وقول الله ﷿: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لاَ تَغْلُواْ فِي دِينِكُمْ﴾ [النساء: ١٧١] .
_________________
(١) مناسبة الباب لكتاب التوحيد: أن المصنف ﵀ لما بين بعض ما يفعله عبّاد القبور مع الأموات من الشرك المضاد للتوحيد أراد في هذا الباب أن يبين السبب في ذلك ليحذر ويجتنب وهو الغلو في الصالحين. ما جاء: أي: من الأدلة. تركهم: بالجر عطفًا على المضاف إليه "كفر". الغلو: هو: مجاوزة الحد والإفراط في التعظيم بالقول والاعتقاد وتعدي ما أمر الله تعالى به. في الصالحين: من الأنبياء والأولياء وغيرهم. أهل الكتاب: هم اليهود والنصارى. لا تغلوا في دينكم: لا تتعدوا ما حدد الله لكم، فغلا النصارى في المسيح وغلا اليهود في عزيز. المعنى الإجمالي للآية: ينهى الله اليهود والنصارى عن تعدّي ما حدد الله لهم بأن لا يرفعوا المخلوق فوق منزلته التي أنزله الله وينزلوه
[ ١٥٨ ]
المنزلة التي لا تنبغي إلا لله.
مناسبة الآية للباب: أن فيها النهي عن الغلو مطلقًا، فيشمل الغلو في الصالحين، والخطاب وإن كان لأهل الكتاب فإنه عام يتناول جميع الأمة تحذيرًا لهم أن يفعلوا في نبيهم وصالحيهم فعل النصارى في المسيح واليهود في عزيز.
ما يستفاد من الآية:
١- تحريم الغلو في الأشخاص والأعمال وغير ذلك.
٢- الرد على اليهود والنصارى ومن شابههم في غلوهم في الأشخاص والأعمال وغير ذلك.
٣- الحث على لزوم الاعتدال في الدين وجميع الأمور بين جانبي الأفراط والتفريط.
٤- التحذير من الشرك وأسبابه ووسائله.
* * *
[ ١٥٩ ]
وفي الصحيح عن ابن عباس ﵄ في قول الله تعالى: ﴿وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا﴾ [نوح: ٢٣] .
قال: "هذه أسماء رجال صالحين من قوم نوح، فلما هلكوا أوحى الشيطان إلى قومهم: أن انصبوا إلى مجالسهم التي كانوا يجلسون فيها أنصابًا وسموها بأسمائهم، ففعلوا، ولم تعبد، حتى إذا هلك أولئك ونسي العلم عبدت" (١) .
وقال ابن القيم: قال غير واحد من السلف: لما ماتوا عكفوا على قبورهم ثم صوروا تماثيلهم ثم طال عليهم الأمد فعبدوهم.
ــ
ترجمة ابن القيم: هو الإمام العلامة محمد بن أبي بكر بن أيوب الزرعي الدمشقي تلميذ شيخ الإسلام ابن تيمية، مات سنة ٧٥١هـ ﵀. وله مؤلفات مفيدة مشهورة.
لا تذرن آلهتكم: لا تتركوا عبادتها.
ولا تذرون ودًا إلخ: أي: ولا تتركوا هؤلاء خصوصًا.
فلما هلكوا: أي: مات أولئك الصالحون وحزن عليهم قومهم حزنًا شديدًا.
_________________
(١) أخرجه البخاري برقم "٤٩٢٠".
[ ١٦٠ ]
أوحى الشيطان إلى قومهم: أي: وسوس وألقى إليهم.
انصبوا: بكسر الصاد.
أنصابًا: أي: أصنامًا مصورة على صورهم.
حتى إذا هلك أولئك: أي: الذين نصبوها ليتذكروا برؤيتها أفعال أصحابها فينشطوا على العبادة.
ونُسي العلم: أي: زالت المعرفة وغلب الجهال الذين لا يميزون بين الشرك والتوحيد.
عُبدت: أي: تلك الأصنام لما قال لهم الشيطان: إن آباءكم كانوا يعبدونها.
ج- المعنى الإجمالي للأثر:
يفسر ابن عباس –﵄- هذه الآية الكريمة بأن هذه الآلهة التي ذكر الله أن قوم نوح تواصوا بالاستمرار على عبادتها بعدما نهاهم نبيهم نوح –﵇- عن الشرك بالله –أنها في الأصل أسماء رجال صالحين منهم، غلوا فيهم بتسويل الشيطان لهم حتى نصبوا صورهم، فآل الأمر بهذه الصور إلى أن صارت أصنامًا تعبد من دون الله.
وما ذكره ابن القيم هو بمعنى ما ذكره البخاري إلا أنه ذكر أن عكوفهم على قبورهم كان قبل تصويرهم، فهو يضيف إلى ما سبق أن العكوف على القبور سببٌ لعبادتها أيضًا.
مناسبة الأثر للباب: أنه يدل على أن الغلو في الصالحين سببٌ لعبادتهم من دون الله.
ما يستفاد من الأثر:
١- أن الغلو في الصالحين سببٌ لعبادتهم من دون الله وترك الدين
[ ١٦١ ]
بالكلية.
٢- التحذير من التصوير وتعليق الصور، لا سيما صور العظماء.
٣- التحذير من مكر الشيطان وعرضه الباطل في صورة الحق.
٤- التحذير من البدع والمحدثات ولو حسُن قصد فاعلها.
٥- أن هذه وسائل إلى الشرك فيجب الحذر منها.
٦- معرفة قدر وجود العلم ومضرة فقده.
٧- أن سبب فقد العلم هو موت العلماء.
٨- التحذير من التقليد، وأنه قد يؤول بأهله إلى المروق من الإسلام.
* * *
[ ١٦٢ ]
وعن عمر -﵁- أن رسول الله - ﷺ- قال: "لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم، إنما أنا عبد، فقولوا: عبد الله ورسوله" أخرجاه (١) .
ــ
ترجمة عمر ﵁: هو عمر بن الخطاب بن نفيل القرشي العدوي أمير المؤمنين وأفضل الصحابة بعد الصديق استشهد في ذي الحجة سنة ٢٣هـ.
لا تطروني: الإطراء؛ مجاوزة الحد في المدح، والكذب فيه.
كما أطرت النصارى ابن مريم: أي: كما غلت النصارى في عيسى -﵇- حتى ادَّعوا فيه الألوهية.
فقولوا عبد الله ورسوله: أي: صفوني بذلك كما وصفني به ربي.
معنى الحديث إجمالًا: يقول -ﷺ-: لا تمدحوني فتغلوا في مدحي كما غلت النصارى في عيسى ﵇ فادعوا فيه الألوهية. إني لا أعدو أن أكون عبدًا لله ورسولًا منه فصفوني بذلك ولا ترفعوني فوق منزلتي التي أنزلني الله.
مناسبة الحديث للباب: أن الرسول -ﷺ- نهى عن الغلو في حقه بإعطائه شيئًا من خصائص الربوبية، مما يدل على تحريم الغلو، وأنه يفضي إلى الشرك كما أفضى بالنصارى في حق عيسى.
_________________
(١) أخرجه البخاري برقم "٣٤٤٥". والحديث ليس موجودًا في صحيح مسلم كما قال المصنف ﵀. والحديث أخرجه أحمد "١/٢٣، ٢٤، ٤٧، ٥٥".
[ ١٦٣ ]
ما يستفاد من الحديث:
١- تحريم مجاوزة الحد في مدح النبي –ﷺ- وإخراجه من دائرة العبودية، لأن ذلك هو الشرك بالله.
٢- شدة نصحه –ﷺ- لأمته.
٣- أن الغلو في الصالحين سببٌ للوقوع في الشرك.
٤- التحذير من التشبه بالكفار.
* * *
[ ١٦٤ ]
قال رسول الله - ﷺ-: "إياكم والغلو، فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو" (١) .
ــ
راوي الحديث: هذا الحديث ذكره المصنف ﵀ دون ذكر روايه. وقد رواه الإمام أحمد والترمذي وابن ماجه من حديث ابن عباس.
إياكم: كلمة تحذير.
والغلو: منصوب على التحذير بفعل مقدر، وهو مجاوزة الحد.
من كان قبلكم: من الأمم.
معنى الحديث إجمالًا: يحذر النبي -ﷺ- أمته من الزيادة في الدين على الحد المشروع، وهو عام في جميع أنواع الغلو في الاعتقادات والأعمال، ومن ذلك الغلو في تعظيم الصالحين مما يكون سببًا في هلاك الأمم السابقة؛ وذلك يقتضي مجانبة هديهم في هذا إبعادًا عن الوقوع فيما هلكوا به؛ لأن المشارك لهم في بعض هديهم يُخاف عليه من الهلاك مثلهم.
مناسبة الحديث للباب: أن فيه النهي عن الغلو مطلقًا، وبيان أنه سببٌ للهلاك في الدنيا والآخرة، فيدخل فيه النهي عن الغلو في
_________________
(١) أخرجه أحمد في المسند "١/٢١٥، ٣٤٧"، وابن ماجه برقم "٣٠٢٩"، وابن خزيمة برقم "٢٨٦٧"، والحاكم "١/٤٦٦"، وصححه ووافقه الذهبي.
[ ١٦٥ ]
الصالحين من باب أولى؛ لأنه سبب للشرك.
ما يستفاد من الحديث:
١- النهي عن الغلو وبيان سوء عاقبته.
٢- الاعتبار بمن سبقنا من الأمم لتجنب ما وقعوا فيه من الأخطاء.
٣- حرصه -ﷺ- على نجاة أمته من الشرك ووسائله وابتعادهم عنه.
٤- الحث على الاعتدال في العبادة وغيرها بين جانبيّ الإفراط والتفريط.
٥- أن الغلو في الصالحين سببٌ للوقوع في الشرك.
٦- شدة خوفه -ﷺ- من الشرك والتحذير عنه.
* * *
[ ١٦٦ ]
ولمسلم عن ابن مسعود أن رسول الله -ﷺ- قال: "هلك المتنطعون" قالها ثلاثًا (١) .
ــ
المتنطعون: المتعمقون في الشيء من كلامٍ وعبادةٍ وغيرها.
ثلاثًا: أي: قال هذه الكلمة ثلاث مرات مبالغة في الإبلاغ والتعليم.
المعنى الإجمالي للحديث: يوضح النبي -ﷺ- أن التعمق في الأشياء والغلو فيها يكون سببًا للهلاك، ومراده -ﷺ- النهي عن ذلك.
مناسبة الحديث للباب: أن التنطع من الغلو المنهي عنه، ويدخل في ذلك التنطع في تعظيم الصالحين إلى الحد الذي يفضي إلى الشرك.
ما يستفاد من الحديث:
١- الحث على اجتناب التنطع في كل شيء؛ لا سيما في العبادات وتقدير الصالحين.
٢- الحث على الاعتدال في كل شيء.
٣- شدة حرصه على نجاة أمته، واجتهاده في الإبلاغ -ﷺ-.
_________________
(١) أخرجه مسلم برقم "٢٦٧٠"، وأبو داود برقم "٤٦٠٨" وأحمد "١/٣٨٦".
[ ١٦٧ ]