وقول الله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، لاَ شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَاْ أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الأنعام: ١٦٢، ١٦٣] .
_________________
(١) مناسبة الباب لكتاب التوحيد: أن فيه بيانًا لنوع من أنواع الشرك المضاد للتوحيد. ما جاء في الذبح لغير الله: أي من الوعيد وفي بيان حكمه. نُسُكي: ذبحي. محياي: ما آتيه في حياتي. مماتي: ما أموت عليه من الإيمان والعمل الصالح. وبذلك أُمرت: أي أمرني ربي بالإخلاص في العبادة. أول المسلمين: أي أول من يمتثل من هذه الأمة. المعنى الإجمالي للآية: يأمر الله نبيه أن يقول للمشركين الذين يعبدون غير الله ويذبحون لغيره: إني أخلص لله صلاتي وذبحي وما أحيا وما أموت عليه من الإيمان والعمل الصالح، أصرف كل ذلك له وحدَه لا أشرك به أحدًا عكْس ما أنتم عليه من الشرك به. مناسبة الآية للباب: أنها تدل على أن الذبح لغير الله شرك.
[ ٩٤ ]
ما يستفاد من الآية:
١- أن الذبح لغير الله شركٌ أكبر لأنه قرَنه بالصلاة، فكما أن من صلى لغير الله فقد أشرك فكذلك من ذبح لغيره فقد أشرك.
٢- أن الصلاة والذبح من أعظم العبادات.
٣- وجوب الإخلاص لله في جميع العبادات.
٤- أن العبادات توقيفية –أي متوقفة على أمر الشارع- لقوله: ﴿وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ﴾ .
* * *
[ ٩٥ ]
وقوله: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ [الكوثر: ٢] .
_________________
(١) فصلِّ لربك: أي لا لغيره. وانحر: أي اذبح. المعنى الإجمالي للآية: يأمر الله نبيه –ﷺ- أن يخلص له في صلاته وذبيحته مخالفًا للمشركين الذين يعبدون غيرَ الله وينحرون للأوثان. مناسبة الآية للباب: أن الذبح عبادة يجب إخلاصها لله، وصرفها لغيره شرك أكبر. ما يستفاد من الآية:
(٢) أن الذبح لغير الله شرك أكبر؛ لأنه عبادة، وصرف العبادة لغير الله شركٌ أكبر.
(٣) أن الصلاة والذبحَ من أعظم العبادات.
(٤) أن الصلاة والذبح لله من أعظم مظاهر شكر النعم، فإنه أتى بالفاء الدالة على السبب؛ لأن فعل ذلك سببٌ للقيام بشكر ما أعطاه من الكوثر. * * *
[ ٩٦ ]
عن علي بن أبي طالب -﵁- قال: حدثني رسول الله - ﷺ- بأربع كلمات: "لعن الله من ذبح لغير الله، ولعن الله من لعن والديه، ولعن الله من آوى مُحْدِثًا، ولعن الله من غير منار الأرض" (١) رواه مسلم.
ــ
لعنَ الله: اللعنة من الله: الطرد والإبعاد، ومن المخلوقين السبُّ والدعاء.
ذبح لغير الله: من الأصنام أو الأولياء والصالحين أو الجن أو غير ذلك.
لعن والديه: المراد بهما أبوه وأمه وإن علوا، سواءٌ باشر لعنهما أو تسبب فيه بأن يلعن والدَي شخصٍ فيرد عليه بالمثل.
آوى: أي ضمَّ وحمى.
محدِثًا: بكسر الدال الجاني، وبفتحها هو الأمر المبتدع في الدين، وإيواؤه الرضا به.
غيّر منار الأرض: منارُ الأرض هي المراسيم التي تفرِّق بين ملكك وملك جارك، وتغييرها يكون بتقديمها أو تأخيرها.
المعنى الإجمالي للحديث: يحذِّر -ﷺ- أمته من أربع جرائم، فيخبر أن الله تعالى يطرد من رحمته من ارتكب واحدةً منها:
الأولى: التقرب بالذبح إلى غير الله، لأنه صرفٌ للعبادة إلى غير
_________________
(١) أخرجه مسلم برقم "١٩٧٨".
[ ٩٧ ]
مستحقِّها.
الثانية: من دعا على والديه باللعنة أو سبَّهما أو تسبب في ذلك بأن يصدرَ منه ذلك في حق أبوي شخص فيردُّ عليه ذلك الشخص بالمثل.
الثالثة: من حمى جانيًا مستحقًا للحد الشرعي فمنعه من أن يقام عليه الحد، أو رضي ببدعة في الدين وأقرّها.
الرابعة: من تصرّف في مراسيم الأرض التي تفرز الحقوق فقدّمها أو أخرها عن مكانها، فينشأ عن ذلك اقتطاع شيءٍ من أرض غيره ظلمًا.
مناسبة الحديث للباب: أن فيه دليلًا على غلظ تحريم الذبح لغير الله حيث إن فاعله أو من يستحق لعنة الله.
ما يستفاد من الحديث:
١- أن الذبح لغير الله محرمٌ شديد التحريم وشركٌ في مقدمة الكبائر.
٢- أن الذبح عبادةٌ يجب صرفها لله وحده.
٣- تحريم لعن الوالدين وسبِّهما مباشرة أو تسببًا.
٤- تحريم مناصرة المجرمين وحمايتهم من تطبيق الحد الشرعي عليهم وتحريم الرضا بالبدع.
٥- تحريم التصرف في حدود الأرض بتقديم أو تأخير.
٦- جواز لعن أنواع الفُساق لأجل الزجر عن المعاصي.
* * *
[ ٩٨ ]
وعن طارق بن شهاب: أن رسول الله - ﷺ- قال: "دخل الجنة رجل في ذباب، ودخل النار رجل في ذباب" قالوا: وكيف ذلك يا رسول الله؟ قال: "مر رجلان على قوم لهم صنم لا يجاوزه أحد حتى يقرِّب له شيئًا. قالوا لأحدهما: قَرِّب. قال: ليس عندي شيء أُقرِّب. قالوا: قرب ولو ذبابًا. فقرَّب ذبابًا فخلّوا سبيله فدخل النار، وقالوا للآخر: قرب. قال: ما كنت لأقرب لأحد شيئًا دون الله ﷿ فضربوا عنقه فدخل الجنة" (١) . رواه أحمد.
ــ
طارق بن شهاب: هو طارق بن شهاب البجلي الأحمسي رأى النبي -ﷺ- ولم يسمع منه. فحديثه مرسل، صحابيٌّ. مات طارقٌ سنة ٨٣هـ ﵁.
في ذباب: أي بسبب ذباب.
صنمٌ: ما كان منحوتًا على صورة.
لا يجاوزه: لا يمرُّ به ولا يتعداه.
يقرِّب: يذبح.
المعنى الإجمالي للحديث: يخبر النبي -ﷺ- عن خطورة الشرك
_________________
(١) أخرجه أحمد في كتاب الزهد "ص٢٢" وأبو نعيم في الحلية "١/٢٠٣" وابن أبي شيبة في المصنف "٦/٤٧٧ رقم ٣٣٠٢٨" موقوفًا على سلمان الفارسي ﵁.
[ ٩٩ ]
وشناعته فيحّث أصحابه ويبدأ حديثه ببداية تجعل النفوس تستغرب وتتطلع إلى سياق الحديث "دخل الجنة رجل في ذباب ودخل النار رجل في ذباب" شيء يسير سبّب أمرًا خطيرًا، وأوجب السؤال عن تفصيله، وهنا يفصل فيقول: إن رجلين -يظهر أنهما من بني إسرائيل- أرادا العبور عن مكان يحل في ساحته صنم يفرض على من أراد تجاوزه أن يذبح له تقربًا إليه وتعظيمًا له، فطلب عبّاد ذلك الصنم من الرجلين التمشي على هذا النظام الشركي، فأما أحدهما فاعتذر بالعدم فقنعوا منه بأيسر شيء، لأن مقصودهم حصول الموافقة على الشرك، فذبح للصنم ذبابًا فتركوه يمرّ فدخل بسبب فعله هذا نار جهنم؛ لأنه فعل الشرك ووافقهم عليه وطلبوا من الآخر أن يقرّب للصنم فاعتذر بأن هذا شرك ولا يمكن أن يفعله فقتلوه فدخل الجنة؛ لامتناعه من الشرك.
مناسبة الحديث للباب: أنه دل على أن الذبح عبادة، وأن صرفه لغير الله شرك.
ما يستفاد من الحديث:
١- بيان خطورة الشرك ولو في شيء قليل.
٢- أن الشرك يوجب دخول النار، وأن التوحيد يوجب دخول الجنة.
٣- أن الإنسان قد يقع في الشرك وهو لا يدري أنه الشرك الذي يوجب النار.
٤- التحذير من الذنوب وإن كانت صغيرة في الحسبان.
٥- أن هذا الرجل دخل النار بسببٍ لم يقصدْه ابتداءً وإنما فعله تخلُّصًا من شر أهل الصنم.
٦- أن المسلم إذا فعل الشرك أبطل إسلامه ودخل النار؛ لأن هذا
[ ١٠٠ ]
الرجل كان مسلمًا وإلا لم يقل: "دخل النار في ذباب".
٧- أن المعتبر عمل القلب وإن صغر عمل الجوارح وقل.
٨- أن الذبح عبادة وصرفه لغير الله شركٌ أكبر.
٩- فضل التوحيد وعظيم ثمرته.
١٠- فضيلة الصبر على الحق.
* * *
[ ١٠١ ]