنا بل يكون ظَاهرا من وَجه بِالْإِضَافَة إِلَى إِدْرَاك وَبَاطنا من وَجه آخر فَإِن الظُّهُور والبطون إِنَّمَا يكون بِالْإِضَافَة إِلَى الإدراكات وَالله ﷾ بَاطِن إِن طلب من إِدْرَاك الْحَواس وخزانة الخيال ظَاهر إِن طلب من خزانَة الْعقل بطرِيق الِاسْتِدْلَال فَإِن قلت أما كَونه بَاطِنا بِالْإِضَافَة إِلَى إِدْرَاك الْحَواس فَظَاهر وَأما كَونه ظَاهرا لِلْعَقْلِ فغامض إِذْ الظَّاهِر مَا لَا يتمارى فِيهِ وَلَا يخْتَلف النَّاس فِي إِدْرَاكه وَهَذَا مِمَّا قد وَقع فِيهِ الريب الْكثير لِلْخلقِ فَكيف يكون ظَاهرا فَاعْلَم أَنه إِنَّمَا خَفِي مَعَ ظُهُوره لشدَّة ظُهُوره فظهوره سَبَب بطونه ونوره هُوَ حجاب نوره وكل مَا جَاوز حَده انعكس على ضِدّه
ولعلك تتعجب من هَذَا الْكَلَام وتستبعده وَلَا تفهمه إِلَّا بمثال
فَأَقُول لَو نظرت إِلَى كلمة وَاحِدَة كتبهَا كَاتب لاستدللت بهَا على كَون الْكَاتِب عَالما قَادِرًا سميعا بَصيرًا واستفدت مِنْهُ الْيَقِين بِوُجُود هَذِه
[ ١٣٦ ]
الصِّفَات بل لَو رَأَيْت كلمة مَكْتُوبَة لحصل لَك يَقِين قَاطع بِوُجُود كَاتب لَهَا عَالم قَادر سميع بَصِير حَيّ وَلم يدل عَلَيْهِ إِلَّا صُورَة كلمة وَاحِدَة وكما تشهد هَذِه الْكَلِمَة شَهَادَة قَاطِعَة بِصِفَات الْكَاتِب فَمَا من ذرة فِي السَّمَوَات وَالْأَرْض من فلك وكوكب وشمس وقمر وحيوان ونبات وَصفَة وموصوف إِلَّا وَهِي شاهدة على نَفسهَا بِالْحَاجةِ إِلَى مُدبر دبرهَا وقدرها وخصصها بِخُصُوص صفاتها بل لَا ينظر الْإِنْسَان إِلَى عُضْو من أَعْضَاء نَفسه وجزء من أَجْزَائِهِ ظَاهرا وَبَاطنا بل إِلَى صفة من صِفَاته وَحَالَة من حالاته الَّتِي تجْرِي عَلَيْهِ قهرا بِغَيْر اخْتِيَاره إِلَّا ويراها ناطقة بِالشَّهَادَةِ لخالقها وقاهرها ومدبرها وَكَذَلِكَ كل مَا يُدْرِكهُ بِجَمِيعِ حواسه فِي ذَاته وخارجا من ذَاته
وَلَو كَانَت الْأَشْيَاء مُخْتَلفَة فِي الشَّهَادَة يشْهد بَعْضهَا وَلَا يشْهد بَعْضهَا لَكَانَ الْيَقِين حَاصِلا للْجَمِيع وَلَكِن لما كثرت الشَّهَادَات حَتَّى اتّفقت خفيت وغمضت لشدَّة الظُّهُور ومثاله أَن أظهر الْأَشْيَاء مَا يدْرك بالحواس وأظهرها مَا يدْرك بحاسة الْبَصَر وَأظْهر مَا يدْرك بحاسة الْبَصَر نور الشَّمْس الْمشرق على الْأَجْسَام الَّذِي بِهِ يظْهر كل شَيْء فَمَا بِهِ يظْهر كل شَيْء كَيفَ لَا يكون ظَاهرا
وَقد أشكل ذَلِك على خلق كثير حَتَّى قَالُوا الْأَشْيَاء الملونة لَيْسَ فِيهَا إِلَّا ألوانها فَقَط من سَواد وَحُمرَة فَأَما أَن يكون فِيهَا مَعَ اللَّوْن ضوء وَنور مُقَارن للون فَلَا وَهَؤُلَاء إِنَّمَا نبهوا على قيام النُّور بالمتلونات بالتفرقة الَّتِي يدركونها بَين الظل وَمَوْضِع النُّور وَبَين اللَّيْل وَالنَّهَار فَإِن الشَّمْس لما تصور غيبتها بِاللَّيْلِ واحتجابها بالأجسام الْمظْلمَة بِالنَّهَارِ انْقَطع أَثَرهَا عَن المتلونات فأدركت التَّفْرِقَة بَين المتأثر المستضيء بهَا وَبَين المظلم المحجوب عَنْهَا فَعرف وجود النُّور بِعَدَمِ النُّور إِذا أضيف حَالَة الْعَدَم إِلَى حَالَة الْوُجُود فأدركت التَّفْرِقَة مَعَ بَقَاء الألوان فِي الْحَالَتَيْنِ وَلَو أطبق نور الشَّمْس كل الْأَجْسَام الظَّاهِرَة لشخص وَلم تغب الشَّمْس حَتَّى يدْرك التَّفْرِقَة لتعذر عَلَيْهِ معرفَة كَون النُّور
[ ١٣٧ ]
شَيْئا مَوْجُودا زَائِدا على الألوان مَعَ أَنه أظهر الْأَشْيَاء بل هُوَ الَّذِي بِهِ يظْهر جَمِيع الْأَشْيَاء
وَلَو تصور لله تَعَالَى وتقدس عدم أَو غيبَة عَن بعض الْأُمُور لانهدت السَّمَوَات وَالْأَرْض وكل مَا انْقَطع نوره عَنهُ ولأدركت التَّفْرِقَة بَين الْحَالَتَيْنِ وَعلم وجوده قطعا وَلَكِن لما كَانَت الْأَشْيَاء كلهَا متفقة فِي الشَّهَادَة وَالْأَحْوَال كلهَا مطردَة على نسق وَاحِد كَانَ ذَلِك سَببا لخفائه فسبحان من احتجب عَن الْخلق بنوره وخفي عَلَيْهِم بِشدَّة ظُهُوره فَهُوَ الظَّاهِر الَّذِي لَا أظهر مِنْهُ وَهُوَ الْبَاطِن الَّذِي لَا أبطن مِنْهُ تَنْبِيه
لَا تتعجبن من هَذَا فِي صِفَات الله تَعَالَى وتقدس فَإِن الْمَعْنى الَّذِي بِهِ الْإِنْسَان إِنْسَان ظَاهر بَاطِن فَإِنَّهُ ظَاهر إِن اسْتدلَّ عَلَيْهِ بأفعاله الْمرتبَة المحكمة بَاطِن إِن طلب من إِدْرَاك الْحس فَإِن الْحس إِنَّمَا يتَعَلَّق بِظَاهِر بَشرته وَلَيْسَ الْإِنْسَان إنْسَانا بالبشرة المرئية مِنْهُ بل لَو تبدلت تِلْكَ الْبشرَة بل سَائِر أَجْزَائِهِ فَهُوَ هُوَ والأجزاء متبدلة وَلَعَلَّ أَجزَاء كل إِنْسَان بعد كبره غير الْأَجْزَاء الَّتِي كَانَت فِيهِ عِنْد صغره فَإِنَّهَا تحللت بطول الزَّمَان وتبدلت بأمثالها بطرِيق الاغتذاء وهويته لم تتبدل فَتلك الهوية باطنة عَن الْحَواس ظَاهِرَة لِلْعَقْلِ بطرِيق الِاسْتِدْلَال عَلَيْهَا بآثارها وأفعالها