كالمؤمن مثلا فَإِنَّهُ قد يُرَاد بِهِ الْمُصدق وَقد يشتق من الْأَمْن وَيكون المُرَاد إِفَادَة الْأَمْن والأمان فَهَل يجوز أَن يحمل على كلا الْمَعْنيين حمل الْعُمُوم على مسمياته كَمَا يحمل الْعَلِيم على الْعلم بِالْغَيْبِ وَالشَّهَادَة وَالظَّاهِر وَالْبَاطِن وَغير ذَلِك من المعلومات الْكَثِيرَة وَهَذَا إِذا نظر إِلَيْهِ من حَيْثُ اللُّغَة فبعيد أَن يحمل الِاسْم الْمُشْتَرك على جَمِيع المسميات حمل الْعُمُوم إِذْ الْعَرَب تطلق اسْم الرجل وتريد بِهِ كل وَاحِد من الرِّجَال وَهَذَا هُوَ الْعُمُوم وَلَا تطلق اسْم الْعين وتريد بِهِ عين الشَّمْس وَالدِّينَار وَعين الْمِيزَان وَالْعين المنفجرة من المَاء وَالْعين الباصرة من الْحَيَوَان وَهَذَا هُوَ اللَّفْظ الْمُشْتَرك بل تطلق مثل ذَلِك لإِرَادَة أحد مَعَانِيه وتميز ذَلِك بِالْقَرِينَةِ وَقد حُكيَ عَن الشَّافِعِي ﵁ فِي الْأُصُول أَنه قَالَ الِاسْم الْمُشْتَرك يحمل على جَمِيع مسمياته إِذا ورد مُطلقًا مَا لم تدل قرينَة على التَّخْصِيص وَهَذَا إِن صَحَّ مِنْهُ فَهُوَ بعيد بل مُطلق لفظ الْعين مُبْهَم فِي اللُّغَة لَا يتَعَيَّن بِهِ وَاحِد من مسمياته إِلَّا أَن تدل قرينَة على التَّعْيِين
فَأَما التَّعْمِيم فَرُبمَا خَالف وضع الشَّرْع وضع اللِّسَان نعم فِيمَا تصرف الشَّرْع فِيهِ من الْأَلْفَاظ لَا يبعد أَن يكون من وَضعه وتصرفه إِطْلَاق اللَّفْظ لإِرَادَة جَمِيع الْمعَانِي فَيكون اسْم الْمُؤمن بِالشَّرْعِ مَحْمُولا على الْمُصدق ومفيدا الْأَمْن بِوَضْع شَرْعِي لَا بِوَضْع لغَوِيّ كَمَا أَن اسْم الصَّلَاة وَالصِّيَام قد اخْتصَّ بِتَصَرُّف الشَّرْع بِبَعْض أُمُور لَا يَقْتَضِي وضع اللُّغَة ذَلِك فَهَذَا غير بعيد لَو كَانَ عَلَيْهِ دَلِيل
[ ٤٣ ]
وَلَكِن لم يدل دَلِيل على أَن الشَّرْع قد غير الْوَضع فِيهِ والأغلب على ظَنِّي أَنه لم يُغير وَأَن من قَالَ من المصنفين إِن الِاسْم الْوَاحِد من أَسمَاء الله ﷿ إِذا احْتمل مَعَاني وَلم يدل الْعقل على إِحَالَة شَيْء مِنْهَا حمل على الْجَمِيع بطرِيق الْعُمُوم فقد أبعد فِيهِ
نعم من الْمعَانِي مَا يتقارب تقاربا يكَاد يرجع الِاخْتِلَاف فِيهِ إِلَى الإضافات فَيقرب شبهه من الْعُمُوم فالتعميم فِيهِ أقرب كالسلام فَإِنَّهُ يحْتَمل أَن يكون المُرَاد سَلَامَته من الْعَيْب وَالنَّقْص وَيحْتَمل أَن يكون المُرَاد سَلامَة الْخلق بِهِ وَمِنْه فَهَذَا وَأَمْثَاله أشبه بِالْعُمُومِ فَإِذا ثَبت أَن الْميل الْأَظْهر إِلَى منع التَّعْمِيم فَطلب التَّعْيِين لبَعض الْمعَانِي لَا يكون إِلَّا بِالِاجْتِهَادِ فَيكون الْحَامِل للمجتهد على تعْيين بعض الْمعَانِي إِمَّا أَنه أليق كمفيد الْأمان فَإِنَّهُ أليق بالمدح فِي حق الله ﷿ من التَّصْدِيق فَإِن التَّصْدِيق أليق بِغَيْرِهِ إِذْ يجب على الْكل الْإِيمَان بِهِ والتصديق بِكَلَامِهِ فَإِن رُتْبَة الْمُصدق فَوق رُتْبَة الْمُصدق وَإِمَّا أَن يكون أحد الْمَعْنيين لَا يُؤَدِّي إِلَى الترادف بَين اسْمَيْنِ كحمل الْمُهَيْمِن على غير الرَّقِيب فَإِنَّهُ أولى من الرَّقِيب لِأَن الرَّقِيب قد ورد والترادف بعيد كَمَا ذَكرْنَاهُ وَإِمَّا أَن يكون أحد الْمَعْنيين أظهر فِي التعارف وأسبق إِلَى الإفهام لشهرته أَو أدل على الْكَمَال والمدح فَهَذَا وَمَا يجْرِي مجْرَاه يَنْبَغِي أَن يعول عَلَيْهِ فِي بَيَان الْأَسَامِي وَلَا نذْكر لكل اسْم إِلَّا معنى وَاحِدًا نرَاهُ أقرب ونضرب عَمَّا عداهُ صفحا إِلَّا إِذا رَأَيْنَاهُ مقاربا فِي الدرجَة لما ذَكرْنَاهُ فَأَما تَكْثِير الْأَقَاوِيل الْمُخْتَلفَة فِيهِ مَعَ أَنا لَا نرى تَعْمِيم الْأَلْفَاظ الْمُشْتَركَة فَلَا نرى فِيهِ فَائِدَة
[ ٤٤ ]