_________________
(١) تمام الآية: ﴿يُخْفُونَ فِي أَنفُسِهِم مَّا لاَ يُبْدُونَ لَكَ يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ مَّا قُتِلْنَا هَاهُنَا قُل لَّوْ كُنتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ وَلِيَبْتَلِيَ اللهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحَّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَاللهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ [آل عمران: ١٥٤] . مناسبة هذا الباب لكتاب التوحيد: التنبيه على أن حسن الظن بالله من واجبات التوحيد، وأن سوء الظن بالله ينافي التوحيد. يظنون: أي: المنافقون، والظن في الأصل -خلاف اليقين. غير الحق: أي: غير الظن الحق. ظن الجاهلية: بدلٌ من "غير الحق" أي: الظن المنسوب إلى أهل الجهل حيث اعتقدوا أن الله لا ينصر رسوله والمراد بالجاهلية ما قبل الإسلام. يقولون: بدلٌ من "يظنون". هل لنا من الأمر شيء: استفهامٌ بمعنى النفي أي: ما لنا من النصر والظفر نصيبٌ قطّ. أو قد مُنعنا من تدبير أنفسنا فلم يبق لنا من الأمر شيءٌ. قل إن الأمر كله لله: أي: ليس لكم ولا لغيركم من الأمر شيء بل
[ ٣٨٤ ]
الأمر كله لله فهو الذي لا رادّ لما شاءه وأراده.
يخفون في أنفسهم: أي: من الإنكار والتكذيب.
ما لا يبدون لك: أي: غير الذي يُظهرون لك من الإيمان وطلب الاسترشاد.
وبقية المفردات تقدم شرحها في باب ما جاء في اللو.
المعنى الإجمالي للآية: يخبر تعالى عما حصل من المنافقين يوم أحد أنهم ظنوا بالله الظن الباطل، وأنه لا ينصر رسوله، وأن أمره سيضمحل، وأن الأمر لو كان إليهم وكان الرسول -ﷺ- وأصحابه تبعًا لهم يسمعون منهم؛ لما أصابهم القتل، ولكان النصر والظفر لهم؛ فأكذبهم الله ﷿ في هذا الظن، وبين أنه لا يكون ولا يحدث إلا ما سبق به قضاؤه وقدره وجرى به كتابه السابق وأنه لا راد لقضائه.
ما يستفاد من الآية:
١- أن من ظن أن الله يديل الباطل على الحق إدالة مستمرة يضمحل معها الحق اضمحلالًا لا يقوم بعده فقد ظن بالله غير الحق ظن الجاهلية.
٢- إثبات الحكمة فيما يُجريه الله من ظهور الباطل أحيانًا.
٣- بيان خبث طويّة المنافقين، وأنهم عند الشدائد يظهر ما عندهم من النفاق.
٤- إثبات القضاء والقدر.
٥- وجوب تنزيه الله عما لا يليق به سبحانه.
٦- وجوب حسن الظن بالله تعالى.
* * *
[ ٣٨٥ ]
وقوله: ﴿الظَّانِّينَ بِاللهِ ظَنَّ السَّوْءِ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ﴾ الآية.
_________________
(١) تمام الآية: ﴿وَغَضِبَ اللهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَسَاءتْ مَصِيرًا﴾ [الفتح: ٦] . الظانين: أي: المسيئين الظن بالله من المنافقين والمنافقات. ظن السوء: بفتح السين وضمها، أي: ظن الأمر السوء وهو: أن لا ينصر رسوله والمؤمنين. عليهم دائرة السوء: أي: دائرة العذاب والذل لازمة لهم لا تتخطاهم. وغضب الله عليهم ولعنهم: أي: سخط عليهم وأبعدهم من رحمته. وأعدّ لهم: أي: هيّأ لهم في الآخرة. جهنم: أي: النار الشديدة العذاب. وساءت مصيرًا: أي: منزلًا يصيرون إليه يوم القيامة. المعنى الإجمالي للآية: يقول تعالى: على الذين يتّهمون الله في حكمه، ويظنون أنه لا ينصر رسوله –ﷺ- وأصحابه وأتباعه، -على أعدائهم- دائرة العذاب وأبعدهم الله من رحمته، وهيأ لهم في الآخرة نارًا يصيرون إليها هي شر ما يُصار إليه. مناسبة الآية للباب: أن فيها أن من ظنّ أن الله لا ينصر حزبه على أعدائه فقد ظن به ظن السوء.
[ ٣٨٦ ]
ما يستفاد من الآية:
١- التحذير من سوء الظن بالله ووجوب حسن الظن به.
٢- أن من ظن أن الله لا ينصر رسوله ودينه فقد ظن به ظن السوء.
٣- وصف الله بأنه يغضب على أعدائه ويلعنهم.
٤- بيان عاقبة الكفار والمنافقين.
* * *
[ ٣٨٧ ]
قال ابن القيم –﵀- في الآية الأولى: "فُسِّر هذا الظن بأنه سبحانه لا ينصر رسوله، وأن أمره سيضمحِلّ، وأن ما أصابهم لم يكن بقدر الله وحكمته، ففُسِّر بإنكار الحكمة، وإنكار القدر، وإنكار أن يتم أمر رسوله وأن يظهره الله على الدين كله. وهذا هو ظن السوء الذي ظنه المنافقون والمشركون في سورة الفتح، وإنما كان هذا ظن السوء؛ لأنه ظن غير ما يليق به سبحانه وما يليق بحكمته وحمده ووعده الصادق.
فمن ظن أنه يُديل الباطل على الحق إدالة مستقرّة يضمحلّ معها الحق، أو أنكر أن يكون ما جرى بقضائه وقدره، أو أنكر أن يكون قدَّرَه بحكمة بالغة يستحق عليها الحمد، بل زعم أن ذلك لمشيئة مجردة، فـ ﴿ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ﴾ [سورة ص: ٢٧] . وأكثر الناس يظنون بالله ظن السوء فيما يختص بهم، وفيما يفعله بغيرهم، ولا يسلم من ذلك إلا من عرف الله وأسماءه وصفاته ومُوجب حكمته وحمده ووعده الصادق.
فليعتن اللبيب الناصح لنفسه بهذا، وليتب إلى الله ويستغفره من ظنه بربه ظن السوء.
ولو فتَّشت من فتشت لرأيت عنده تعنتًا على القدر وملامة له، وأنه كان ينبغي أن يكون كذا وكذا، فمستقلٌّ ومستكثر، وفتِّش نفسك هل أنت سالم؟
[ ٣٨٨ ]
فإن تنج منها تنج من ذي عظيمة
وإلا فإني لا إخالك ناجيًا
_________________
(١) قال ابن القيم: أي: في زاد المعاد في الكلام على ما تضمنته وقعةُ أحُد، ومناسبة ذكر كلامه هنا توضيح معنى الآية الكريمة. فُسر هذا الظن: أي المذكور في قوله تعالى: ﴿يَظُنُّونَ بِاللهِ غَيْرَ الْحَقِّ﴾ [آل عمران: ١٥٤] . سيضمحلّ: أي: يذهب ويتلاشى حتى لا يبقى له أثر. والاضمحلال: ذهاب الشيء. ففُسِّر: أي: فسر هذا الظن بثلاثة تفاسير. بإنكار الحكمة: أي: أن ما أجراه في وقعة أحد لم يكن لحكمة بالغة وهي التي أشار إليها بقوله تعالى: ﴿وَلِيَبْتَلِيَ اللهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحَّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَاللهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ [آل عمران: ١٥٤] . وإنكار القدر: أي: أنهم لو أطاعونا ولم يخرجوا ما قتلوا. وإنكار أن يتم أمر رسولِه: حيث ظنوا أن المشركين لما ظهروا تلك الساعة أنها الفاصلة وأن الإسلام قد باد أهلُه. في سورة الفتح: أي: الظن الذي ذكره الله عن المنافقين والمشركين في سورة الفتح في قوله تعالى: ﴿ الظَّانِّينَ بِاللهِ ظَنَّ السَّوْءِ ﴾ [الفتح: ٦] . يُديل الباطل: أي: يجعل له الدولة والغلبة. تعنتًا على القدر: أي: اعتراضًا وافتراضًا عليه. فمستقلّ ومستكثر: أي: من هذا الاعتراض على القدر.
[ ٣٨٩ ]
فإن تنج منها: أي: من هذه الخِصلة.
تنج من ذي عظيمة: أي: من أمرٍ ذي مصيبة عظيمة.
إخالك: بكسر الهمزة أي أظنك.
ناجيًا: من الاعتراض على القدر.
* * *
[ ٣٩٠ ]