_________________
(١) تمام الآية: ﴿وَلَكِنَّ اللهَ يَهْدِي مَن يَشَاء وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ [القصص: ٥٦] . مناسبة الباب لكتاب التوحيد: أن فيه الرد على عُبّاد القبور الذين يعتقدون في الأنبياء والصالحين النفع والضر. وذلك أنه إذا كان النبي -ﷺ- قد حرص على هداية عمّه في حياته فلم يتيسر له، ودعا له بعد موته فنُهي عن ذلك، وذكر سبحانه أن الرسول لا يقدر على هداية من أحبّ، فهذا يدل على أنه -ﷺ- لا يملك ضرًا ولا نفعًا، فبطل التعلق به لجلب النفع ودفع الضر، وغيره من باب أولى. إنك: الخطاب للنبي ﷺ. لا تهدي: هداية توفيقٍ للدخول في الإسلام. وأما هداية الدعوة والبيان فإن الرسول يملكها ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ . من أحببت: هدايته. ولكن الله يهدي من يشاء: يوفِّق للدخول في الإسلام. وهو أعلم بالمهتدين: أي: أعلم بمن يستحق الهداية ممن يستحق الغواية. المعنى الإجمالي للآية: يقول تعالى لرسوله -ﷺ-: إنك لا تقدر على توفيق من تحب دخوله في الإسلام، ولكن ذلك إنما يكون بيد
[ ١٥٣ ]
الله، فهو الذي يوفق من شاء له، وهو أعلم بمن يستحقه ممن لا يستحقه.
مناسبة الآية للباب: أن فيها دلالة واضحة على أن الرسول –ﷺ- لا يملك ضرًا ولا نفعًا ولا عطاء ولا منعًا، وأن الأمر كله بيد الله، ففيها الرد على الذين ينادونه لتفريج الكربات وقضاء الحاجات.
ما يستفاد من الآية:
١- الرد على الذين يعتقدون أن الأولياء ينفعون أو يضرون ويتصرفون بعد الموت على سبيل الكرامة.
٢- أن هداية التوفيق بيد الله سبحانه.
٣- إثبات العلم لله سبحانه.
٤- إثبات الحكمة لله سبحانه.
٥- إبطال التعلق بغير الله.
* * *
[ ١٥٤ ]
في الصحيح عن ابن المسيب عن أبيه قال: لما حضرت أبا طالب الوفاة جاءه رسول الله - ﷺ- وعنده عبد الله بن أبي أمية وأبو جهل. فقال له: "يا عم قل لا إله إلا الله كلمة أحاج لك بها عند الله" فقالا له: أترغب عن ملة عبد المطلب؟ فأعاد عليه النبي - ﷺ-، فأعادا. فكان آخر ما قال: هو على ملة عبد المطلب. وأبى أن يقول لا إله إلا الله. فقال النبي - ﷺ-: "لأستغفرن لك ما لم أُنه عنك" فأنزل الله ﷿: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُواْ أَن يَسْتَغْفِرُواْ لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُواْ أُوْلِي قُرْبَى﴾ [التوبة: ١١٣] .
وأنزل الله في أبي طالب: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللهَ يَهْدِي مَن يَشَاء وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ (١) [القصص: ٥٦] .
ــ
أ - ترجمة ابن المسيب: هو سعيد بن المسيب أحد العلماء والفقهاء الكبار من التابعين مات بعد التسعين.
في الصحيح: أي: صحيح البخاري.
عن أبيه: المسيب صحابيّ توفي في خلافة عثمان.
لما حضرت أبا طالب الوفاة: أي: علاماتها ومقدماتها.
يا عم: "عمِّ" منادى مضاف حذفت منه الياء وبقيت الكسرة دليلًا عليها.
_________________
(١) أخرجه البخاري برقم "١٣٦٠" ومسلم برقم "٢٤" وأحمد في المسند "٥/١٦٨، ٤٤٣".
[ ١٥٥ ]
كلمة: بالنصب على البدل من "لا إله إلا الله".
أحاج: بتشديد الجيم مفتوحة على الجزم بجواب الأمر –من المحاجة وهي بيان الحجة- أي أشهد لك بها عند الله.
أترغب؟ أتترك؟
ملة عبد المطلب: هي الشرك وعبادة الأصنام، ذكّره بحجة المشركين: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءنَا عَلَى أُمَّةٍ﴾ [الزخرف: ٢٢] .
فأعاد عليه النبي: أي: أعاد عليه مقالته وهي قولُه: يا عم قل لا إله إلا الله.
وأعادا عليه: أي: أعاد عليه أبو جهل وعبد الله مقالتهما وهي: "أترغب عن ملة عبد المطلب"؟
هو على ملة عبد المطلب: استبدل الراوي بضمير المتكلم ضمير الغائب استقباحًا للفظ المذكور.
وأبى أن يقول: لا إله إلا الله: هذا تأكيدٌ لما قبله.
ما كان للنبي: أي: ما ينبغي، وهو خبرٌ بمعنى النهي.
المعنى الإجمالي للحديث: كان أبو طالب يحمي النبي –ﷺ- من أذى قومه، وفعل من حمايته ما لم يفعله غيرُه من الناس، فكان –ﷺ- حريصًا على هدايته، ومن ذلك أنه عاده لما مرض فجاءه وهو في سياق الموت وعرض عليه الإسلام؛ ليكون خاتمة حياته ليحصل له بذلك الفوز والسعادة، وطلب منه أن يقول كلمة التوحيد. وعرض عليه المشركون أن يبقى على دين آبائه الذي هو الشرك؛ لعلمهم بما تدل عليه هذه الكلمة من نفي الشرك وإخلاص العبادة لله وحده. وأعاد النبي –ﷺ- طلب التلفظ بالشهادة من عمه. وأعاد المشركون المعارضة وصاروا
[ ١٥٦ ]
سببًا لصده عن الحق وموته على الشرك.
وعند ذلك حلف النبي -ﷺ- ليطلُبن له من الله المغفرة ما لم يمنع من ذلك. فأنزل الله المنع من ذلك وبيّن له أن الهداية بيد الله يتفضل بها على من يشاء؛ لأنه يعلم من يصلح لها ممن لا يصلح.
مناسبة الحديث للباب: أن الرسول -ﷺ- لا يملك نفعًا لمن هو أقرب الناس إليه، مما يدل على بطلان التعلق عليه -ﷺ- لجلب النفع أو دفع الضر، وغيره من باب أولى.
ما يستفاد من الحديث:
١- جواز عيادة المريض المشرك إذا رُجي إسلامه.
٢- مضرة أصحاب السوء وقرناء الشر على الإنسان.
٣- أن معنى لا إله إلا الله ترك عبادة الأصنام والأولياء والصالحين وإفراد الله بالعبادة. وأن المشركين يعرفون معناها.
٤- أن من قال لا إله إلا الله عن علمٍ ويقين واعتقادٍ دخل في الإسلام.
٥- أن الأعمال بالخواتيم.
٦- تحريم الاستغفار للمشركين وتحريم موالاتهم، ومحبتهم.
٧- بطلان التعلق على النبي -ﷺ- وغيره لجلب النفع أو دفع الضرر.
٨- الرد على من زعم إسلام أبي طالب.
٩- مضرة تقليد الآباء والأكابر بحيث يُجعل قولهم حجة يرجع إليها عند التنازع.
* * *
[ ١٥٧ ]