عن قُتَيلَة: أن يهوديًا أتى النبي - ﷺ- فقال: إنكم تشركون تقولون ما شاء الله وشئت، وتقولون: والكعبة. فأمرهم النبي - ﷺ- إذا أرادوا أن يحلفوا أن يقولوا: ورب الكعبة، وأن يقولوا: ما شاء ثم شئت" (١) رواه النسائي وصححه.
ــ
مناسبة هذا الباب لكتاب التوحيد: أن هذا الباب داخلٌ في باب قول الله تعالى: ﴿ فَلاَ تَجْعَلُواْ لِلّهِ أَندَادًا ﴾ وقد سبق بيان مناسبته.
التراجم: قُتَيلة: بضمِّ القاف وفتح التاء مصغّرًا بنت صيفي الجهنيّة صحابية ﵂.
قول: ما شاء الله وشئت: أي: ما حكم التكلم بذلك هل يجوز أم لا؟ وإذا كان لا يجوز فهل هو شرك أو لا؟
تشركون: أي: الشرك الأصغر.
ما شاء الله وشئت: وهذا في تشريكٌ في مشيئة الله.
وتقولون: والكعبة: وهذا قسمٌ بغير الله.
_________________
(١) أخرجه النسائي "٧/٦" برقم "٣٧٧٣" وأحمد "٦/٣٧١- ٣٧٢"، والبيهقي "٣/٢١٦"، والحاكم "٤/٢٩٧"، وصححه ووافقه الذهبي.
[ ٣٣٣ ]
المعنى الإجمالي للحديث: ذكر هذا اليهودي للنبي –ﷺ- أن بعض المسلمين يقع في الشرك الأصغر حينما تصدر منه هذه الألفاظ التي ذكرَها، فأقره النبي –ﷺ- على اعتبارها من الشرك، وأرشد إلى استعمال اللفظ البعيد من الشرك بأن يحلفوا بالله، وأن يعطفوا مشيئة العبد على مشيئة الله بثُمَّ التي هي للترتيب والتراخي، لتكون مشيئة العبد تابعة لمشيئة الله.
مناسبة الحديث للباب: أن فيه بيان أن قول: "ما شاء الله وشئت" شركٌ.
ما يستفاد من الحديث:
١- أن قول ما شاء الله وشئت، والحلف بغير الله شرك، لأن الرسول –ﷺ- أقر اليهودي على اعتبارهما من الشرك.
٢- معرفة اليهود بالشرك الأصغر.
٣- فهم الإنسان إذا كان له هوى.
٤- قبول الحق ممن جاء به وإن كان عدوًا مخالفًا في الدين.
٥- أن الشرك الأصغر لا يخرج من الملة.
٦- الابتعاد عن الألفاظ المخلة بالعقيدة واستبدالها بالألفاظ البعيدة عن الشرك بالله.
٧- أن العالم إذا نهى عن شيءٍ فإنه يبين البديل الذي يُغني عنه إذا أمكن.
٨- أن النهي عن الشرك عامٌّ لا يصلح منه شيء حتى بالكعبة التي هي بيت الله في أرضه فكيف بغيرها؟!
٩- إثبات المشيئة لله، وإثبات المشيئة للعبد، وأنها تابعة لمشيئة الله.
[ ٣٣٤ ]
وله أيضًا عن ابن عباس: أن رجلًا قال للنبي - ﷺ-: ما شاء الله وشئت. قال: "أجعلتني لله ندًا؟ بل ما شاء الله وحده" (١) .
ــ
وله: أي: النسائي.
أجعلتني: استفهام إنكار.
ندًا: أي: شريكًا.
المعنى الإجمالي للحديث: أنكر –ﷺ- على من عطَف مشيئة الرسول على مشيئة الله بالواو؛ لما يقتضيه هذا العطف من التسوية بين الله وبين المخلوق، واعتبر هذا من اتخاذ الشريك لله، ثم أسند المشيئة إلى الله وحده.
مناسبة الحديث للباب: أن قول: "ما شاء الله وشئت" وما أشبه هذا اللفظ من اتخاذ الند لله المنهي عنه بقوله: ﴿فَلاَ تَجْعَلُواْ لِلّهِ أَندَادًا وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢٢] .
ما يستفاد من الحديث:
١- النهي عن قول: "ما شاء الله وشئت" وما أشبهه مما فيه عطفُ مشيئة العبد على مشيئة الله بالواو وما أشبه ذلك.
٢- أن من سوّى العبد بالله ولو في الشرك الأصغر فقد اتخذه ندًا لله.
٣- إنكار المنكر.
٤- أن رسول الله –ﷺ- قد حَمى حِمى التوحيد، وسدّ طرق الشرك.
_________________
(١) أخرجه النسائي في عمل اليوم والليلة برقم "٩٨٨" وأحمد في المسند "١/٢١٤، ٢٨٣، ٣٤٧".
[ ٣٣٥ ]
ولابن ماجه عن الطفيل أخي عائشة لأمها، قال: "رأيت كأني أتيت على نفر من اليهود، فقلت: إنكم لأنتم القوم، لولا أنكم تقولون: عُزَير ابن الله، قالوا: وإنكم لأنتم القوم لولا أنكم تقولون: ما شاء الله وشاء محمد، ثم مررت بنفر من النصارى، فقلت: إنكم لأنتم القوم، لولا أنكم تقولون: المسيح ابن الله، قالوا: وإنكم لأنتم القوم، لولا أنكم تقولون: ما شاء الله وشاء محمد، فلما أصبحت أخبرت بها من أخبرت، ثم أتيت النبي - ﷺ- فأخبرته فقال: "هل أخبرت بها أحدًا؟ " قلت: نعم. قال: فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: "أما بعد؛ فإن طفيلًا رأى رؤيًا أخبر بها من أخبر منكم، وإنكم قلتم كلمة كان يمنعني كذا وكذا أن أنهاكم عنها، فلا تقولوا: ما شاء الله وشاء محمد، ولكن قولوا: ما شاء الله وحده" (١) .
ــ
التراجم: الطفيل هو: الطفيل بن عبد الله بن الحارث بن سخْبرة الأزديّ صحابيٌّ ﵁، وليس له إلا هذا الحديث.
على نفر: النفر: رهط الإنسان وعشيرتُه اسم جمعٍ يقع على الرجال خاصّة.
لأنتم القوم: أي: نِعم القوم أنتم.
_________________
(١) أخرجه ابن ماجه برقم "٢١١٨" وأحمد "٥/٣٩٣".
[ ٣٣٦ ]
لولا أنكم تقولون عزيرٌ ابن الله: أي: لولا ما أنتم عليه من الشرك بنسبة الولد إلى الله؛ وهذا لأن عُزيرًا كان يحفظ التوراة عن ظهر قلب، فقالوا فيه هذه المقالة وقيل لأنه نبي.
تقولون ما شاء الله وشاء محمد: عارضوه بذكر شيءٍ مما في بضع المسلمين من الشرك الأصغر.
تقولون المسيح: أي: عيسى ابن مريم ﵇.
ابن الله: فتشركون بالله بنسبة الولد إليه. وإنما قالوا هذا في عيسى؛ لأنه من أمّ بلا أب.
حمِد الله وأثنى عليه: الحمد هو: الثناء على الجميل الاختياري من الإنعام وغيرِه، والثناء هو: تكرار المحامد.
كان يمنعني كذا وكذا: هو الحياء كما في الرواية الأخرى؛ لأنه حينذاك لم يؤمر بإنكارها.
المعنى الإجمالي للحديث: يخبر الطفيل –﵁- أنه رأى في منامه أنه مرّ على جماعة من أهل الملّتين، فأنكر عليهم ما هم عليه من الشرك بالله بنسبة الولد إليه –تعالى الله عن ذلك- فعارضوه بذكر ما عليه بعض المسلمين من الشرك الأصغر الوارد في بعض ألفاظهم، وعندما أصبح قصَّ هذه الرؤيا على النبي –ﷺ- فأعلنها الرسول –ﷺ- وأنكر على الناس التكلم بهذه الكلمة الشركية، وأمرهم أن يتلفّظوا باللفظ الخالص من الشرك.
مناسبة الحديث للباب: أنه أفاد أن التلفظ بما شاء الله وشاء محمد وما أشبهها من الألفاظ شركٌ أصغر كما سبق.
[ ٣٣٧ ]
ما يستفاد من الحديث:
١- الاعتناء بالرؤيا وأنها سببٌ لتشريع بعض الأحكام وقتَ حياة الرسول –ﷺ-.
٢- أن قول: "ما شاء الله وشاء فلان" وما أشبه ذلك شركٌ أصغر.
٣- معرفة اليهود والنصارى بالشرك الأصغر، مع ما هم عليه من الشرك الأكبر من أجل الطعن بالمسلمين.
٤- تقديمُ حمد الله والثناء عليه في الخطَب، وقول: أما بعد، فيها.
٥- استحباب قصر المشيئة على الله، وإن كان يجوز أن يقول: ما شاء الله ثم شاء فلان.
* * *
[ ٣٣٨ ]