_________________
(١) تمام الآيات: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ إِلَى مَا أَنزَلَ اللهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنكَ صُدُودًا، فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جَآؤُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلاَّ إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا﴾ [النساء: ٦٠- ٦٢] . مناسبة هذا الباب لكتاب التوحيد: نبه المؤلف -﵀- بهذا الباب على ما تضمَّنه التوحيد واستلزمه من تحكيم الرسول -ﷺ- في موارد النزاع؛ إذ هذا من مقتضى الشهادتين، فمن تلفظ بالشهادتين ثم عدل إلى تحكيم غير الرسول فقد كذب في شهادته. ألم تر: استفهام تعجّب واستنكار. يزعمون أنهم آمنوا إلخ: أي: يدّعون الإيمان بذلك وهم كاذبون. أن يتحاكموا: أي: يتخاصموا. إلى الطاغوت: هو كثير الطغيان، والمراد به هنا كعب الأشراف اليهودي، وهو يشمل كل من حكم بغير ما أنزل الله.
[ ٣٠١ ]
أن يكفروا به: أي يرفضوا طاعة الطاغوت.
ويريد الشيطان: بأمره لهؤلاء وتزيينه لهم التحاكم إلى الطاغوت.
أن يضلهم: أن يصدهم عن سبيل الحق والهدى.
ضلالًا بعيدًا: فيجور بهم جورًا بعيدًا.
إلى ما أنزل الله: أي: في القرآن من الحكم بين الناس.
وإلى الرسول: ليحكم بينهم فيما تنازعوا فيه.
رأيت المنافقين: أي: الذين يدّعون الإيمان وهم كاذبون.
يصدون: يُعرضون، في موضع نصبٍ على الحال.
عنك: إلى غيرك.
صدودًا: مصدر "صدّ" أو اسم مصدر.
فكيف: أي: ماذا يكون حالهم؟ وماذا يصنعون؟
إذا أصابتهم مصيبة: إذا نزلت بهم عقوبة من قتل ونحوه.
بما قدمت أيديهم: أي: بسبب التحاكم إلى غيرك وعدم الرضا بحكمك، هل يقدرون على الفرار منها؟
ثم جاءوك: للاعتذار حين يُصابون، معطوفٌ على إصابتهم، أو على يصدون.
إن أردنا: أي: ما أردنا بالمحاكمة إلى غيرك.
إلا إحسانًا: أي: الإصلاح بين الناس.
وتوفيقًا: تأليفًا بين الخصمين ولم نُرد مخالفتك.
المعنى الإجمالي للآيات: أن الله –﷾- أنكر على من يدّعي الإيمان بما أنزل الله على رسوله وعلى الأنبياء قبله، وهو مع ذلك يريد أن يتحاكم في فصل الخصومات إلى غير كتاب الله وسنة رسوله،
[ ٣٠٢ ]
ويحاكم إلى الطاغوت الذي أمر الله عباده المؤمنين أن يكفروا به؛ ولكن الشيطان يريد أن يضلّ هؤلاء المتحاكمين إلى الطاغوت عن سبيل الهدى والحق ويبعدهم عنه؛ وإذا دُعي هؤلاء إلى التحاكم إلى كتاب الله وسنة رسوله أعرضوا إعراض استكبار وتمتع –فماذا يكون حالهم وصنيعهم إذا نزلت بهم المصائب واحتاجوا إلى الرسول في ذلك؟! ليدعو الله لهم ويحل مشاكلهم –فجاؤوه يعتذرون عما صدر منهم بأنهم لم يريدوا مخالفتهم في عدولهم إلى غيره، وإنما أراد الإصلاح والتأليف بين الناس. فيُبدون هذه الأعذار الباطلة ليُبرّروا فعلهم حينما يفتضحون.
ما يستفاد من الآيات:
١- وجوب التحاكم إلى كتاب الله وسنة رسوله والرضا بذلك والتسليم له.
٢- أن من تحاكم إلى غير الشريعة الإسلامية فليس بمؤمن، وليس بمصلح وإن ادعى أنه يقصد الإصلاح.
٣- أن من حكم بغير ما أنزل الله فهو طاغوت، ومن تحاكم إلى غير ما أنزل الله فهو متحاكم إلى الطاغوت، وإن سماه بأي اسم.
٤- وجوب الكفر بالطاغوت.
٥- التحذير من كيد الشيطان وصدّه الإنسان عن الحق.
٦- أن من دعي إلى التحاكم إلى ما أنزل الله وجب عليه الإجابة والقبول، فإن أعرض فهو منافق.
٧- أن دعوى قصد الإصلاح ليست بعذر في الحكم بغير ما أنزل الله.
* * *
[ ٣٠٣ ]
وقوله: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لاَ تُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ قَالُواْ إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ﴾ [البقرة: ١١] .
_________________
(١) وإذا قيل لهم: أي: للمنافقين. لا تفسدوا في الأرض: أي: بالكفر وغيره من أنواع المعاصي. إنما نحن مصلحون: وليس ما نحن فيه بفساد. المعنى الإجمالي للآية: أن الله ﷾ يذكر من صفات المنافقين أنهم إذا نُهوا عن ارتكاب المعاصي التي تسبب الفساد في الأرض بحلول العقوبات، وأُمروا بالطاعة التي فيها صلاح الأرض أجابوا: بأن شأننا الإصلاح؛ لأنهم تصوروا الفساد بصورة الصلاح لما في قلوبهم من المرض. مناسبة الآية للباب: أن من دعا إلى التحاكم إلى ما أنزل الله أو دعا إلى المعاصي فقد أتى بأعظم الفساد في الأرض. ما يستفاد منها:
(٢) التحذير من تحكيم النظُم والقوانين المخالفة للشريعة، وإن ادّعى أصحابها أن قصدهم الإصلاح.
(٣) أن دعوى الإصلاح ليست بعذر في ترك ما أنزل الله.
(٤) التحذير من الإعجاب بالرأي.
(٥) أن مريض القلب يتصور الحق باطلًا والباطل حقًا.
(٦) أن النية الحسنة لا تُسوغ مخالفة الشرع. * * *
[ ٣٠٤ ]
وقوله: ﴿وَلاَ تُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاَحِهَا﴾ [الأعراف: ٥٦] .
_________________
(١) لا: ناهية. تفسدوا في الأرض: بالشرك والمعاصي. بعد إصلاحها: ببعث الأنبياء وشرع الأحكام وعمل الطاعات. المعنى الإجمالي للآية: ينهى الله سبحانه عباده عن الإفساد في الأرض –بالمعاصي والدعاء إلى طاعة المخلوقين في معصية الخالق- بعد إصلاحه سبحانه إياها ببعث الرسل وبيان الشريعة والدعاء إلى طاعة الله؛ فإن عبادة غير الله والدعوة إلى غيره والشرك به والظلم والمعاصي هي أعظم فسادٍ في الأرض. مناسبة الآية للباب: أن من يدعو إلى التحاكم إلى غير ما أنزل الله فقد أتى بأعظم الفساد في الأرض. ما يستفاد من الآية:
(٢) أن المعاصي إفسادٌ في الأرض.
(٣) أن الطاعة إصلاحٌ للأرض.
(٤) أن تحكيم غير ما أنزل الله إفسادٌ في الأرض.
(٥) أن صلاح البشر وإصلاحهم لا يكون إلا بتحكيم ما أنزل الله. * * *
[ ٣٠٥ ]
وقوله: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ ﴾ الآية.
_________________
(١) تمام الآية: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللهِ حُكْمًا لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [المائدة: ٥٠] . أفحكم: استفهام إنكاري. الجاهلية: ما كان قبل الإسلام وكل ما خالف الإسلام فهو من الجاهلية. يبغون: يطلبون. ومن: أي: لا أحد. أحسن من الله حكمًا: هذا من استعمال أفعل التفضيل فيهما ليس له في الطرف الآخر مشارك. لقوم يوقنون: أي: عند قومٍ يوقنون فإنهم هم الذين يتدبرون الأمور فيعلمون أن لا أحسن حكمًا من حكم الله. المعنى الإجمالي للآية: ينكر تعالى على من خرج عن حكم الله تعالى –المشتمل على كل خير وعدل، والناهي عن كل شر- إلى ما سِواه من: الآراء والأهواء الاصطلاحات التي وضعها الرجال بلا مستند من شريعة الله، كما كان أهل الجاهلية يحكمون به من الضلالات والجَهالات والأعراف القبَلية. مناسبة الآية للباب: أن من ابتغى غير حكم الله –من الأنظمة والقوانين الوضعية- فقد ابتغى حكم الجاهلية. ما يستفاد من الآية:
(٢) وجوب تحكيم شريعة الله.
[ ٣٠٦ ]
٢- أن ما خالف شرع الله فهو من حكم الجاهلية.
٣- بيان مزية أحكام الشريعة وأنها هي الخير والعدل والرحمة.
٤- أن تحكيم القوانين الوضعية والنظم الغربية كفرٌ.
* * *
[ ٣٠٧ ]
عن عبد الله بن عمرو ﵄: أن رسول الله - ﷺ- قال: "لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعًا لما جئت به" قال النووي: حديث صحيح رويناه في كتاب الحجة بإسناد صحيح (١) .
ــ
التراجم: النووي هو: محيي الدين أبو زكريا يحيى بن شرف النووي –نسبة إلى نوى قرية بالشام- وهو إمام مشهور صاحب تصانيف، توفي سنة ٦٧٦ هـ ﵀.
الحجة: أي: كتاب الحجة على تارك المحجة للشيخ أبي الفتح نصر بن إبراهيم المقدسي الشافعي.
وهذا الحديث في إسناده مقالٌ- لكن معناه صحيح قطعًا وإن لم يصح إسناده وله شواهد من القرآن كقوله: ﴿فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا﴾ [النساء: ٦٥] .
لا يؤمن أحدكم: أي: لا يحصل له الإيمان الواجب ولا يكون من أهله.
هواه: أي: ما يهواه وتحبه نفسه وتميل إليه.
تبعًا لما جئت به: فيحب ما أمر به الرسول –ﷺ- ويكره ما نهى عنه.
المعنى الإجمالي للحديث: أن الإنسان لا يكون مؤمنًا الإيمان
_________________
(١) انظر الأربعين النووية "ص٤٨".
[ ٣٠٨ ]
الكامل الواجب حتى تكون محبته تابعة لما جاء به الرسول –ﷺ- من: الأوامر والنواهي وغيرها، فيحب ما أمر به ويكره ما نهى عنه.
مناسبة الحديث للباب: نفيُ الإيمان عمن لم يطمئن إلى شرع الله ويحبه، ويكره ما خالفه من القوانين والنظم الوضعية.
ما يستفاد من الحديث:
١- وجوب محبة كل ما جاء به الرسول –ﷺ- ولا سيما من التشريع والعمل به.
٢- وجوب بغض كل ما خالف شريعة الرسول –ﷺ- والابتعاد عنه.
٣- انتفاء الإيمان عمن يميل بقلبه إلى مخالفة ما جاء به الرسول –ﷺ- ولو عمل به ظاهرًا.
* * *
[ ٣٠٩ ]
وقال الشعبي: "كان بين رجل من المنافقين ورجل من اليهود خصومة، فقال اليهودي: نتحاكم إلى محمد، عرف أنه لا يأخذ الرشوة، وقال المنافق: نتحاكم إلى اليهود: لعلمه أنهم يأخذون الرشوة، فاتفقا أن يأتيا كاهنًا في جهينة فيتحاكما إليه فنزلت: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ﴾ الآية".
_________________
(١) التراجم: الشعبي هو: عامر بن شراحيل الشعبي، وقيل: عامر بن عبد الله بن شراحيل الشعبي الحميري أبو عمرو الكوفي ثقة حافظ فقيه من التابعين. قيل مات سنة ١٠٣هـ ﵀، وقيل غير ذلك. من المنافقين: جمع منافق وهو الذي يظهر الإسلام ويبطن الكفر. اليهود: جمع يهودي –مِن هاد إذا رجع- وقيل اليهودي نسبة إلى يهودا بن يعقوب ﵇. خصومة: أي جدال ونزاع. الرشوة: ما يُعطى لمن يتولى شيئًا من أمور الناس ليحيف مع المعطي ومن ذلك: ما يعطيه أحد الخصمين للقاضي أو غيره ليحكم له، مأخوذة من الرشاء الذي يتوصل به إلى الماء. جهينة: قبيلة عربية مشهورة. فنزلت: هذا بيان لسبب نزول الآية الكريمة. المعنى الإجمالي للأثر: يروي الشعبي –﵀- أن هذه الآية الكريمة: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ﴾ الآية. نزلت بسبب ما حصل من رجلٍ يدّعي الإيمان ويريد أن يتحاكم إلى غير الرسول –ﷺ-، تهربًا من
[ ٣١٠ ]
الحكم العادل؛ مما حمله على التحاكم إلى الطاغوت من غير مبالاة بما يترتب على ذلك من مناقضة للإيمان؛ مما يدل على كذبه في ادعائه الإيمان؛ فمن عمل مثل عمله فهو مثله في هذا الحكم.
مناسبة الأثر للباب: أن التحاكم إلى غير شرع الله يناقض الإيمان بالله وكتبه.
ما يستفاد من الأثر:
١- وجوب التحاكم إلى شريعة الله.
٢- أن التحاكم إلى غير شريعة الله ينافي الإيمان.
٣- فيه كشفٌ لحقيقة المنافقين، وأنهم شرٌّ من اليهود.
٤- تحريم أخذ الرشوة؛ وأن أخذ الرشوة من أخلاق اليهود، وقد لعن النبي –ﷺ- معطيها وآخذها.
* * *
[ ٣١١ ]
وقيل: "نزلت في رجلين اختصما، فقال أحدهما: نترافع إلى النبي - ﷺ-، وقال الآخر: إلى كعب الأشرف، ثم ترافعا إلى عمر، فذكر له أحدهما القصة، فقال للذي لم يرض برسول الله - ﷺ-: أكذلك؟ قال: نعم. فضربه بالسيف فقتله".
_________________
(١) التراجم: كعب بن الأشرف: يهوديّ عربيّ من طيء وأمه من بني النضير، كان شديد العداوة للنبي –ﷺ-. وقيل نزلت: يعني: الآية المذكورة سابقا. المعنى الإجمالي للأثر: هذا الأثر فيه بيان قول آخر –غير ما سبق- في سبب نزول الآية الكريمة: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ﴾ الآية. وأن القصة لما بلغت عمر بن الخطاب –﵁- واستثبتها قتل الذي لم يرض بحكم رسول الله –ﷺ-. مناسبة ذكره في الباب: أن فيه دليلًا على كفر من احتكم إلى غير شرع الله واستحقاقه للقتل؛ لأنه مرتدٌّ عن دين الإسلام. ما يستفاد من الأثر:
(٢) أن تحكيم غير الله تعالى، ورسوله –ﷺ- في فضّ المنازعات ردةٌ عن الإسلام.
(٣) أن المرتد عن دين الإسلام يقتل.
(٤) أن الدعاء إلى تحكيم غير شرع الله من صفات المنافقين ولو كان المدعو إلى تحكيمه إمامًا فاضلًا كعمر بن الخطاب ﵁.
[ ٣١٢ ]
٤- مشروعية الغضب لله ولرسوله ولدينه.
٥- مشروعية تغيير المنكر باليد لمن يقدر على ذلك.
٦- أن معرفة الحق لا تغني عن العمل به والانقياد له.
* * *
[ ٣١٣ ]