_________________
(١) مناسبة هذا الباب لكتاب التوحيد: أراد المصنف -﵀- أن يختم كتابه بهذا الباب المشتمل على النصوص الدالة على عظمة الله، وخضوع المخلوقات له؛ مما يدل على أنه هو المستحق للعبادة وحده، وأن له صفات الكمال ونعوت الجلال. باب قول الله تعالى: أي: ما جاء في معنى هذه الآية الكريمة من الأحاديث والآثار. ما قدروا الله حق قدره: أي: ما عظّم المشركون الله حق تعظيمه؛ إذ عبدوا معه غيره. والأرض إلخ: جملةٌ حالية. جميعًا: أي: بجميع جهاتها وطبقاتها. سبحانه: تنزيهًا له. وتعالى عما يشركون: به من الأصنام والأنداد العاجزة الحقيرة. المعنى الإجمالي للآية: يخبر الله تعالى أن المشركين ما عظّموا الله حق تعظيمه؛ حيث عبدوا معه غيره، وهو العظيم الذي لا أعظم منه،
[ ٤٢٨ ]
القادر على كل شيء، المالك لكل شيء، وكل شيء تحت قهره وقدرته، والمخلوقات كلها بالنسبة إليه صغيرة حقيرة، ثم نزّه نفسه عن شرك المشركين وتنقص الجاهلين.
تنبيه:
١- مذهب السلف في قوله تعالى: ﴿ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ ﴾ هو إمراره كما جاء مع اعتقاد ما دل عليه من غير تحريف ولا تكييف. والأحاديث والآثار تفَسِّرها وتوَضِّحها.
٢- ما يستفاد من هذه الآية يأتي بعد ذكر ما يتعلق بها من الأحاديث الواردة في هذا الباب.
* * *
[ ٤٢٩ ]
عن ابن مسعود -﵁- قال: "جاء حَبْر من الأحبار إلى رسول الله - ﷺ- فقال: يا محمد، إنا نجد أن الله يجعل السماوات على أَصبُع، والأرضين على أصبع، والشجر على أصبع، والثرى على أصبع، وسائر الخلق على أَصبُع، فيقول: أنا الملك. فضحك النبي - ﷺ- حتى بدت نواجِذُه، تصديقًا لقول الحَبْر". ثم قرأ: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ الآية. وفي رواية لمسلم: "والجبال والشجر على أصبع ثم يهزهن فيقول: أنا الملك، أنا الله"، وفي رواية للبخاري: "يجعل السماوات على أصبع، والماء والثرى على أصبُع، وسائر الخلق على أصبُع" (١) أخرجاه.
ولمسلم عن ابن عمر مرفوعًا: "يطوي الله السماوات يوم القيامة، ثم يأخذهن بيده اليمنى، ثم يقول: أنا الملك، أين الجبارون؟ أين المتكبرون؟ ثم يطوي الأرَضين السبع، ثم يأخذُهن بشِماله، ثم يقول: أنا الملك، أين الجبارون؟ أين المتكبرون" (٢) ورُوي عن ابن عباس قال: "ما السماوات السبع والأرَضون السبع في كفِّ الرحمن إلا كخردلة في يد أحدكم".
ــ
حبر: بفتح الحاء وكسرِها أحد أحبار اليهود وهو العالم بتحبير
_________________
(١) أخرجه البخاري برقم "٤٨١١"، ومسلم برقم "٢٧٨٦".
(٢) أخرجه مسلم برقم "٢٧٨٨".
[ ٤٣٠ ]
الكلام وتحسينه سُمّي حبرًا؛ لما يبقى له من أثر علومه في قلوب الناس.
على أَصْبُع: واحد الأصابع يذكّر ويُؤنّث.
الثرى: التراب النديّ ولعل المراد به هنا الأرض.
الشجر: ما له ساقٌ صلبٌ كالنخل وغيره.
وسائر الخلق: أي: باقيهم.
نواجذه: جمع ناجِذ وهي: أقصى الأضراس، وقيل: الأنياب، وقيل: ما بين الأسنان والأضراس، وقيل: هي الضواحك.
يهزّهن: هز الشيء تحريكه أي: يحركهن.
الجبّارون: جمع جبّار وهو العاني المتسلِّط.
كخردلة: هي حبةٌ صغيرةٌ جدًا.
المعنى الإجمالي للحديث: ذكر عالمٌ من علماء اليهود للنبي –ﷺ- ما يجدونه في كتابهم التوراة من بيان عظمة الله، وصغر المخلوقات بالنسبة إليه –سبحانه- وأنه يضعها على أصابعه، فوافقه النبي –ﷺ- على ذلك، وسُرّ به وتلا ما يصدِّقه من القرآن الكريم التي أنزله الله عليه.
ما يستفاد من الآية والحديث برواياته:
١- بيان عظمة الله سبحانه وصغر المخلوقات بالنسبة إليه.
٢- أن من أشرك به سبحانه لم يُقدِّره حق قدره.
٣- إثبات اليدين والأصابع واليمين والشمال والكف لله سبحانه على ما يليق به.
٤- أن هذه العلوم الجليلة التي في التوراة باقيةٌ عند اليهود الذين في زمن الرسول –ﷺ- لم ينكِروها ولم يحرِّفوها.
٥- تفرّد الله سبحانه بالملك وزوال كل ملكٍ لغيره.
[ ٤٣١ ]
وقال ابن جرير: حدثني يونس، أنبأنا ابنُ وهب، قال: قال ابنُ زيد: حدَّثَني أبي قال: قال رسول الله - ﷺ-: "ما السماوات السبع في الكُرْسيّ إلا كدراهم سبعة ألقيت في تُرْس" قال: وقال أبو ذر: سمعت رسول الله - ﷺ- يقول: "ما الكرسي في العرش إلا كحلقة من حديد أُلقيت بين ظَهْرَيْ فلاة من الأرض".
_________________
(١) تُرْس: بضم التاء: القاع المستدير المتسع، والترس أيضًا صفحة فولاذ تُحمل لاتِّقاء السيف والمراد هنا المعنى الأول. فلاة: هي الصحراء الواسعة. المعنى الإجمالي للحديثين: يخبر –ﷺ- عن عظَمة الكرسي والعرش، وأن السماوات السبع على سِعتها، وكثافتها، وتباعد ما بينها بالنسبة لسعة الكرسي، كسبعة دراهم وُضعت في قاعٍ واسعٍ، فماذا تشغل منه؟! إنها لا تشغل منه إلا حيِّزًا يسيرًا. كما يخبر –ﷺ- في حديث أبي ذرّ أن الكرسي مع سعته وعظمته بالنسبة للعرش كحلقة حديد وُضعت في صحراء واسعة من الأرض؛ وهذا يدل على عظمة خالقها وقدرته التامة. مناسبة ذكر الحديثين في الباب: أنهما يدلان على عظمة الله وكمال قدرته وقوة سلطانه. ما يستفاد من الحديثين:
[ ٤٣٢ ]
١- أن الكرسي أكبر من السماوات، وأن العرش أكبر من الكرسي.
٢- عظمة الله وكمال قدرته.
٣- أن العرش غيرُ الكرسي.
٤- الرد على من فسّر الكرسي بالمُلك أو العلم.
* * *
[ ٤٣٣ ]
وعن ابن مسعود -﵁- قال: "بين السماء الدنيا والتي تليها خمسمائة عام، وبين كل سماء خمسمائة عام، وبين السماء السابعة والكرسي خمسمائة عام، وبين الكرسي والماء خمسمائة عام، والعرش فوق الماء، والله فوق العرش، لا يخفى عليه شيء من أعمالكم". أخرجه ابن مهدي عن حماد بن سلمة عن عاصم عن زرّ عن عبد الله.
ورواه بنحوه عن المسعوديّ عن عاصم عن أبي وائل عن عبد الله. قاله الحافظ الذهبي ﵀، قال: وله طرق.
وعن العباس بن عبد المطلب -﵁- قال: قال رسول الله - ﷺ-: "هل تدرون كم بين السماء والأرض؟ " قلنا: الله ورسوله أعلم. قال: "بينهما مسيرة خمسمائة سنة، وبين كل سماء إلى سماء مسيرة خمسمائة سنة، وكِثَفُ كل سماء مسيرة خمسمائة سنة، وبين السماء السابعة والعرش بحرٌ، بين أسفله وأعلاه كما بين السماء والأرض، والله فوق ذلك؛ لا يخفى عليه شيء من أعمال بني آدم" (١) . رواه أبو داود وغيره.
ــ
هل تدرون؟: أخرج الأخبار بصيغة الاستفهام؛ ليكون أبلغ في
_________________
(١) أخرجه أبو داود برقم "٤٧٢٣"، والترمذي برقم "٣٣١٧"، وابن ماجه برقم "١٩٣"، وأحمد في مسنده "١/٢٠٦، ٢٠٧".
[ ٤٣٤ ]
النفوس.
الله ورسوله أعلم: إسناد العلم إلى الرسول -ﷺ- إنما يكون في حياته، أما بعد وفاته فيقال: الله أعلم فقط.
كثف كل سماء: الكثف هو: السمك والغلظ.
المعنى الإجمالي للحديث: يخبر -ﷺ- عن المخلوقات العلوية، من حيث عظمتها وسعتها وتباعد ما بين أجرامها، فيخبر أن السماوات سبع طباقٍ بعضُها فوق بعض، وأن مسافة ارتفاعها عن الأرض مسيرة خمسمائة عام، وبين كل سماء والتي تليها مسافة خمسمائة عام، وسمك كل سماء مسيرة خمسمائة عام، وفوق السماء السابعة الكرسي، وفوق الكرسي البحر، بينه وبينه مسيرة خمسمائة عام، وعمق البحر كما بين السماء والأرض، وفوق البحر العرش، والله فوق العرش لا يخفى عليه شيءٌ من أعمال بني آدم.
مناسبة هذين الحديثين للباب: بيان عظمة الله سبحانه وقدرته الباهرة وعلوه على مخلوقاته وعلمه بأحوالهم.
ما يستفاد من الحديثين:
١- فيهما بيان عظمة الله وقدرته ووجوب إفراده بالعبادة.
٢- فيهما بيان صفة الأجرام العلوية وعظمتها واتِّساعها وتباعد أقطارها.
٣- فيها الرد الواضح على أهل النظريات الحديثة الذين لا يؤمنون بوجود السماوات والكرسيّ والعرش ويزعمون أن الكون العلوي فضاءٌ وكواكبٌ فقط.
٤- فيهما إثبات علو الله على خلقه بذاته المقدسة؛ خلاف ما تزعمه
[ ٤٣٥ ]
الجهمية والمعتزلة والأشاعرة الذين ينفون علو الله على خلقه.
٥- فيها إثبات علم الله المحيط بكل شيء مع علوه فوق مخلوقاته.
٦- فيها مشروعية بيان هذه الحقائق العظيمة للناس؛ ليعرفوا عظمة الله وقدرته والله أعلم. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه.
[ ٤٣٦ ]