_________________
(١) مناسبة الباب لكتاب التوحيد: أن فيه بيان حال الملائكة الذين هم أقوى وأعظم من عُبد من دون الله فإذا كان حالهم مع الله ما ذُكر من هيبتهم منه وخشيتهم له فكيف يُدعون مع الله فغيرهم من باب أولى. ففي ذلك ردٌّ على جميع المشركين الذين يدعون مع الله من لا يُداني الملائكة. فُزِّع عن قلوبهم: أُزيل الفزع عن قلوب الملائكة من الغشية التي تصيبهم عند سماع كلام الله بالوحي إلى جبريل. قالوا: أي قال بعضهم لبعضٍ استبشارًا: ﴿مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ﴾ [سبأ: ٢٣] . قالوا الحق: أي: قال الله الحق. وهو العلي: الذي له علوُّ القدر وعلوُّ القهر وعلوُّ الذات. الكبير: أي الذي لا أكبر ولا أعظم منه ﵎. المعنى الإجمالي للآية: يخبر الله سبحانه عن الملائكة أنها إذا سمعت الوحي من الله إلى جبريل فزِعت عند ذلك تعظيمًا وهيبةً وأرعدت حتى يصيبها مثل الغشيِّ، فإذا أُزيل الفزع من قلوبهم أخذوا يتساءلون فيقولون: ﴿مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ﴾؟ فيقولون: قال الحق وهو العالي
[ ١٣٤ ]
فوق كل شيء، الذي لا أكبر منه ولا أعظم.
ما يستفاد من الآية:
١- الرد على جميع فرق المشركين الذين يعبدون مع الله من لا يُداني الملائكة ولا يساويهم في صفة من صفاتهم.
٢- إثبات الكلام لله ﷾ على ما يليق بجلاله.
٣- أن كلام الله ﷾ غير مخلوق، لأنهم يقولون: ﴿مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ﴾؟ لم يقولوا: ماذا خلق ربكم؟
٤- إثبات العلوّ لله سبحانه فوق مخلوقاته.
٥- إثبات عظمة الله.
* * *
[ ١٣٥ ]
في الصحيح عن أبي هريرة -﵁- عن النبي - ﷺ- قال: "إذا قضى الله الأمر في السماء ضربت الملائكة بأجنحتها خَضَعانًا لقوله كأنه سلسلة على صفوان ينفُذُهم ذلك. حتى إذا فُزِّع عن قلوبهم قالوا: ماذا قال ربكم؟ قالوا: الحق وهو العلي الكبير فيسمعها مسترق السمع" ومسترق السمع هكذا بعضه فوق بعض. وصفه سفيان بكفِّه فحرَّفَها وبدَّد بين أصابعه: "فيسمع الكلمة فيلقيها إلى من تحته، ثم يلقيها الآخر إلى من تحته حتى يلقيها على لسان الساحر أو الكاهن فربما أدركه الشهاب قبل أن يلقيها، وربما ألقاها قبل أن يدركه فيكذب معها مائة كذبة. فيقال: أليس قد قال لنا يوم كذا وكذا: كذا وكذا. فيصدَّق بتلك الكلمة التي سُمعت من السماء" (١) .
ــ
سفيان: هو ابن عُيَينة بن ميمون الهلاليّ ثقةٌ حافظٌ حجةٌ من كبار الأئمة، مات سنة ١٩٨هـ.
في الصحيح: أي في صحيح البخاري.
إذا قضى الله الأمر: أي إذا تكلم به.
خَضَعانًا: بفتحتين من الخضوع. وروي بضم أوله وسكون ثانيه أي خاضعين.
_________________
(١) أخرجه البخاري برقم "٤٧٠١".
[ ١٣٦ ]
لقوله: أي لقول الله تعالى.
كأنه: أي الصوت المسموع.
صفوان: هو الحجر الأملس.
ينفذهم ذلك: أي يخلص هذا القول ويمضي في الملائكة.
فيسمعها: أي الكلمة التي قضاها الله.
مسترق السمع: المختطف لكلام الملائكة من الشياطين.
وصفه: أي وصف ركوب الشياطين بعضهم فوق بعض حتى يصلوا إلى حيث يسمعون تحدّث الملائكة بالأمر يقضيه الله.
فحرّفها: أمالها.
وبدد بين أصابعه: أي فرّق بينها.
الساحر: الذي يتعاطى السحر: وهو عبارة عما خفي ولطُف سببه من عمل العُقَد والرّقى وغيرها.
والكاهن: هو الذي يخبر عن الكائنات في مستقبل الزمان ويدّعي معرفة الأسرار.
أدركه الشهاب: أي أدرك المسترق الشهاب: وهو الذي يُرمى به قبل إلقائها فيحرقه.
فيكذب: أي الساحر أو الكاهن.
معها: أي الكلمة التي ألقاها.
المعنى الإجمالي للحديث: يخبر النبي –ﷺ- عن تعظيم الملائكة لكلام الله وما يعتريهم من الخوف وتساؤلهم عما قال ربهم وإجابة بعضهم لبعض. وما تعلمه الشياطين الذين يختطفون كلامَ
[ ١٣٧ ]
الملائكة في ذلك لتُلقيه إلى السحرة والكهان من الناس وما تلاقيه الشياطين من الرمي بالشهب حينئذ، وأنه قد يتمكن الشيطان من إيصال الكلمة المسموعة من الملائكة إلى الساحر أو الكاهن –لحكمة يعلمها الله وإلا فهو سبحانه لا يفوته شيء- فيُزاد مع تلك الكلمة من قِبل الشيطان أو الآدمي تسعٌ وتسعون كذبة وتُذاع كلها في الناس فيصدِّقونها كلها بسبب تلك الكلمة المسموعة.
مناسبة الحديث للباب: أن فيه الرد على المشركين. فإنه إذا كان هذا حال الملائكة عند سماع كلام الله مع ما أعطاهم الله من القوة عُلم أنه لا يجوز صرف شيء من العبادة لهم فكيف بمن دونهم.
ما يستفاد من الحديث:
١- الرد على المشركين الذين يعبدون الملائكة والأنبياء والصالحين.
٢- تعظيم الله سبحانه وأنه المستحق للعبادة وحده لا شريك له.
٣- إثبات علو الله على خلقه وإثبات تكلمه بكلام يُسمع.
٤- إبطال السحر والكهانة وإن صدُق الكاهن والساحر في بعض الأحيان.
٥- أن العبرة بالغالب الكثير لا بالنادر القليل.
* * *
[ ١٣٨ ]
وعن النواس بن سمعان -﵁- قال: قال رسول الله - ﷺ-: "إذا أراد الله تعالى أن يوحي بالأمر تكلم بالوحي أخذت السماوات منه رجفة" أو قال: "رعدة شديدة خوفًا من الله ﷿، فإذا سمع ذلك أهل السماوات صعقوا أوخروا سجدًا فيكون أول من يرفع رأسه جبريل فيكلمه الله من وحيه بما أراد. ثم يمر جبريل على الملائكة كلما مر بسماء سأله ملائكتها ماذا قال ربنا يا جبريل؟ فيقول جبريل: قال الحقَّ وهو العلي الكبير. فيقولون كلهم مثل ما قال جبريل. فينتهي جبريل بالوحي إلى حيث أمره الله ﷿" (١) .
ــ
النواس: هو النواس بن سِمعان -بكسر السين- ابن خالد الكلابي صحابيٌّ جليلٌ ﵁.
الوحي: أي: كلام الله المنزل على نبي من أنبيائه.
أخذت السماوات: أي أصاب السماوات.
رجفة: بالرفع فاعلُ أخذتْ. أي ارتجفت واضطربت.
خوفًا من الله: لأنها تخاف من الله بما جُعل فيها من الإحساس والمعرفة بالله.
صعقوا: الصعق الغشي.
_________________
(١) أخرجه ابن خزيمة في التوحيد رقم "٢٠٦" وابن أبي عاصم في السنة رقم "٥١٥" والآجري في الشريعة.
[ ١٣٩ ]
خروا: خرّ: سقط من أعلى، والمراد هنا انحطوا بالسجود.
أول: بالفتح خبر يكون.
إلى حيث أمره الله: من السماء والأرض.
المعنى الإجمالي للحديث: يخبر نبي الله –ﷺ- عن عظمة ربه ﷿ بأنه سبحانه إذا تكلم بما شاء من وحيه، فإنه يصيب السماوات ارتجافٌ وحركة شديدة من خوف الله ﷿ لمعرفتها بعظمة الله، فإذا سمعت الملائكة كلام الله ﷿ غُشي عليهم وانحطوا بالسجود تعظيمًا لله وخوفًا منه، ثم يكون جبريل ﵇ أو من يرفع رأسه منهم لأنه السفير بين الله وبين رسله، فيكلمه الله بما شاء من أمره، ثم يمر جبريل على ملائكة السماوات فيسألونه عما قال الله؟ فيجيبهم بقوله: "قال الحق وهو العلي الكبير" فيقولون مثل ما قال، ثم يمضي جبريل بالوحي فيبلغه إلى من أمره الله بتبليغه إياه.
مناسبة الحديث للباب: أن فيه ما في النصوص قبله من بيان عظمة الله وخوف الملائكة والسماوات منه، ففيه الرد على من عبد غير الله.
ما يستفاد من الحديث:
١- الرد على المشركين الذين اتخذوا مع الله آلهة من مخلوقاته.
٢- بيان عظمة الله جل وعلا واستحقاقه للعبادة وحده.
٣- إثبات أن الله يتكلم متى شاء بما يشاء كيف يشاء.
٤- إثبات علو الله على خلقه.
٥- فضل جبريل ﵇.
[ ١٤٠ ]