اعْلَم أَن من لم يكن لَهُ حَظّ من مَعَاني أَسمَاء الله ﷿ إِلَّا بِأَن يسمع لَفظه وَيفهم فِي اللُّغَة معنى تَفْسِيره وَوَضعه ويعتقد بِالْقَلْبِ وجود مَعْنَاهُ فِي الله تَعَالَى فَهُوَ مبخوس الْحَظ نَازل الدرجَة لَيْسَ يحسن بِهِ أَن يتبجح بِمَا ناله فَإِن سَماع اللَّفْظ لَا يَسْتَدْعِي إِلَّا سَلامَة حاسة السّمع الَّتِي بهَا تدْرك الْأَصْوَات وَهَذِه رُتْبَة تشارك الْبَهِيمَة فِيهَا وَأما فهم وَضعه فِي اللُّغَة فَلَا يَسْتَدْعِي إِلَّا معرفَة الْعَرَبيَّة وَهَذِه رُتْبَة يُشَارك فِيهَا الأديب اللّغَوِيّ بل الغبي اللّغَوِيّ البدوي وَأما اعْتِقَاد ثُبُوت مَعْنَاهُ لله ﷾ من غير كشف فَلَا يَسْتَدْعِي إِلَّا فهم مَعَاني الْأَلْفَاظ والتصديق بهَا وَهَذِه رُتْبَة يُشَارك فِيهَا الْعَاميّ بل الصَّبِي فَإِنَّهُ بعد فهم الْكَلَام إِذا ألقِي إِلَيْهِ هَذِه الْمعَانِي تلقاها وتلقنها واعتقدها بِقَلْبِه وصمم عَلَيْهَا وَهَذِه دَرَجَات أَكثر الْعلمَاء فضلا عَن غَيرهم وَلَا يُنكر فضل هَؤُلَاءِ بِالْإِضَافَة إِلَى من لم يشاركهم فِي هَذِه الدَّرَجَات الثَّلَاث وَلكنه نقص ظَاهر بِالْإِضَافَة إِلَى ذرْوَة الْكَمَال فَإِن حَسَنَات الْأَبْرَار سيئات المقربين بل حظوظ المقربين من مَعَاني أَسمَاء الله تَعَالَى ثَلَاثَة
الْحَظ الأول معرفَة هَذِه الْمعَانِي على سَبِيل المكاشفة والمشاهدة حَتَّى يَتَّضِح لَهُم حقائقها بالبرهان الَّذِي لَا يجوز فِيهِ الْخَطَأ وينكشف لَهُم اتصاف الله ﷿ بهَا انكشافا يجْرِي فِي الوضوح وَالْبَيَان مجْرى الْيَقِين الْحَاصِل للْإنْسَان
[ ٤٥ ]
بصفاته الْبَاطِنَة الَّتِي يُدْرِكهَا بمشاهدة بَاطِنه لَا بإحساس ظَاهر وَكم بَين هَذَا وَبَين الِاعْتِقَاد الْمَأْخُوذ من الْآبَاء والمعلمين تقليدا والتصميم عَلَيْهِ وَإِن كَانَ مَقْرُونا بأدلة جدلية كلامية
الْحَظ الثَّانِي من حظوظهم استعظامهم مَا ينْكَشف لَهُم من صِفَات الْجلَال على وَجه ينبعث من الاستعظام يشوقهم إِلَى الاتصاف بِمَا يُمكنهُم من تِلْكَ الصِّفَات ليقربوا بهَا من الْحق قربا بِالصّفةِ لَا بِالْمَكَانِ فيأخذوا من الاتصاف بهَا شبها بِالْمَلَائِكَةِ المقربين عِنْد الله ﷿ وَلنْ يتَصَوَّر أَن يمتلئ الْقلب باستعظام صفة واستشرافها إِلَّا ويتبعه شوق إِلَى تِلْكَ الصّفة وعشق لذَلِك الْكَمَال والجلال وحرص على التحلي بذلك الْوَصْف إِن كَانَ ذَلِك مُمكنا للمستعظم بِكَمَالِهِ فَإِن لم يكن بِكَمَالِهِ فينبعث الشوق إِلَى الْقدر الْمُمكن مِنْهُ لَا محَالة
وَلَا يَخْلُو عَن هَذَا الشوق أحد إِلَّا لأحد أَمريْن إِمَّا لضعف الْمعرفَة وَالْيَقِين بِكَوْن الْوَصْف الْمَعْلُوم من أَوْصَاف الْجلَال والكمال وَإِمَّا لكَون الْقلب ممتلئا بشوق آخر مُسْتَغْرقا بِهِ فالتلميذ إِذا شَاهد كَمَال أستاذه فِي الْعلم انْبَعَثَ شوقه إِلَى التَّشَبُّه والاقتداء بِهِ إِلَّا إِذا كَانَ مملوءا بِالْجُوعِ مثلا فَإِن استغراق بَاطِنه بشوق الْقُوت رُبمَا يمْنَع انبعاث شوق الْعلم وَلِهَذَا يَنْبَغِي أَن يكون النَّاظر فِي صِفَات الله تَعَالَى خَالِيا بِقَلْبِه عَن إِرَادَة مَا سوى الله ﷿ فَإِن الْمعرفَة بذر الشوق وَلَكِن مهما صَادف قلبا خَالِيا عَن حسيكة الشَّهَوَات فَإِن لم يكن خَالِيا لم يكن الْبذر منجحا
الْحَظ الثَّالِث السَّعْي فِي اكْتِسَاب الْمُمكن من تِلْكَ الصِّفَات والتخلق بهَا والتحلي بمحاسنها وَبِه يصير العَبْد ربانيا أَي قَرِيبا من الرب تَعَالَى وَبِه يصير رَفِيقًا للملأ الْأَعْلَى من الْمَلَائِكَة فَإِنَّهُم على بِسَاط الْقرب فَمن ضرب إِلَى شبه من صفاتهم نَالَ شَيْئا من قربهم بِقدر مَا نَالَ من أوصافهم المقربة لَهُم إِلَى الْحق تَعَالَى
[ ٤٦ ]
فَإِن قلت طلب الْقرب من الله ﷿ بِالصّفةِ أَمر غامض تكَاد تشمئز الْقُلُوب عَن قبُوله والتصديق بِهِ فزده شرحا تكسر بِهِ سُورَة إِنْكَار المنكرين فَإِن هَذَا كالمنكر عِنْد الْأَكْثَرين إِن لم تكشف حَقِيقَته فَأَقُول لَا يخفى عَلَيْك وَلَا على من ترعرع قَلِيلا من دَرَجَة عوام الْعلمَاء أَن الموجودات منقسمة إِلَى كَامِلَة وناقصة والكامل أشرف من النَّاقِص وَمهما تفاوتت دَرَجَات الْكَمَال وَاقْتصر مُنْتَهى الْكَمَال على وَاحِد حَتَّى لم يكن الْكَمَال الْمُطلق إِلَّا لَهُ وَلم يكن للموجودات الْأُخَر كَمَال مُطلق بل كَانَت لَهَا كمالات مُتَفَاوِتَة بِالْإِضَافَة فأكملها أقرب لَا محَالة إِلَى الَّذِي لَهُ الْكَمَال الْمُطلق أَعنِي قربا بالرتبة والدرجة لَا بالكمال
ثمَّ الموجودات منقسمة إِلَى حَيَّة وميتة وَتعلم أَن الْحَيّ أشرف وأكمل من الْمَيِّت وَأَن دَرَجَات الْأَحْيَاء ثَلَاثَة دَرَجَة الْمَلَائِكَة ودرجة الْإِنْس ودرجة الْبَهَائِم ودرجة الْبَهَائِم أَسْفَل فِي نفس الْحَيَاة الَّتِي بهَا شرفها لِأَن الْحَيّ هُوَ الدراك الفعال وَفِي إِدْرَاك الْبَهِيمَة نقص وَفِي فعلهَا نقص أما إِدْرَاكهَا فنقصانه أَنه مَقْصُور على الْحَواس وَإِدْرَاك الْحس قَاصِر لِأَنَّهُ لَا يدْرك الْأَشْيَاء إِلَّا بمماسة أَو بِقرب مِنْهَا فالحس مَعْزُول عَن الْإِدْرَاك إِن لم يكن مماسة وَلَا قرب فَإِن الذَّوْق واللمس يحتاجان إِلَى المماسة والسمع وَالْبَصَر والشم يحْتَاج إِلَى الْقرب وكل مَوْجُود لَا يتَصَوَّر فِيهِ المماسة والقرب فالحس مَعْزُول عَن إِدْرَاكه فِي الْحَال وَأما فعلهَا فَهُوَ أَنه مَقْصُور على مُقْتَضى الشَّهْوَة وَالْغَضَب لَا باعث لَهَا سواهُمَا وَلَيْسَ لَهَا عقل يَدْعُو إِلَى أَفعَال مُخَالفَة لمقْتَضى الشَّهْوَة وَالْغَضَب
وَأما الْملك فدرجته أَعلَى الدَّرَجَات لِأَنَّهُ عبارَة عَن مَوْجُود لَا يُؤثر الْقرب والبعد فِي إِدْرَاكه بل لَا يقْتَصر إِدْرَاكه على مَا يتَصَوَّر فِيهِ الْقرب والبعد إِذْ الْقرب والبعد يتَصَوَّر على الْأَجْسَام والأجسام أخس أَقسَام الموجودات ثمَّ هُوَ مقدس عَن الشَّهْوَة وَالْغَضَب فَلَيْسَتْ أَفعاله بِمُقْتَضى الشَّهْوَة وَالْغَضَب بل داعيه
[ ٤٧ ]
إِلَى الْأَفْعَال أَمر أجل من الشَّهْوَة وَالْغَضَب وَهُوَ طلب التَّقَرُّب إِلَى الله ﷿
وَأما الْإِنْسَان فَإِن دَرَجَته متوسطة بَين الدرجتين وَكَأَنَّهُ مركب من بهيمية وملكية والأغلب عَلَيْهِ فِي بداية أمره البهيمية إِذْ لَيْسَ لَهُ أَولا من الْإِدْرَاك إِلَّا الْحَواس الَّتِي يحْتَاج فِي الْإِدْرَاك بهَا إِلَى طلب الْقرب من المحسوس بالسعي وَالْحَرَكَة إِلَى أَن يشرق عَلَيْهِ بِالآخِرَة نور الْعقل الْمُتَصَرف فِي ملكوت السَّمَوَات وَالْأَرْض من غير حَاجَة إِلَى حَرَكَة بِالْبدنِ وَطلب قرب أَو مماسة مَعَ الْمدْرك بِهِ بل مدركه الْأُمُور المقدسة عَن قبُول الْقرب والبعد بِالْمَكَانِ وَكَذَلِكَ المستولي عَلَيْهِ أَولا شَهْوَته وغضبه وبحسب مقتضاهما انبعاثه إِلَى أَن يظْهر فِيهِ الرَّغْبَة فِي طلب الْكَمَال وَالنَّظَر للعاقبة وعصيان مُقْتَضى الشَّهْوَة وَالْغَضَب فَإِن غلب الشَّهْوَة وَالْغَضَب حَتَّى ملكهمَا وضعفا عَن تحريكه وتسكينه أَخذ بذلك شبها من الْمَلَائِكَة وَكَذَلِكَ إِن فطم نَفسه عَن الجمود على الخيالات والمحسوسات وَأنس بِإِدْرَاك أُمُور تجل عَن أَن ينالها حس أَو خيال أَخذ شبها أخر من الْمَلَائِكَة فَإِن خاصية الْحَيَاة الْإِدْرَاك وَالْعقل وإليهما يتَطَرَّق النُّقْصَان والتوسط والكمال وَمهما اقْتدى بِالْمَلَائِكَةِ فِي هَاتين الخاصيتين كَانَ أبعد عَن البهيمية وَأقرب من الْملك وَالْملك قريب من الله ﷿ والقريب من الْقَرِيب قريب
فَإِن قلت فَظَاهر هَذَا الْكَلَام يُشِير إِلَى إِثْبَات مشابهة بَين العَبْد وَبَين الله تَعَالَى لِأَنَّهُ إِذا تخلق بأخلاقه كَانَ شَبِيها لَهُ وَمَعْلُوم شرعا وعقلا أَن الله ﷾ لَيْسَ كمثله شَيْء وَأَنه لَا يشبه شَيْئا وَلَا يُشبههُ شَيْء فَأَقُول مهما عرفت معنى الْمُمَاثلَة المنفية عَن الله ﷿ عرفت أَنه لَا مثل لَهُ وَلَا يَنْبَغِي أَن يظنّ أَن الْمُشَاركَة فِي كل وصف توجب الْمُمَاثلَة
افترى أَن الضدين يتماثلان وَبَينهمَا غَايَة الْبعد الَّذِي لَا يتَصَوَّر أَن يكون بعد
[ ٤٨ ]
فَوْقه وهما متشاركان فِي أَوْصَاف كَثِيرَة إِذْ السوَاد يُشَارك الْبيَاض فِي كَونه عرضا وَفِي كَونه لونا وَفِي كَونه مدْركا بالبصر وَأُمُور أخر سواهَا أفترى أَن من قَالَ إِن الله ﷿ مَوْجُود لَا فِي مَحل وَإنَّهُ سميع بَصِير عَالم مُرِيد مُتَكَلم حَيّ قَادر فَاعل وَالْإِنْسَان أَيْضا كَذَلِك فقد شبه وَأثبت الْمثل هَيْهَات لَيْسَ الْأَمر كَذَلِك وَلَو كَانَ كَذَلِك لَكَانَ الْخلق كلهم مشبهة إِذْ لَا أقل من إِثْبَات الْمُشَاركَة فِي الْوُجُود وَهُوَ موهم للمشابهة بل الْمُمَاثلَة عبارَة عَن الْمُشَاركَة فِي النَّوْع والماهية وَالْفرس وَإِن كَانَ بَالغا فِي الكياسة لَا يكون مثلا للْإنْسَان لِأَنَّهُ مُخَالف لَهُ بالنوع وَإِنَّمَا يشابهه بالكياسة الَّتِي هِيَ عارضة خَارِجَة عَن الْمَاهِيّة المقومة لذات الإنسانية
والخاصية الإلهية أَنه الْمَوْجُود الْوَاجِب الْوُجُود بِذَاتِهِ الَّذِي عَنهُ يُوجد كل مَا فِي الْإِمْكَان وجوده على أحسن وُجُوه النظام والكمال وَهَذِه الخاصية لَا يتَصَوَّر فِيهَا مُشَاركَة الْبَتَّةَ والمماثلة بهَا لَا تحصل فكون العَبْد رحِيما صبورا شكُورًا لَا يُوجب الْمُمَاثلَة كَكَوْنِهِ سمعيا بَصيرًا عَالما قَادِرًا حَيا فَاعِلا بل أَقُول الخاصية الإلهية لَيست إِلَّا لله تَعَالَى وَلَا يعرفهَا إِلَّا الله وَلَا يتَصَوَّر أَن يعرفهَا إِلَّا هُوَ أَو من هُوَ مثله وَإِذا لم يكن لَهُ مثل فَلَا يعرفهَا غَيره فَإِذا الْحق مَا قَالَه الْجُنَيْد ﵀ حَيْثُ قَالَ لَا يعرف الله إِلَّا الله وَلذَلِك لم يُعْط أجل خلقه إِلَّا اسْما حجبه بِهِ فَقَالَ ﴿سبح اسْم رَبك الْأَعْلَى﴾ ٨٧ سُورَة الْأَعْلَى الْآيَة ١ فوَاللَّه مَا عرف الله غير الله فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة وَقيل لذِي النُّون وَقد أشرف على الْمَوْت مَاذَا تشْتَهي فَقَالَ أَن أعرفهُ قبل أَن أَمُوت وَلَو بلحظة وَهَذَا الْآن يشوش قُلُوب أَكثر الضُّعَفَاء ويوهم عِنْدهم القَوْل بِالنَّفْيِ والتعطيل وَذَلِكَ لعجزهم عَن فهم هَذَا الْكَلَام
وَأَنا أَقُول لَو قَالَ الْقَائِل لَا أعرف الله كَانَ صَادِقا وَلَو قَالَ أعرف الله كَانَ صَادِقا وَمَعْلُوم أَن النَّفْي وَالْإِثْبَات لَا يصدقان مَعًا بل يتقاسمان
[ ٤٩ ]
الصدْق وَالْكذب فَإِن صدق النَّفْي كذب الْإِثْبَات وَبِالْعَكْسِ وَلَكِن إِذا اخْتلف وَجه الْكَلَام تصور الصدْق فِي الْقسمَيْنِ وَهُوَ كَمَا لَو قَالَ الْقَائِل لغيره هَل تعرف الصّديق أَبَا بكر ﵁ فَقَالَ وَالصديق مِمَّن يجهل وَلَا يعرف أَو يتَصَوَّر فِي الْعَالم من لَا يعرفهُ مَعَ ظُهُوره واشتهاره وانتشار اسْمه فَهَل على المنابر إِلَّا حَدِيثه وَهل فِي الْمَسَاجِد إِلَّا ذكره وَهل على الْأَلْسِنَة إِلَّا ثَنَاؤُهُ وَوَصفه لَكَانَ هَذَا الْقَائِل صَادِقا وَلَو قيل لآخر هَل تعرفه فَقَالَ وَمن أَنا حَتَّى أعرف الصّديق هَيْهَات لَا يعرف الصّديق سوى الصّديق أَو من هُوَ مثله أَو فَوْقه وَمن أَيْن لي أَن أَدعِي مَعْرفَته أَو أطمع فِيهَا وَإِنَّمَا مثلي يسمع اسْمه وَصفته فَأَما أَن يَدعِي مَعْرفَته فَذَلِك محَال فَهَذَا أَيْضا صَادِق وَله وَجه وَهُوَ أقرب إِلَى التَّعْظِيم والاحترام
وَهَكَذَا يَنْبَغِي أَن يفهم قَول من قَالَ أعرف الله وَقَول من قَالَ لَا أعرف الله
بل لَو عرضت خطا منظوما على عَاقل وَقلت هَل تعرف كَاتبه فَقَالَ لَا صدق وَلَو قَالَ نعم كَاتبه هُوَ الْإِنْسَان الْحَيّ الْقَادِر السَّمِيع الْبَصِير السَّلِيم الْيَد الْعَالم بصناعة الْكِتَابَة فَإِذا عرفت كل هَذَا مِنْهُ فَكيف لَا أعرفهُ فَهَذَا أَيْضا صدق وَلَكِن الأحق والأصدق قَوْله لَا أعرفهُ فَإِنَّهُ بِالْحَقِيقَةِ مَا عرفه وَإِنَّمَا عرف احْتِيَاج الْخط المنظوم إِلَى كَاتب حَيّ عَالم قَادر سميع بَصِير سليم الْيَد عَالم بصناعة الْكِتَابَة وَلم يعرف الْكَاتِب نَفسه فَكَذَلِك الْخلق كلهم لم يعرفوا إِلَّا احْتِيَاج هَذَا الْعَالم المنظوم الْمُحكم إِلَى صانع مُدبر حَيّ عَالم قَادر
وَهَذِه الْمعرفَة لَهَا طرفان أَحدهمَا يتَعَلَّق بالعالم ومعلومه احْتِيَاجه إِلَى مُدبر وَالْآخر يتَعَلَّق بِاللَّه ﷿ ومعلومه أسامي مُشْتَقَّة من صِفَات غير دَاخِلَة فِي حَقِيقَة الذَّات وماهيتها فَإنَّا قد بَينا أَنه إِذا أَشَارَ المشير إِلَى شَيْء
[ ٥٠ ]
وَقَالَ مَا هُوَ لم يكن ذكر الْأَسْمَاء المشتقة جَوَابا أصلا فَلَو أَشَارَ إِلَى شخص حَيَوَان فَقَالَ مَا هُوَ فَقيل طَوِيل أَو أَبيض أَو قصير أَو أَشَارَ إِلَى مَاء فَقَالَ مَا هُوَ فَقيل بِأَنَّهُ بَارِد أَو أَشَارَ إِلَى نَار وَقَالَ مَا هُوَ فَقيل حَار فَكل ذَلِك لَيْسَ بِجَوَاب عَن الْمَاهِيّة الْبَتَّةَ والمعرفة بالشَّيْء هِيَ معرفَة حَقِيقَته وماهيته لَا معرفَة الْأَسَامِي المشتقة فَإِن قَوْلنَا حَار مَعْنَاهُ شَيْء مُبْهَم لَهُ وصف الْحَرَارَة وَكَذَلِكَ قَوْلنَا قَادر وعالم مَعْنَاهُ شَيْء مُبْهَم لَهُ وصف الْعلم وَالْقُدْرَة
فَإِن قلت فقولنا إِنَّه الْوَاجِب الْوُجُود الَّذِي عَنهُ وَحده يُوجد كل مَا فِي الْإِمْكَان وجوده عبارَة عَن حَقِيقَته وَحده وَقد عرفنَا هَذَا فَأَقُول هَيْهَات فقولنا وَاجِب الْوُجُود عبارَة عَن استغنائه عَن الْعلَّة وَالْفَاعِل وَهَذَا يرجع إِلَى سلب السَّبَب عَنهُ وَقَوْلنَا يُوجد عَنهُ كل مَوْجُود يرجع إِلَى إِضَافَة الْأَفْعَال إِلَيْهِ وَإِذا قيل لنا مَا هَذَا الشَّيْء وَقُلْنَا هُوَ الْفَاعِل لم يكن جَوَابا وَإِذا قُلْنَا هُوَ الَّذِي لَهُ عِلّة لم يكن جَوَابا فَكيف قَوْلنَا هُوَ الَّذِي لَا عِلّة لَهُ لِأَن كل ذَلِك نبأ عَن غير ذَاته وَعَن إِضَافَة لَهُ إِلَى ذَاته إِمَّا بِنَفْي أَو إِثْبَات وكل ذَلِك أَسمَاء وصفات وإضافات
فَإِن قلت فَمَا السَّبِيل إِلَى مَعْرفَته فَأَقُول لَو قَالَ لنا صبي أَو عنين مَا السَّبِيل إِلَى معرفَة لَذَّة الوقاع وَإِدْرَاك حَقِيقَته قُلْنَا هَاهُنَا سبيلان أَحدهمَا أَن نصفه لَك حَتَّى تعرفه وَالْآخر أَن تصبر حَتَّى تظهر فِيك غريزة الشَّهْوَة ثمَّ تباشر الوقاع حَتَّى تظهر فِيك لَذَّة الوقاع فتعرفه وَهَذَا السَّبِيل الثَّانِي هُوَ السَّبِيل الْمُحَقق المفضي إِلَى حَقِيقَة الْمعرفَة
فَأَما الأول فَلَا يُفْضِي إِلَّا إِلَى توهم وتشبيه للشَّيْء بِمَا لَا يُشبههُ إِذْ غايتنا أَن نمثل لَذَّة الوقاع عِنْده بِشَيْء من اللَّذَّات الَّتِي يُدْرِكهَا الْعنين كلذة الطَّعَام
[ ٥١ ]
وَالشرَاب الحلو مثلا فَنَقُول لَهُ أما تعرف أَن السكر لذيذ فَإنَّك تَجِد عِنْد تنَاوله حَالَة طيبَة وتحس فِي نَفسك رَاحَة قَالَ نعم قُلْنَا فالجماع أَيْضا كَذَلِك أفترى أَن هَذَا يفهمهُ حَقِيقَة لَذَّة الْجِمَاع كَمَا هِيَ حَتَّى ينزل فِي مَعْرفَته منزلَة من ذاق تِلْكَ اللَّذَّة وأدركها هَيْهَات إِنَّمَا غَايَة هَذَا الْوَصْف إِيهَام وتشبيه خطأ وتفهيم ومشاركة فِي الِاسْم
أما الْإِيهَام فَهُوَ أَنه يتَوَهَّم أَن ذَلِك أَمر طيب على الْجُمْلَة وَأما التَّشْبِيه فَهُوَ أَنه يُشبههُ بحلاوة السكر وَهُوَ خطأ إِذْ لَا مُنَاسبَة بَين حلاوة السكر وَلَذَّة الوقاع وَأما الْمُشَاركَة فِي الِاسْم فَهُوَ أَنه يعلم أَنه مُسْتَحقّ أَن يُسمى لَذَّة وَمهما ظَهرت الشَّهْوَة وذاق علم قطعا أَنه لَا يُشبههُ حلاوة السكر وَأَن مَا كَانَ توهمه لم يكن على الْوَجْه الَّذِي توهمه نعم يعلم أَن الَّذِي كَانَ قد سمع من اسْمه وَصفته وَأَنه لذيذ وَطيب كَانَ صَادِقا بل كَانَ أصدق عَلَيْهِ مِنْهُ على حلاوة السكر
فَكَذَلِك لمعْرِفَة الله ﷾ سبيلان أَحدهمَا قَاصِر وَالْآخر مسدود
أما الْقَاصِر فَهُوَ ذكر الْأَسْمَاء وَالصِّفَات وَطَرِيقَة التَّشْبِيه بِمَا عَرفْنَاهُ من أَنْفُسنَا فَإنَّا لما عرفنَا أَنْفُسنَا قَادِرين عَالمين أَحيَاء متكلمين ثمَّ سمعنَا ذَلِك فِي أَوْصَاف الله ﷿ أَو عَرفْنَاهُ بِالدَّلِيلِ فهمناه فهما قاصرا كفهم الْعنين لَذَّة الوقاع بِمَا يُوصف لَهُ من لَذَّة السكر بل حياتنا وقدرتنا وَعلمنَا أبعد من حَيَاة الله ﷿ وَقدرته وَعلمه من حلاوة السكر من لَذَّة الوقاع بل لَا مُنَاسبَة بَين البعيدين وَفَائِدَة تَعْرِيف الله ﷿ بِهَذِهِ الْأَوْصَاف أَيْضا إِيهَام وتشبيه ومشاركة فِي الِاسْم لَكِن يقطع التَّشْبِيه بِأَن يُقَال لَيْسَ كمثله شَيْء فَهُوَ حَيّ لَا كالأحياء وقادر لَا كالقادرين كَمَا تَقول الوقاع لذيذ كالسكر وَلَكِن تِلْكَ اللَّذَّة لَا تشبه هَذِه الْبَتَّةَ وَلَكِن تشاركها فِي الِاسْم
[ ٥٢ ]
وكأنا إِذا عرفنَا أَن الله تَعَالَى حَيّ قَادر عَالم فَلم نَعْرِف إِلَّا أَنْفُسنَا وَلم نعرفه إِلَّا بِأَنْفُسِنَا إِذْ الْأَصَم لَا يتَصَوَّر أَن يفهم معنى قَوْلنَا إِن الله سميع وَلَا الأكمه يفهم معنى قَوْلنَا إِنَّه بَصِير وَلذَلِك إِذا قَالَ الْقَائِل كَيفَ يكون الله ﷿ عَالما بالأشياء فَنَقُول كَمَا تعلم أَنْت الْأَشْيَاء فَإِذا قَالَ فَكيف يكون قَادِرًا فَنَقُول كَمَا تقدر أَنْت فَلَا يُمكنهُ أَن يفهم شَيْئا إِلَّا إِذا كَانَ فِيهِ مَا يُنَاسِبه فَيعلم أَولا مَا هُوَ متصف بِهِ ثمَّ يعلم غَيره بالمقايسة إِلَيْهِ فَإِن كَانَ لله ﷿ وصف وخاصية لَيْسَ فِينَا مَا يُنَاسِبه ويشاركه فِي الِاسْم وَلَو مُشَاركَة حلاوة السكر لَذَّة الوقاع لم يتَصَوَّر فهمه الْبَتَّةَ فَمَا عرف أحد إِلَّا نَفسه ثمَّ قايس بَين صِفَات الله تَعَالَى وصفات نَفسه وتتعالى صِفَاته عَن أَن تشبه صفاتنا فَتكون هَذِه معرفَة قَاصِرَة يغلب عَلَيْهَا الْإِيهَام والتشبيه فَيَنْبَغِي أَن تقترن بهَا الْمعرفَة بِنَفْي المشابهة وينفي أصل الْمُنَاسبَة مَعَ الْمُشَاركَة فِي الِاسْم
وَأما السَّبِيل الثَّانِي المسدود فَهُوَ أَن ينْتَظر العَبْد أَن تحصل لَهُ الصِّفَات الربوبية كلهَا حَتَّى يصير رَبًّا كَمَا ينْتَظر الصَّبِي أَن يبلغ فيدرك تِلْكَ اللَّذَّة وَهَذَا السَّبِيل مسدود مُمْتَنع إِذْ يَسْتَحِيل أَن تحصل تِلْكَ الْحَقِيقَة لغير الله تَعَالَى وَهَذَا هُوَ سَبِيل الْمعرفَة المحققة لَا غير وَهُوَ مسدود قطعا إِلَّا على الله تَعَالَى
فَإِذا يَسْتَحِيل أَن يعرف الله تَعَالَى بِالْحَقِيقَةِ غير الله بل أَقُول يَسْتَحِيل أَن يعرف النَّبِي غير النَّبِي وَأما من لَا نبوة لَهُ فَلَا يعرف من النُّبُوَّة إِلَّا اسْمهَا وَأَنَّهَا خاصية مَوْجُودَة لإِنْسَان بهَا يُفَارق من لَيْسَ نَبيا وَلَكِن لَا يعرف مَاهِيَّة تِلْكَ الخاصية إِلَّا بالتشبيه بِصِفَات نَفسه
بل أَزِيد وَأَقُول لَا يعرف أحد حَقِيقَة الْمَوْت وَحَقِيقَة الْجنَّة وَالنَّار إِلَّا بعد الْمَوْت وَدخُول الْجنَّة أَو النَّار لِأَن الْجنَّة عبارَة عَن أَسبَاب ملذة وَلَو فَرضنَا شخصا لم يدْرك قطّ لَذَّة لم يمكننا أصلا أَن نفهمه الْجنَّة تفهيما يرغبه فِي طلبَهَا
[ ٥٣ ]
وَالنَّار عبارَة عَن أَسبَاب مؤلمة وَلَو فَرضنَا شخصا لم يُقَاس قطّ ألما لم يمكننا قطّ أَن نفهمه النَّار فَإِذا قاساه فهمناه إِيَّاه بالتشبيه بأشد مَا قاساه وَهُوَ ألم النَّار
وَكَذَلِكَ إِذا أدْرك شَيْئا من اللَّذَّات فغايتنا أَن نفهمه الْجنَّة بالتشبيه بأعظم مَا ناله من اللَّذَّات وَهِي الْمطعم والمنكح والمنظر فَإِن كَانَ فِي الْجنَّة لَذَّة مُخَالفَة لهَذِهِ اللَّذَّات فَلَا سَبِيل إِلَى تفهيمه أصلا إِلَّا بالتشبيه بِهَذِهِ اللَّذَّات كَمَا ذَكرْنَاهُ فِي تَشْبِيه لَذَّة الوقاع بحلاوة السكر ولذات الْجنَّة أبعد من كل لَذَّة أدركناها فِي الدُّنْيَا من لَذَّة الوقاع عَن لَذَّة السكر بل الْعبارَة الصَّحِيحَة عَنْهَا أَنَّهَا مَا لَا عين رَأَتْ وَلَا أذن سَمِعت وَلَا خطر على قلب بشر فَإِن مثلناها بالأطعمة قُلْنَا مَعَ ذَلِك لَا كهذه الْأَطْعِمَة وَإِن مثلناها بالوقاع قُلْنَا لَا كالوقاع الْمَعْهُود فِي الدُّنْيَا فَكيف يتعجب المتعجبون من قَوْلنَا لم يحصل أهل الأَرْض وَالسَّمَاء معرفَة من الله تَعَالَى إِلَّا على الصِّفَات والأسماء وَنحن نقُول لم يحصلوا من الْجنَّة إِلَّا على الصِّفَات والأسماء وَكَذَلِكَ فِي كل مَا سمع الْإِنْسَان اسْمه وَصفته وَمَا ذاقه وَمَا أدْركهُ وَلَا انْتهى إِلَيْهِ وَلَا اتّصف بِهِ
فَإِن قلت فَمَاذَا نِهَايَة معرفَة العارفين بِاللَّه تَعَالَى فَنَقُول نِهَايَة معرفَة العارفين عجزهم عَن الْمعرفَة ومعرفتهم بِالْحَقِيقَةِ أَنهم لَا يعرفونه وَأَنه لَا يُمكنهُم الْبَتَّةَ مَعْرفَته وَأَنه يَسْتَحِيل أَن يعرف الله الْمعرفَة الْحَقِيقِيَّة المحيطة بكنه صِفَات الربوبية إِلَّا الله ﷿ فَإِذا انْكَشَفَ لَهُم ذَلِك انكشافا برهانيا كَمَا ذَكرْنَاهُ فقد عرفوه أَي بلغُوا الْمُنْتَهى الَّذِي يُمكن فِي حق الْخلق من مَعْرفَته
وَهُوَ الَّذِي أَشَارَ إِلَيْهِ الصّديق الْأَكْبَر أَبُو بكر ﵁ حَيْثُ قَالَ الْعَجز عَن دَرك الْإِدْرَاك إِدْرَاك بل هُوَ الَّذِي عناه سيد الْبشر صلوَات الله عَلَيْهِ وَسَلَامه حَيْثُ قَالَ لَا أحصي ثَنَاء عَلَيْك أَنْت كَمَا أثنيت على
[ ٥٤ ]
نَفسك وَلم يرد بِهِ أَنه عرف مِنْهُ مَا لَا يطاوعه لِسَانه فِي الْعبارَة عَنهُ بل مَعْنَاهُ إِنِّي لَا أحيط بمحامدك وصفات إلهيتك وَإِنَّمَا أَنْت الْمُحِيط بهَا وَحدك
فَإِذا لَا يحظى مَخْلُوق فِي مُلَاحظَة حَقِيقَة ذَاته إِلَّا بِالْحيرَةِ والدهشة وَأما اتساع الْمعرفَة فَإِنَّهَا تكون فِي معرفَة أَسْمَائِهِ وَصِفَاته
فَإِن قلت فبماذا تَتَفَاوَت دَرَجَات الْمَلَائِكَة والأنبياء والأولياء فِي مَعْرفَته إِن كَانَ لَا يتَصَوَّر مَعْرفَته فَأَقُول قد عرفت أَن للمعرفة سبيلين أَحدهمَا السَّبِيل الْحَقِيقِيّ وَذَلِكَ مسدود إِلَّا فِي حق الله تَعَالَى فَلَا يَهْتَز أحد من الْخلق لنيله وإدراكه إِلَّا ردته سبحات الْجلَال إِلَى الْحيرَة وَلَا يشرئب أحد لملاحظته إِلَّا غضت الدهشة طرفه
وَأما السَّبِيل الثَّانِي وَهُوَ معرفَة الصِّفَات والأسماء فَذَلِك مَفْتُوح لِلْخلقِ وَفِيه تَتَفَاوَت مَرَاتِبهمْ فَلَيْسَ من يعلم أَنه ﷿ عَالم قَادر على الْجُمْلَة كمن شَاهد عجائب آيَاته فِي ملكوت السَّمَوَات وَالْأَرْض وَخلق الْأَرْوَاح والأجساد واطلع على بَدَائِع المملكة وغرائب الصَّنْعَة ممعنا فِي التَّفْصِيل ومستقصيا دقائق الْحِكْمَة ومستوفيا لطائف التَّدْبِير ومتصفا بِجَمِيعِ الصِّفَات الملكية المقربة من الله ﷿ نائلا لتِلْك الصِّفَات نيل اتصاف بهَا بل بَينهمَا من البون الْعَظِيم مَا لَا يكَاد يُحْصى وَفِي تفاصيل ذَلِك ومقاديره يتَفَاوَت الْأَنْبِيَاء والأولياء
وَلنْ يصل إِلَى فهمك هَذَا إِلَّا بمثال ﴿وَللَّه الْمثل الْأَعْلَى﴾ سُورَة النَّحْل / الْآيَة ٦٠ وَلَكِنَّك تعلم أَن الْعَالم التقي الْكَامِل مثلا مثل الشَّافِعِي ﵁ يعرفهُ بواب دَاره ويعرفه الْمُزنِيّ ﵀ تِلْمِيذه فالبواب يعرفهُ أَنه عَالم بِالشَّرْعِ ومصنف فِيهِ ومرشد خلق الله عز
[ ٥٥ ]
وَجل إِلَيْهِ على الْجُمْلَة والمزني يعرفهُ لَا كمعرفة البواب بل معرفَة مُحِيطَة بتفاصيل صِفَاته ومعلوماته بل الْعَالم الَّذِي يحسن عشرَة أَنْوَاع من الْعُلُوم لَا يعرفهُ بِالْحَقِيقَةِ تِلْمِيذه الَّذِي لم يحصل إِلَّا نوعا وَاحِدًا فضلا عَن خادمه الَّذِي لم يحصل شَيْئا من علومه بل الَّذِي حصل علما وَاحِدًا فَإِنَّمَا عرف على التَّحْقِيق عشره إِن ساواه فِي ذَلِك الْعلم حَتَّى لم يقصر عَنهُ فَإِن قصر عَنهُ فَلَيْسَ يعرف بِالْحَقِيقَةِ مَا قصر عَنهُ إِلَّا بِالِاسْمِ وإيهام الْجُمْلَة وَهُوَ أَنه يعرف أَنه يعلم شَيْئا سوى مَا علمه فَكَذَلِك فَافْهَم تفَاوت الْخلق فِي معرفَة الله تَعَالَى بِقدر مَا انْكَشَفَ لَهُم من مَعْلُومَات الله ﷿ وعجائب مقدوراته وبدائع آيَاته فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة وَالْملك والملكوت تزداد معرفتهم بِاللَّه ﷿ وتقرب معرفتهم من معرفَة الْحَقِيقَة من معرفَة الله تَعَالَى
فَإِن قلت فَإِذا لم يعرفوا حَقِيقَة الذَّات واستحال مَعْرفَتهَا فَهَل عرفُوا الْأَسْمَاء وَالصِّفَات معرفَة تَامَّة حَقِيقِيَّة قُلْنَا هَيْهَات ذَلِك أَيْضا لَا يعرفهُ بالكمال والحقيقة إِلَّا الله ﷿ لأَنا إِذا علمنَا أَن ذاتا عَالِمَة فقد علمنَا شَيْئا مُبْهما لَا نَدْرِي حَقِيقَته لَكِن نَدْرِي أَن لَهُ صفة الْعلم فَإِن كَانَت صفة الْعلم مَعْلُومَة لنا حَقِيقَة كَانَ علمنَا بِأَنَّهُ عَالم علما تَاما بِحَقِيقَة هَذِه الصّفة وَإِلَّا فَلَا وَلَا يعرف أحد حَقِيقَة علم الله ﷿ إِلَّا من لَهُ مثل علمه وَلَيْسَ ذَلِك إِلَّا لَهُ فَلَا يعرفهُ أحد سواهُ وَإِنَّمَا يعرفهُ غَيره بالتشبيه بِعلم نَفسه كَمَا أوردنا من مِثَال التَّشْبِيه بالسكر وَعلم الله ﷿ لَا يشبه علم الْخلق الْبَتَّةَ فَلَا يكون معرفَة الْخلق بِهِ معرفَة تَامَّة حَقِيقِيَّة بل إيهامية تشبيهية
وَلَا تتعجبن من هَذَا فَإِنِّي أَقُول لَا يعرف السَّاحر إِلَّا السَّاحر نَفسه أَو سَاحر مثله أَو فَوْقه فَأَما من لَا يعرف السحر وَحَقِيقَته وماهيته لَا يعرف من السَّاحر إِلَّا اسْمه وَيعرف أَن لَهُ علما وخاصية لَا يدْرِي مَا ذَلِك الْعلم إِذْ لَا يدْرِي معلومه وَلَا يدْرِي مَا تِلْكَ الخاصية نعم يدْرِي أَن تِلْكَ الخاصية وَإِن
[ ٥٦ ]
كَانَت مُبْهمَة فَهِيَ من جنس الْعُلُوم وثمرتها تَغْيِير الْقُلُوب وتبديل أَوْصَاف الْأَعْيَان والتفريق بَين الْأزْوَاج وَهَذَا بمعزل عَن معرفَة حَقِيقَة السحر وَمن لم يعرف حَقِيقَة السحر لَا يعرف حَقِيقَة السَّاحر لِأَن السَّاحر من لَهُ خاصية السحر وَحَاصِل اسْم السَّاحر أَنه اسْم مُشْتَقّ من تِلْكَ الصّفة إِن كَانَت مَجْهُولَة فَهُوَ مَجْهُول وَإِن كَانَت مَعْلُومَة فَهُوَ مَعْلُوم والمعلوم من السحر لغير السَّاحر وصف عَام بعيد عَن الْمَاهِيّة وَهُوَ أَنه من جنس الْعُلُوم فَإِن اسْم الْعلم ينْطَلق عَلَيْهِ
فَكَذَلِك الْحَاصِل عندنَا من قدرَة الله ﷿ أَنه وصف ثَمَرَته وأثره وجود الْأَشْيَاء وينطلق عَلَيْهِ اسْم الْقُدْرَة لِأَنَّهُ يُنَاسب قدرتنا مُنَاسبَة لَذَّة الوقاع لَذَّة السكر وَهَذَا كُله بمعزل عَن حَقِيقَة تِلْكَ الْقُدْرَة نعم كلما ازْدَادَ العَبْد إحاطة بتفاصيل المقدورات وعجائب الصنع فِي ملكوت السَّمَوَات كَانَ حَظه من معرفَة صفة الْقُدْرَة أوفر لِأَن الثَّمَرَة تدل على المثمر كَمَا أَنه كلما ازْدَادَ التلميذ إحاطة بتفاصيل عُلُوم الْأُسْتَاذ وتصانيفه كَانَت مَعْرفَته لَهُ أكمل واستعظامه لَهُ أتم
فَإلَى هَذَا يرجع تفَاوت معرفَة العارفين ويتطرق إِلَيْهِ تفَاوت لَا يتناهى لِأَن مَا لَا يقدر الْآدَمِيّ على مَعْرفَته من مَعْلُومَات الله تَعَالَى لَا نِهَايَة لَهُ وَمَا يقدر عَلَيْهِ أَيْضا لَا نِهَايَة لَهُ وَإِن كَانَ مَا يدْخل مِنْهُ فِي الْوُجُود متناهيا وَلَكِن مَقْدُور الْآدَمِيّ من الْعُلُوم لَا نِهَايَة لَهُ نعم الْخَارِج إِلَى الْوُجُود متفاوت فِي الْكَثْرَة والقلة وَبِه يظهرالتفاوت وَهُوَ كالتفاوت بَين النَّاس فِي الْقُدْرَة الْحَاصِلَة لَهُم بالغنى بِالْمَالِ فَمن وَاحِد يملك الدانق وَالدِّرْهَم وَمن آخر يملك ألافا فَكَذَلِك الْعُلُوم بل التَّفَاوُت فِي الْعُلُوم أعظم لِأَن المعلومات لَا نِهَايَة لَهَا وأعيان الْأَمْوَال أجسام والأجسام متناهية لَا يتَصَوَّر أَن تَنْتفِي النِّهَايَة عَنْهَا
فَإِذا قد عرفت كَيفَ يتَفَاوَت الْخلق فِي بحار معرفَة الله ﷿ وَأَن
[ ٥٧ ]
ذَلِك لَا نِهَايَة لَهُ وَعرفت أَن من قَالَ لَا يعرف الله غير الله فقد صدق وَأَن من قَالَ لَا أعرف إِلَّا الله فقد صدق أَيْضا فَإِنَّهُ لَيْسَ فِي الْوُجُود إِلَّا الله ﷿ وأفعاله فَإِذا نظر إِلَى أَفعاله من حَيْثُ هِيَ أَفعاله وَكَانَ مَقْصُور النّظر عَلَيْهِ وَلم يره من حَيْثُ هُوَ سَمَاء وَأَرْض وَشَجر بل من حَيْثُ أَنه صنعه فَلم يُجَاوز مَعْرفَته حَضْرَة الربوبية فيمكنه أَن يَقُول مَا أعرف إِلَّا الله وَمَا أرى إِلَّا الله ﷿
وَلَو تصور شخص لَا يرى إِلَّا الشَّمْس ونورها الْمُنْتَشِر فِي الْآفَاق يَصح مِنْهُ أَن يَقُول مَا أرى إِلَّا الشَّمْس فَإِن النُّور الفايض مِنْهَا هُوَ من جُمْلَتهَا لَيْسَ خَارِجا مِنْهَا وكل مَا فِي الْوُجُود نور من أنوار الْقُدْرَة الأزلية وَأثر من آثارها
وكما أَن الشَّمْس ينبوع النُّور الفايض على كل مستنير فَكَذَلِك الْمَعْنى الَّذِي قصرت الْعبارَة عَنهُ فَعبر عَنهُ بِالْقُدْرَةِ الأزلية للضَّرُورَة وَهُوَ ينبوع الْوُجُود الفابض على كل مَوْجُود فَلَيْسَ فِي الْوُجُود إِلَّا الله ﷿ فَيجوز أَن يَقُول الْعَارِف لَا أعرف إِلَّا الله
وَمن الْعَجَائِب أَن يَقُول لَا أعرف إِلَّا الله وَيكون صَادِقا وَيَقُول لَا يعرف الله إِلَّا الله ﷿ وَيكون أَيْضا صَادِقا وَلَكِن ذَلِك بِوَجْه وَهَذَا بِوَجْه وَلَو كذبت المتناقضات إِذا اخْتلفت وُجُوه الاعتبارات لما صدق قَوْله تَعَالَى ﴿وَمَا رميت إِذْ رميت وَلَكِن الله رمى﴾ سُورَة الْأَنْفَال الْآيَة ١٧ وَلكنه صَادِق لِأَن للرمي اعتبارين هُوَ مَنْسُوب إِلَى العَبْد بِأَحَدِهِمَا ومنسوب إِلَى الرب تَعَالَى بِالثَّانِي فَلَا تنَاقض فِيهِ
ولنقبض هَاهُنَا عنان الْبَيَان فقد خضنا لجة بَحر لَا سَاحل لَهُ وأمثال هَذِه الْأَسْرَار لَا يَنْبَغِي أَن تبتذل بإيداع الْكتب وَإِذ جَاءَ هَذَا عرضا غير مَقْصُود فلنكف عَنهُ ولنرجع إِلَى شرح مَعَاني أَسمَاء الله الْحسنى على التَّفْصِيل
[ ٥٨ ]