وقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيبًا مِّنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ﴾ [النساء: ٥١] .
_________________
(١) مناسبة هذا الباب لكتاب التوحيد: أن المصنف لما ذكر التوحيد وما ينافيه أو يُنقِصه من الشرك، ذكر هذا الباب أن هذا الشرك لا بد أن يقع في هذه الأمة، قصد بذلك الردّ على عُبّاد القبور الذين يفعلون الشرك ويقولون: لا يقع في هذه الأمة المحمدية شركٌ، وهم يقولون: لا إله إلا الله محمدٌ رسول الله. الأوثان: جمع وثن، وهو ما قُصد بنوع من أنواع العبادة من القبور والمشاهد وغيرها. ألم تر: ألم تنظر. الذين أوتوا: أُعطوا وهم اليهود والنصارى. نصيبًا: حظًا. يؤمنون: يصدقون. بالجبت: وهو كلمةٌ تقع على الصنم والكاهن والساحر. والطاغوت: من الطغيان وهو مجاوزة الحد، فكل من تجاوز الحد المقدار والحد فهو طاغوت، والمراد به هنا الشيطان.
[ ١٨٨ ]
المعنى الإجمالي للآية: يقول الله لنبيه –ﷺ- على وجه التعجب والاستنكار! ألم تنظر إلى هؤلاء اليهود والنصارى الذين أُعطوا حظًا من كتاب الله الذي فيه بيان الحق من الباطل، ومع هذا يصدقون بالباطل من عبادة الأصنام والكهانة والسحر، ويطيعون الشيطان في ذلك.
مناسبة الآية للباب: أنه إذا كان الذين أوتوا نصيبًا من الكتاب يؤمنون بالجبت والطاغوت، فهذه الأمة التي أوتيت القرآن لا ينكرولا يستبعد أن تعبد الجبت والطاغوت؛ لأن الرسول –ﷺ- أخبر أنه سيكون في هذه الأمة من يفعل مثل فعل اليهود والنصارى موافقةً لهم ولو كان يبغضها ويعرف بُطلانها.
ما يستفاد من الآية:
١- أنه سيكون في هذه الأمة من يعبد الأوثان كما حدث لليهود والنصارى.
٢- أن الإيمان بالجبت والطاغوت في هذا الموضع معناه موافقةُ أصحابها ولو كان يبغضها ويعرف بُطلانها.
٣- أن الكفر بالجبت والطاغوت واجبٌ في جميع الكتب السماوية.
٤- وجوب العمل بالعلم، وأن من لم يعمل بعلمه ففيه شبهٌ من اليهود والنصارى.
* * *
[ ١٨٩ ]
وقوله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُم بِشَرٍّ مِّن ذَلِكَ مَثُوبَةً عِندَ اللهِ مَن لَّعَنَهُ اللهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ﴾ [المائدة: ٦٠] .
_________________
(١) قل: الخطاب لمحمد –ﷺ-. هل أنبئكم: أخبركم. بشرّ من ذلك: الذي ذكرتم في حقّنا من الذم زورًا وبهتانًا من قولكم في حقنا: "ما رأينا شرًا منكم". مثوبة عند الله: أي: جزاءً عنده يوم القيامة نُصب على التمييز، وهذا يصدق عليكم أنتم أيها المتصفون بهذه الصفات لا نحن. من لعنه الله: طرده وأبعده من رحمته. وغضب عليه: غضبًا لا يرضى بعده. وجعل منهم القردة: وهم: أصحاب السبت من اليهود. والخنازير: وهم كفار مائدة عيسى من النصارى. وقيل كِلا المَسخين في أصحاب السبت من اليهود. فالشباب مُسخوا قردةً والشيوخ مُسخوا خنازير. وعبدَ الطاغوتَ: أي: وجعل منهم من عبد الشيطان أيْ: أطاعه فيما سوّل له. المعنى الإجمالي للآية: يقول تعالى لنبيه: قل لهؤلاء الذين اتخذوا دينكم هُزُوًا ولعبًا من أهل الكتاب: هل أخبركم بمن ينال شر الجزاء يوم القيامة عند الله؛ إنه من اتصف بهذه الصفات التي هي الإبعاد
[ ١٩٠ ]
عن رحمة الله، ونيل غضبه الدائم، ومن مُسخت صورته ظاهرًا بتحويله إلى قردٍ أو خنزير، وباطنًا بطاعة الشيطان وإعراضه عن وحي الرحمن.
وهذه الصفات إنما تنطبق عليكم يا أهل الكتاب ومن تشبه بكم لا علينا.
مناسبة الآية للباب: أنه إذا كان في أهل الكتاب من عبَد الطاغوت من دون الله، فكذلك يكون في هذه الأمة من يفعل ذلك.
ما يستفاد من الآية:
١- وقوع الشرك في هذه الأمة، كما كان في اليهود والنصارى من عبد الطاغوت.
٢- محاجة أهل الباطل وبيان ما فيهم من العيوب إذا نبزوا أهل الحق بما ليس فيهم.
٣- أن الجزاء إنما يكون على الأعمال، ويكون من جنس العمل.
٤- وصف الله بأنه يغضب ويلعن العصاة.
٥- أن طاعة الشيطان هي منشأ الشرك بالله.
* * *
[ ١٩١ ]
وقوله: ﴿قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِم مَّسْجِدًا﴾ [الكهف: ٢١] .
_________________
(١) الذين غلبوا على أمرهم: أي على أمر أصحاب الكهف وهم أصحاب الكلمة والنفوذ. لنتخذن عليهم: حولهم. مسجدًا: يُصلى فيه ويقصدهم الناس ويتبركون بهم. المعنى الإجمالي للآية: يخبر تعالى عن الذين غلبوا على أمر أصحاب الكهف على وجه الذم لهم أنهم قالوا لنتخذن حولهم مصلى يقصِده الناس ويتبركون بهم. مناسبة الآية للباب: أن فيها دليلًا على أنه سيكون في هذه الأمة من يتخذ المساجد على القبور، كما كان يفعله من كان قبلهم. ما يستفاد من الآية:
(٢) تحريم اتخاذ المساجد على القبور والتحذير من ذلك؛ لأنه يؤدي إلى الشرك.
(٣) أنه سيكون في هذه الأمة من يتخذ المساجد على القبور كما فعله من كان قبلهم.
(٤) التحذير من الغلو في الصالحين.
(٥) أن اتخاذ المساجد على القبور من الغلو في الصالحين. * * *
[ ١٩٢ ]
عن أبي سعيد –﵁- أن رسول الله –ﷺ- قال: "لتتبعن سَنن من كان قبلكم حذو القُذّة بالقُذَّة حتى لو دخلوا جُحر ضبّ لدخلتموه" قالوا: يا رسول الله، اليهود والنصارى؟ قال: "فمن" (١) أخرجاه.
ــ
سَنَنَ: بفتح السين أي: طريق.
من كان قبلكم: أي الذين قبلكم من الأمم.
حذو: منصوبٌ على المصدر أي: تحذون حذوهم.
القُذّة: بضم القاف: واحدة القُذَذ وهي ريش السهم. وله قذّتان متساويتان.
حتى لو دخلوا جُحر ضب: أي: لو تُصوِّر دخولهم فيه مع ضيقه.
لدخلتموه: لشدة سلوككم طريق من قبلكم.
قالوا: يا رسول الله، اليهود والنصارى: أي: أهم اليهود والنصارى الذين نتبع سننهم، أو تعني اليهود والنصارى؟
قال: فمن؟ استفهامٌ إنكاريٌّ أي: فمن هم غير أولئك.
أخرجاه: أي: البخاري ومسلم. وهذا لفظ مسلم.
المعنى الإجمالي للحديث: يخبر –ﷺ- خبرًا معناه النهي عما يتضمنه هذا الخبر: أن أمته لا تدع شيئًا مما كان يفعله اليهود والنصارى إلا فعلته كلَّه، لا تترك منه شيئًا ولو كان شيئًا تافهًا. ويؤكد هذا الخبرَ
_________________
(١) أخرجه البخاري برقم "٣٤٥٦" ومسلم برقم "٢٦٦٩".
[ ١٩٣ ]
بأنواع من التأكيدات، وهي اللام الموطئة للقسم، ونون التوكيد، ووصف مشابهتهم بأنها كمشابهة قذة السهم للقذة الأخرى، ثم وصفها بما هو أدق في التشبه بهم؛ بحيث لو فعلوا شيئًا تافهًا غريبًا لكان في هذه الأمة من يفعله تشبُّهًا بهم.
مناسبة الحديث للباب:
أن فيه دليلًا على وقوع الشرك في هذه الأمة؛ لأنه وُجد في الأمم قبلنا، ويكون في هذه الأمة من يفعله اتباعًا لهم.
ما يستفاد من الحديث:
١- وقوع الشرك في هذه الأمة تقليدًا لمن سبَقها من الأمم.
٢- علمٌ من أعلام نبوته حيث أخبر بذلك قبل وقوعه فوقع كما أخبر.
٣- التحذير من مشابهة الكفار.
٤- التحذير مما وقع فيه الكفار من الشرك بالله وغيره مما حرَّم الله تعالى.
* * *
[ ١٩٤ ]
ولمسلم عن ثوبان -﵁- أن رسول الله - ﷺ- قال: "إن الله زوى لي الأرض، فرأيت مشارقها ومغاربها، وإن أمتي سيبلغ ملكها ما زُوي لي منها. وأعطيت الكنزين: الأحمر والأبيض. وإني سألت ربي لأمتي أن لا يهلكها بسَنَة بِعَامَّة، وأن لا يسلط عليهم عدوًا من سوى أنفسهم، فيستبيح بيضتهم، وإن ربي قال: يا محمد، إذا قضيت قضاءً فإنه لا يرد، وإني أعطيتك لأمتك ألا أهلكهم بسنة بعامة، وألا أسلط عليهم عدوًا من سوى أنفسهم فيستبيح بيضتهم ولو اجتمع عليهم من بأقطارها، حتى يكون بعضهم يهلك بعضًا ويسبي بعضهم بعضًا" (١) .
ورواه البرقاني في صحيحه، وزاد: "وإنما أخاف على أمتي الأئمة المضلين، وإذا وقع عليهم السيف لم يرفع إلى يوم القيامة، ولا تقوم الساعة حتى يلحق حيٌّ من أمتي بالمشركين، وحتى تعبد فئامٌ من أمتي الأوثان، وإنه سيكون في أمتي كذَّابون ثلاثون كلهم يزعم أنه نبي وأنا خاتم النبيين لا نبي بعدي، ولا تزال طائفة من أمتي على الحق منصورة لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى يأتي أمر الله ﵎".
ــ
ترجمة ثوبان: هو: مولى رسول الله –ﷺ- صحِبَه ولازمَه وسَكَنَ
_________________
(١) أخرجه مسلم برقم "٢٨٨٩".
[ ١٩٥ ]
بعده بالشام، ومات بحمص سنة ٥٤هـ.
زوى لي الأرض: طواها وجعلها مجموعة كهيئة كفٍّ في مرآةٍ ينظره، فأبصر ما تملكه أمته من أقصى مشارق الأرض ومغاربها.
ما زُوِيَ لي منها: يحتمل أن يكون مبنيًا للفاعل، وأن يكون مبنيًا للمفعول.
الكنزين: كنزُ كسرى وهو ملكُ الفرس وكنز قيصرَ وهو ملكُ الروم.
الأحمر: عبارةٌ عن كنز قيصر، لأن الغالب عندهم كان الذهب.
والأبيض: عبارةٌ عن كنز كِسرى، لأن الغالب عندهم كان الجوهر والفضة. والأحمر والأبيضَ منصوبان على البدل.
بسنة: السنة: الجدْب.
بعامّة: صفةٌ لسنةٍ رُوي بالباء وبحذفها –أي: جدبٌ عامّ يكون به الهلاك العام.
من سوى أنفسهم: أي: من غيرهم من الكفار.
بيضتهم: قيل ساحتهم وما حازوه من البلاد، وقيل معظمهم وجماعتهم.
حتى يكون بعضهم يهلك بعضًا: أي: حتى يوجد ذلك منهم، فعند ذلك يسلِّط عليهم عدوَّهم من الكفار.
الأئمة المضلين: أي: الأمراء والعلماء والعباد الذين يقتدي بهم الناس.
وإذا وقع عليهم السيف: أي: وقعت الفتنة والقتال بينهم.
لم يُرفع إلى يوم القيامة: أي: تبقى الفتنة والقتال بينهم.
[ ١٩٦ ]
يلحق حيٌّ من أمتي: الحي واحد الأحياء وهي القبائل.
بالمشركين: أي: ينزلون معهم في ديارهم.
فئامٌ: أي: جماعات.
خاتم النبيين: أي: آخر النبيين.
حتى يأتي أمر الله: الظاهر أن المراد به: الريح الطيبة التي تقبض أرواح المؤمنين.
تبارك: كمُل وتعاظم وتقدَّس، ولا يقال إلا لله.
وتعالى: تعاظم وكمُل علُوُّه.
المعنى الإجمالي للحديث: هذا حديثٌ جليلٌ يشتمل على أمور مهمة وأخبار صادقة، يخبر فيها الصادق المصدوق –ﷺ- أن الله سبحانه جمع له الأرض حتى أبصر ما تملكه أمته من أقصى المشارق والمغارب، وهذا خبرٌ وُجد مخبره، فقد اتسع ملك أمته حتى بلغ من أقصى المغرب إلى أقصى المشرق، وأخبر أنه أُعطي الكنزين فوقع كما أخبر، فقد حازت أمته ملكي كسرى وقيصر بما فيهما من الذهب والفضة والجوهر، وأخبر أنه سأل ربه لأمته أن لا يهلكهم بجدبٍ عامٍّ ولا يسلط عليهم عدوًا من الكفار يستولي على بلادهم ويستأصل جماعتهم. وأن الله أعطاه المسألة الأولى، وأعطاه المسألة الثانية ما دامت الأمة متجنبة للاختلاف والتفرق والتناحر فيما بينها –فإذا وُجد ذلك سلط عليهم عدوهم من الكفار، وقد وقع كما أخبر حينما تفرقت الأمة. وتخوّف –ﷺ- على أمته خطر الأمراء والعلماء الضالين المضلين؛ لأن الناس يقتدون بهم في ضلالهم. وأخبر أنها إذا وقعت الفتنة والقتال والأمة فإن ذلك يستمر فيها إلى يوم القيامة وقد وقع كما أخبر، فمنذ حدثتِ
[ ١٩٧ ]
الفتنة بمقتل عثمان ﵁ وهي مستمرة إلى اليوم. وأخبر أن بعض أمته يلحقون بأهل الشرك في الدار والديانة. وأن جماعاتٍ من الأمة ينتقلون إلى الشرك وقد وقع كما أخبر، فعُبدت القبور والأشجار والأحجار. وأخبر عن ظهور المدّعين للنبوة –وأن كل من ادعاها فهو كاذب؛ لأنها انتهت ببعثته –ﷺ-. وبشّر –ﷺ- ببقاء طائفة من أمته على الإسلام رغمَ وقوع هذه الكوارث والويلات، وأن هذه الطائفة مع قِلّتها لا تتضرر بكيد أعدائها ومخالفيها.
مناسبة الحديث للباب: أن النبي –ﷺ- أخبر فيه أن جماعات من أمته ستعبد الأوثان؛ ففيه الرد على من أنكر وقوع الشرك في الأمة.
ما يستفاد من الحديث:
١- وقوع الشرك في هذه الأمة والرد على من نفى ذلك.
٢- علمٌ من أعلام نبوته –ﷺ- حيث أخبر بأخبار وقع مضمونها كما أخبر.
٣- كمال شفقته –ﷺ- بأمته حيث سأل ربه لها ما فيه خيرها وأعظمُه التوحيد، وتخوّف عليها ما يضرها وأعظمُه الشرك.
٤- تحذير الأمة من الاختلاف ودعاة الضلال.
٥- ختم النبوة به –ﷺ-.
٦- البشارة بأن الحق لا يزول بالكلية وببقاء طائفة عليه لا يضرها من خذلها ولا من خالفها.
* * *
[ ١٩٨ ]