وقول الله تعالى: ﴿وَأَنذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَن يُحْشَرُواْ إِلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُم مِّن دُونِهِ وَلِيٌّ وَلاَ شَفِيعٌ﴾ [الأنعام: ١٥١] .
_________________
(١) مناسبة الباب لكتاب التوحيد: أنه لما كان المشركون يبررون ما هم عليه من الشرك من دعاء الملائكة والأنبياء والأولياء، ويقولون نحن نعلم أنهم مخلوقون ولكنهم لهم جاه عند الله فنحن نريد منهم أن يشفعوا لنا عند الله، أراد المصنف ﵀ بهذا الباب إقامة الحجج على أن ذلك هو عين الشرك الذي نهى الله عنه، وأبطل كل وسيلة تؤدي إليه. الشفاعة: مصدر شفع بمعنى ضم الشيء إلى مثله -تقول: شفعت الشيء شفعًا بمعنى ضممته إلى الفرد. وشفع فيه أعانه في تحصيل مطلبه ممن هو عنده. وأنذِرْ: الإنذار هو: الإعلام بموضع المخافة والتحذير منها. به: أي: بالقرآن. يخافون: يخشون. أن يحشروا: يُجمعوا ويُبعثوا. ليس لهم من دونه ولي ولا شفيع: في موضع نصبٍ على الحال أي؛ متخلِّين من كل ولي ينصرهم وشفيع يشفع لهم. المعنى الإجمالي للآية: يقول تعالى لنبيه -ﷺ-: خوِّف بالقرآن
[ ١٤١ ]
الذين يخشون ربهم من أصحاب القلوب الواعية الذين يتذكرون الوقوف بين يدي ربهم متخلّين عن كل قريب ينصرهم وواسطة تشفع لهم –عنده- بغير إذنه لعلهم يعدون العُدة لذلك فيعملون في هذه الدار عملًا ينجّيهم الله به من عذابه يوم القيامة.
مناسبة الآية للباب: أن فيها الرد على المشركين الذين يدعون الأنبياء والصالحين يطلبون منهم الشفاعة.
ما يستفاد من الآية:
١- الرد على المشركين الذين يتقربون إلى الأنبياء والصالحين يطلبون منهم الشفاعة.
٢- مشروعية الوعظ والتذكير بيوم القيامة.
٣- أن المؤمنين هم الذين ينتفعون بالموعظة.
* * *
[ ١٤٢ ]
وقوله تعالى: ﴿قُل لِّلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا﴾ [الزمر: ٤٤] .
وقوله: ﴿مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة: ٢٥٥] .
_________________
(١) لله الشفاعة: أي: هي ملك لله فليس لمن تطلبونها منهم شيءٌ منها. جميعًا: حالٌ مؤكدة. من ذا الذي: أي لا أحد. يشفع عنده إلا بإذنه: له فيها، فلا أحدٌ يتكلم بشفاعةٍ ولا غيرها إلا إذا أذن الله تعالى له في الكلام. المعنى الإجمالي للآيتين: يأمر الله نبيه أن يقول للذين يتعلقون على الأولياء والصالحين يطلبون منهم الشفاعة: ليس لمن تدعونهم من الشفاعة شيء، إنما هي كلُّها ملكٌ لله لا يستطيع أحدٌ شفاعةً لأحد إلا بإذنه، فلا أحدٌ يملك أن يتكلم يوم القيامة إلا إذا أذن الله ﷾ له في الكلام. مناسبة الآيتين للباب: أن فيهما الرد على المشركين الذين اتخذوا الشفعاء من دون الله من الملائكة والأنبياء والأصنام المصورة على صور الصالحين، يظنون أنهم يملكون من الشفاعة شيئًا فيستطيعون أن يشفعوا عند الله ﷾ بغير إذنه. ما يستفاد من الآيتين:
(٢) الرد على المشركين الذين يطلبون الشفاعة من المخلوقين.
(٣) أن الشفاعة ملكٌ لله وحده فيجب طلبها منه وحده.
[ ١٤٣ ]
٣- بيان عظمة الله وكبريائه وخضوع جميع الخلق لسلطانه.
٤- في الآية الثانية إثبات الشفاعة لمن أذن الله له بها.
* * *
[ ١٤٤ ]
وقوله تعالى: ﴿وَكَم مِّن مَّلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِن بَعْدِ أَن يَأْذَنَ اللهُ لِمَن يَشَاء وَيَرْضَى﴾ [النجم: ٢٦] .
_________________
(١) كم: خبريةٌ في موضع رفعٍ على الابتداء. ومعناها: كثيرٌ من الملائكة. لا تغني: لا تُجدي ولا تنفع. في موضع رفع خبر المبتدأ. إلا من بعد أن يأذن الله: لهم في الشفاعة. لمن يشاء: من عباده. ويرضى: عنه قولَه وعمَله. معنى الآية إجمالًا: يخبر تعالى أن كثيرًا من الملائكة مع مكانتهم عنده لا تجدي شفاعتهم في أحد شيئًا، ولا تنفعه إلا إذا أذن الله لهم أن يشفعوا فيمن يشاء الشفاعة له من عباده، وكان المشفوع فيه ممن رضي الله قوله وعمله بأن يكون سالمًا من الشرك قليلِه وكثيرِه، وإذا كان هذا في حقّ الملائكة فغيرهم من باب أولى. مناسبة الآية للباب: أن فيها الرد على المشركين الذين يطلبون الشفاعة من الملائكة وغيرهم من المخلوقين. ما يستفاد من الآية:
(٢) الرد على المشركين الذين يتقرّبون إلى المخلوقين يطلبون منهم الشفاعة.
(٣) أن الشفاعة ملكٌ لله وحده لا تُطلب إلا منه.
(٤) أن الشفاعة لا تنفع إلا بشرطين:
[ ١٤٥ ]
الشرط الأول: إذن الرب للشافع أن يشفع.
الشرط الثاني: رضاه عن المشفوع فيه بأن يكون من أهل التوحيد والإخلاص.
* * *
[ ١٤٦ ]
وقوله تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُم مِّن دُونِ اللهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ﴾ الآيتين.
_________________
(١) تمام الآيتين: قوله تعالى: ﴿وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِن شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُم مِّن ظَهِيرٍ، وَلَا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ عِندَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَن قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ [سبأ: ٢٢، ٢٣] . قل: أي: للمشركين. زعمتم: أي: زعمتموهم آلهة. من دون الله: أي: غيره لينفعوكم بزعمهم. من دون الله: أي: غيره لينفعوكم بزعمكم. مثقال: وزن. ذرة: من خير أو شر، والمراد بالذرة النملة الصغيرة. ويُقال لكل جزء من أجزاء الهباء ذرةٌ. شرك: شركة مع الله. منهم: من الآلهة. من ظهير: معين يعينه على تدبير أمر السماوات والأرض. ولا تنفع الشفاعة عنده: أي عند الله تعالى ردٌّ لقولهم: إن آلهتهم تشفع عنده. إلا لمن أذن له: أن يشفع لغيره. المعنى الإجمالي للآيتين: يأمر الله سبحانه نبيه أن يقول للمشركين على وجه التحدي: اطلبوا من آلهتكم التي زعمتم أنها تنفعكم وتكشفُ
[ ١٤٧ ]
الضر عنكم. فإنهم لا يقدرون على ذلك لأنهم لا يملكون من الكون وزن أصغر نملة ملكًا مستقلًا، وليس لهم في الكون أدنى شركة مع الله، وليس منهم أحد يعين الله في تصريف الأمور، ولا يقدرون على التقدم بين يديه في الشفاعة لكم إلا إذا أذن لهم بذلك وهو، لا يأذن بالشفاعة لمشرك، فهم لا يملكون شيئًا استقلالًا ولا يشاركون في الملك ولا يعاونون المالك ولا يملكون الشفاعة عنده بغير إذنه. فبطُلت عبادتهم من دون الله.
مناسبة الآيتين للباب: أن فيهما الرد على المشركين الذين يتقربون إلى الأولياء، يطلبون منهم الشفاعة ويدعونهم لجلب النفع ودفع الضر.
ما يستفاد من الآيتين:
١- الرد على المشركين الذين يدعون مع الله آلهة من الملائكة وغيرهم، يزعمون أنهم يملكون لهم نفعًا أو يدفعون عنهم ضرًا.
٢- مشروعية محاجة المشركين لإبطال الشرك ومناظرتهم في ذلك.
٣- قطع الأسباب التي يتعلق بها المشركون، وذلك أن المشرك إنما يتخذ معبوده لما يحصل له من النفع. والنفع لا يكون إلا ممن فيه خصلةٌ من أربع:
الأولى: إما أن يكون مالكًا لما يريده منه عابده.
الثانية: وإما أن يكون شريكًا للمالك.
الثالثة: وإما أن يكون ظهيرًا أو معينًا له.
الرابعة: وإما أن يكون شفيعًا عنده.
وقد نفى ﷾ هذه الأسباب الأربعة في آلهة المشركين. فبطُلت عبادتها.
[ ١٤٨ ]
٤- إثبات الشفاعة التي تكون بإذن الله.
٥- أن المشركين لا تنفعهم الشفاعة؛ لأن الله تعالى لا يأذن فيها لمشرك.
* * *
[ ١٤٩ ]
قال أبو العباس: نفى الله عما سواه كل ما يتعلق به المشركون، فنفى أن يكون لغيره ملك أو قسط منه، أو يكون عونًا لله، ولم يبق إلا الشفاعة، فبين أنها لا تنفع إلا لمن أذن له الرب، كما قال: ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ [الأنبياء: ٢٨] .
فهذه الشفاعة التي يظنها المشركون هي منتفية يوم القيامة كما نفاها القرآن، وأخبر النبي - ﷺ- أنه يأتي فيسجد لربه ويحمده لا يبدأ بالشفاعة أولًا- ثم يقال له: ارفع رأسك، وقل يُسمع، وسل تُعط، واشفع تُشَفّع (١) .
وقال أبو هريرة: من أسعد الناس بشفاعتك؟ قال: "من قال لا إله إلا الله خالصًا من قلبه" (٢) .
فتلك الشفاعة لأهل الإخلاص بإذن الله، ولا تكون لمن أشرك بالله. وحقيقته أن الله سبحانه هو الذي يتفضّل على أهل الإخلاص فيغفر لهم بواسطة دعاء من أذن له أن يشفع؛ ليُكرمه وينال المقام المحمود.
فالشفاعة التي نفاها القرآن ما كان فيها شرك، ولهذا أثبت الشفاعة بإذنه في مواضع. وقد بيَّن النبي - ﷺ- أنها لا تكون إلا لأهل التوحيد والإخلاص. انتهى كلامه.
ــ
أبو العباس هو: شيخ الإسلام تقيّ الدين أحد بن عبد الحليم بن
_________________
(١) أخرجه البخاري برقم "٣٣٤٠" ومسلم برقم "١٩٤".
(٢) أخرجه البخاري برقم "٩٩".
[ ١٥٠ ]
عبد السلام ابن تيمية الإمام المشهور صاحب المصنفات المفيدة، كانت وفاته سنة ٧٢٨هـ ﵀.
قسط: القسط هو النصيب.
الشفاعة التي يظنها المشركون أي: التي يطلبونها من غير الله من الأنداد.
وأخبر النبي: أي في الحديث الثابت في الصحيحين. وغيرهما من حديث الشفاعة.
وقال أبو هريرة: أي: في الحديث الذي رواه البخاري ومسلم والنسائي عن أبي هريرة.
أسعد الناس: أكثرهم سعادة بها.
خالصًا من قلبه: احتراز من المنافق الذي يقولها بلسانه فقط.
وحقيقته: أي: حقيقة الأمر في بيان الشفاعة الصحيحة لا كما يظنه المشركون.
المقام المحمود: أي: الذي يحمده فيه الخلائق كلهم.
مقصود المؤلف من سياق كلام شيخ الإسلام هنا.
أن فيه شرحًا وتفسيرًا لما في هذا الباب من الآيات، ففيه:
١- صفة الشفاعة المنفية، وصفة الشفاعة المثبتة.
٢- ذكر الشفاعة الكبرى وهي المقام المحمود، وماذا يفعل النبي –ﷺ- حتى يؤذن له فيها.
٣- أن أسعد الناس بالشفاعة أهل الإيمان.
فائدة: له –ﷺ- ستة أنواع من الشفاعة.
الأول: الشفاعة التي يختص بها نبينا محمد –ﷺ-، وهي
[ ١٥١ ]
الشفاعة لأهل الموقف، ليفصل الله بينهم ويريحهم من مقامهم في الموقف.
الثاني: شفاعته لأهل الجنة حتى يدخلوها.
الثالث: الشفاعة لقوم من العصاة استوجبوا دخول النار أن لا يدخلوها.
الرابع: الشفاعة في قوم من العصاة دخلوا النار أن يخرجوا منها.
الخامس: الشفاعة في قوم من أهل الجنة لزيادة ثوابهم ورفعة درجاتهم.
السادس: شفاعته –ﷺ- في عمه أبي طالب أن يخفف عنه عذاب النار.
* * *
[ ١٥٢ ]