وقول الله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا﴾ [الإسراء: ٥٧] .
_________________
(١) مناسبة الباب لكتاب التوحيد: لما ذكر المصنف ﵀ في الأبواب السابقة التوحيد وفضائله والدعوة إليه والخوف من ضده الذي هو الشرك، بين ﵀ في هذا الباب معناه؛ لأن بعض الناس يخطئ في فهم معناه فيظن أن معناه الإقرار بتوحيد الربوبية فقط، وهذا ليس هو المراد بالتوحيد وإنما المراد به ما دلت عليه النصوص التي ساق المصنف ﵀ طرفًا منها في هذا الباب من أنه إفراد الله بالعبادة والخلوص من الشرك. وعطَف شهادة أن لا إله إلا الله على التوحيد ليبين أن معناهما واحدٌ لا اختلاف فيه. يدعون: أي يدعونهم من دون الله وهم الملائكة والأنبياء والصالحين وغيرهم فالضمير الفاعل يدْعون راجعٌ إلى الكفار. يبتغون: أي يطلبون والضمير الفاعل فيه راجعٌ إلى المدعوين من الملائكة ونحوهم.
[ ٦١ ]
الوسيلة: ما يتقرب به إلى الله، فمعنى توسل إلى الله عمل عملًا يقربه إليه.
ويرجون رحمته: أي لا يرجون أحدًا سواه.
ويخافون عذابه: أي: لا يخافون أحدًا سواه.
المعنى الإجمالي للآية: أن الله ﷾ يخبر أن هؤلاء الذين يدعوهم المشركون من دون الله من الملائكة والأنبياء والصالحين يبادرون إلى طلب القربة إلى الله فيرجون رحمته ويخافون عذابه، فإذا كانوا كذلك كانوا جملة من العبيد فكيف يُدعون مع الله تعالى، وهم مشغولون بأنفسهم يدعون الله ويتوسلون إليه بعبادته.
مناسبة الآية للباب: أنها تدل على أن معنى التوحيد وشهادة أن لا إله إلا الله هو ترك ما عليه المشركون من دعوة الصالحين والاستشفاع بهم إلى الله في كشف الضر أو تحويله؛ لأن ذلك هو الشرك الأكبر.
ما يستفاد من الآية:
١- الرد على الذين يدعون الأولياء والصالحين في كشف الضر أو جلب النفع بأن هؤلاء المدعوين لا يملكون لأنفسهم ضرًا ولا نفعًاَ فكيف يملكون ذلك لغيرهم.
٢- بيان شدة خوف الأنبياء والصالحين من الله وبيان رجائهم لرحمته.
* * *
[ ٦٢ ]
وقوله: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاء مِّمَّا تَعْبُدُونَ، إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ﴾ [الزخرف: ٢٦، ٢٧] .
_________________
(١) براءٌ مما تعبدون: أي بريءٌ من جميع معبوداتكم. إلا الذي فطرني: أي خلقني وهو الله فهو معبودي وحده. المعنى الإجمالي للآية: أنه يخبر سبحانه عن عبده ورسوله وخليله أنه تبرَّأ من كل ما يعبد أبوه وقومه، ولم يستثن إلا الذي خلقه وهو الله، فهو يعبده وحده لا شريك له. مناسبة الآية للباب: أنها دلَّت على أن معنى التوحيد وشهادة أن لا إله إلا الله هو البراءة من الشرك وإفراد الله بالعبادة. فإن لا إله إلا الله تشتمل على النفي الذي عبَّر عنه الخليل بقوله: ﴿إِنَّنِي بَرَاء﴾، والإثبات الذي عبَّر عنه بقوله: ﴿إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي﴾ . ما يستفاد من الآية:
(٢) أن معنى لا إله إلا الله توحيدُ الله بإخلاص العبادة له والبراءة من عبادة كل ما سواه.
(٣) إظهار البراءة من دين المشركين.
(٤) مشروعية التبري من أعداء الله ولو كانوا أقرب الناس. * * *
[ ٦٣ ]
وقوله تعالى: ﴿اتَّخَذُواْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُواْ إِلاَّ لِيَعْبُدُواْ إِلَهًا وَاحِدًا لاَّ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [التوبة: ٣١] (١) .
ــ
اتخذوا: أي جعل اليهود النصارى.
أحبارهم: أي علماءهم.
ورهبانهم: أي عبّادهم.
أربابًا: أي مشرِّعين لهم يحلِّلون ويحرِّمون؛ لأن التشريع من خصائص الرب فمن أطاع مخلوقًا فيه فقد اتخذه ربًا.
والمسيح ابن مريم: أي واتخذوا عيسى ﵇ ربًا بعبادتهم له.
سبحانه عما يشركون: أي تنزه الله تعالى وتقدّس عن الشركاء والنُّظراء.
المعنى الإجمالي للآية: يخبر الله سبحانه عن اليهود والنصارى
_________________
(١) فقد فسَّر هذه الآية رسول الله -ﷺ- لعدي بن حاتم عندما دخل على رسول الله -ﷺ فسمعه يقرأ هذه الآية، فقال عدي: إنهم لم يعبدوهم؟! فقال رسول الله -ﷺ: "بلى إنهم حرّموا عليهم الحلال وحلّلوا لهم الحرام فاتبعوهم فذلك عبادتهم إياهم". أخرجه الترمذي برقم (٣٠٩٤) وهو حديث حسن. وابن أبي شيبة في مصنفه (٧/١٦٧ رقم ٣٤٩٢٥) .
[ ٦٤ ]
أنهم استنصحوا الرجال من العلماء والعباد فأطاعوهم في تحليل ما حرم الله وتحريم ما أحله، فنزَّلوهم بذلك منزلة الرب الذي من خصائصه التحليل والتحريم، كما عبد النصارى عيسى وزعموا أنه ابنُ الله، فنبذوا كتاب الله الذي أمرهم فيه بطاعته وحده وعبادته وحده –وهذا إخبار منه سبحانه يتضمن إنكار ما فعلوه- ولذلك نزَّه نفسه عما يتضمنه هذا الفعل من الشرك به.
مناسبة الآية للباب: أنها دلت على أن من معنى التوحيد وشهادة أن لا إله إلا الله إفرادَ الله بالطاعة في تحليل ما أحل وتحريم ما حرم، وأن من اتخذ شخصًا من دون الله يحلل ما أحل ويحرم ما حرَّم فهو مشرك.
ما يستفاد من الآية:
١- أن معنى التوحيد وشهادة أن لا إله إلا الله طاعةَ الله في التحليل والتحريم.
٢- أن من أطاع مخلوقًا في تحليل الحرام وتحريم الحلال فقد اتخذه شريكًا لله.
٣- الرد على النصارى في اعتقادهم في المسيح ﵇ وبيانُ أنه عبدُ الله.
٤- تنزيه الله عن الشرك.
* * *
[ ٦٥ ]
وقوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللهِ أَندَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللهِ وَالَّذِينَ آمَنُواْ أَشَدُّ حُبًّا لِّلّهِ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلّهِ جَمِيعًا وَأَنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ﴾ [البقرة: ١٦٥] .
_________________
(١) من الناس: فريقٌ من الناس. من دون الله: أي غير الله. أندادًا: أي أمثالًا ونظراء. يحبونهم: المحبة إرادة ما تراه أو تظنه خيرًا والرغبة فيه. كحب الله: أي يسوونهم به في المحبة المقتضية للذل للمحبوب والخضوع له. ولو يرى: لو يعلم. إذ يرون العذاب: وقت ما يعايِنونه. أن القوة لله: لأن القدرة والغلبة له وحده. المعنى الإجمالي للآية: ذكر الله ﷾ حال المشركين به في الدنيا ومآلهم في الآخرة حيث جعلوا لله أمثالًا ونظراءَ ساوُوهم به المحبة، ثم ذكر حال المؤمنين الموحديث أنهم يحبون الله حبًا يفوق حب أصحاب الأنداد لأندادهم أو يفوق حب أصحاب الأنداد لله، لأن حب المؤمنين لله خالص، وحب أصحاب الأنداد لله مشترك، ثم توعّد هؤلاء المشركين به بأنهم لو علموا ما يعايِنون يوم القيامة وما يحل بهم من الأمر الفظيع والعذاب الشديد على شركهم وتفرُّد الله سبحانه بالقدرة والغلبة
[ ٦٦ ]
دون أندادهم لانتهوا عما هم فيه من الضلال، لكنهم لم يتصوروا ذلك ويؤمنوا به.
مناسبة الآية للباب: أنها من النصوص المبينة لتفسير التوحيد وشهادة أن لا إله إلا الله. حيث دلّت على أن من اتخذ نِدًا مع الله يحبه كمحبة الله فقد أشرك، فعُلم أن معنى التوحيد أن يُفرد الرب بهذه المحبة التي تستلزم إخلاص العبادة له وحده والذل والخضوع له وحده.
ما يستفاد من الآية:
١- أن من معنى التوحيد وشهادة أن لا إله إلا الله إفرادُ الله تعالى بالمحبة المقتضية للذل والخضوع.
٢- أن المشركين يحبون الله حبًا عظيمًا ولم يدخلهم ذلك في الإسلام، لأنهم أشركوا معه غيره فيها.
٣- أن الشرك ظلم.
٤- الوعيد للمشركين يوم القيامة.
* * *
[ ٦٧ ]
وفي الصحيح عن النبي - ﷺ- أنه قال: "من قال لا إله إلا الله وكَفَر بما يُعبد من دون الله حرُم ماله ودمه وحسابُه على الله ﷿" (١) وشرحُ هذه الترجمة ما بعدَها من الأبواب.
ــ
في الصحيح: أي صحيح مسلم.
حرم ماله ودمه: أي مُنع أخذ ماله وقتله بناء على ما ظهر منه.
وحسابه على الله: أي الله تعالى هو الذي يتولى حسابَ من تلفَّظ بهذه الكلمة، فيجازيه على حسب نيته واعتقاده.
الترجمة: ترجمة الكتاب والباب فاتحتُه. والمراد بها هنا قولُه: باب تفسير التوحيد وشهادة أن لا إله إلا الله.
المعنى الإجمالي للحديث: يبين -ﷺ- في هذا الحديث أنه لا يحرُم قتلُ الإنسان وأخذُ ماله إلا بمجموع أمرين:
الأول: قول لا إله إلا الله.
الثاني: الكفر بما يُعبد من دون الله. فإذا وُجد هذان الأمران وجب الكفُّ عنه ظاهرًا وتفويضُ باطنه إلى الله، فإن كان صادقًا في قلبه جازاه بجنات النعيم، وإن كان منافقًا عذّبه العذاب الأليم، وأما في الدنيا فالحكم على الظاهر.
مناسبة الحديث للباب: أنه من أعظم ما يبين معنى لا إله إلا الله:
_________________
(١) أخرجه مسلم برقم (٢٣)، وأحمد في المسند (٣/٤٧٢) .
[ ٦٨ ]
وأنه الكفر بما يُعبد من دون الله.
ما يستفاد من الحديث:
١- أن معنى: لا إله إلا الله هو الكفر بما يعبد من دون الله من الأصنام والقبور وغيرها.
٢- أن مجرد التلفظ بلا إله إلا الله مع عدم الكفر بما يُعبد من دون الله لا يحرِّم الدم والمال ولو عرَف معناها وعمل به. ما لم يضف إلى ذلك الكفر بما يعبد من دون الله.
٣- أن من أتى بالتوحيد والتزم شرائعه ظاهرًا وجب الكف عنه حتى يتبين منه ما يخالف ذلك.
٤- وجوب الكف عن الكافر إذا دخل شرائعه ظاهرا وجب الكف عنه حتى يتبين منه ما يخالف ذلك.
٥- أن الإنسان قد يقول: لا إله إلا الله ولا يكفر بما يُعبد من دونه.
٦- أن الحكم في الدنيا على الظاهر، وأما في الآخرة فعلى النيات والمقاصد.
٧- حرمة مال المسلم ودمه إلا بحق.
ومعنى قول المصنف: "وشرح هذه الترجمة ما بعدها من الأبواب": أن ما يأتي بعد هذا الباب من الأبواب في ما يبين التوحيد ويوضح معنى "لا إله إلا الله" وبيان أشياء كثيرة من الشرك الأصغر والأكبر وما يوصل إلى ذلك من الغلو والبدع مما يجب تركه من مضمون لا إله إلا الله.
* * *
[ ٦٩ ]