في الصحيح عن أبي بَشِير الأنصاري ﵁ أنه كان مع رسول الله - ﷺ- في بعض أسفاره فأرسل رسولًا: "أن لا يَبْقَيَنَّ في رقبةِ بعيرٍ قِلادةٌ من وَتَر أو قلادةٌ إلا قُطِعَتْ" (١) .
ــ
مناسبة الباب لكتاب التوحيد: أنه استمرارٌ في ذكر الأشياء التي تخل بعقيدة التوحيد من الرقى والتمائم الشركية.
ما جاء في الرقى والتمائم: أي: من النهي عما لا يجوز منها.
في الصحيح: أي في الصحيحين.
عن أبي بشير: هو صحابيٌّ شهد غزوة الخندق، ومات بعد الستين.
قلادةٌ: ما يعلَّق في رقبة البعير وغيره.
وترٍ: واحد أوتار القوس.
أو قلادةٌ: شكٌّ من الراوي هل القلادة بقيدة بكونها من وتر أو مطلقة من الوتر وغيره.
المعنى الإجمالي للحديث: أن النبي - ﷺ- بعث في بعض أسفاره
_________________
(١) أخرجه البخاري برقم "٣٠٠٥" ومسلم برقم "٢١١٥" وأبو داود برقم "٢٥٥٢".
[ ٧٧ ]
من ينادي في الناس بإزالة القلائد التي في رقاب الإبل التي يُراد بها دفع العين ودفع الآفات، لأن ذلك من الشرك الذي تجب إزالته.
مناسبة الحديث للباب: من حيثُ إنه يدل على أن تقليد الإبل ونحوِها الأوتارَ وما في معناها لدفع الآفات حرامٌ وشرك، لأنه من تعليق التمائم المحرمة.
ما يستفاد من الحديث:
١- أن تعليق الأوتار – لدفع الآفات- في حكم التمائم في التحريم.
٢- إزالة المنكر.
٣- تبليغ الناس ما يصون عقيدتهم.
* * *
[ ٧٨ ]
وعن ابن مسعود -﵁- قال: سمعت رسول الله - ﷺ- يقول: "إن الرُّقى والتمائم والتِّوَلة شرك" رواه أحمد وأبو داود (١) .
ــ
سيأتي شرح المفردات في كلام المصنف ﵀.
المعنى الإجمالي للحديث: أن الرسول -ﷺ- يخبر أن استعمال هذه الأشياء لقصد دفع المضار وجلب المصالح من عند غير الله شركٌ بالله لأنه لا يملك دفع الضر وجلب الخير إلا الله سبحانه، وهذا الخبر معناه النهيُ عن هذا الفعل.
مناسبة الحديث للباب: أن فيه بيانَ أن استعمال هذه الأشياء المذكورة شركٌ يخل بالتوحيد.
ما يستفاد من الحديث:
١- الحث على صيانة العقيدة عما يخل بها وإن كان يتعاطاه كثيرٌ من الناس.
٢- تحريم استعمال هذه الأشياء المذكورة فيه.
٣- أن هذه الثلاث المذكورة شركٌ من غير استثناء.
* * *
_________________
(١) أخرجه أحمد "١/٣٨١"، وأبو داود برقم "٣٨٨٣" وابن ماجه برقم "٣٥٣٠"، والحاكم في المستدرك "٤/٤١٨"، وصححه ووافقه الذهبي.
[ ٧٩ ]
التمائم: شيء يُعلَّق على الأولاد من العين. لكن إذا كان المعلَّق من القرآن فرخَّص فيه بعضُ السلف وبعضهم لم يرخِّص فيه، ويجعله من المنهي عنه، منهم ابن مسعود ﵁.
والرُّقى (١): هي التي تسمى العزائم. وخَصَّ منه الدليلُ ما خلا من الشرك. فقد رخص فيه رسول الله - ﷺ- من العين والحُمَة (٢) . والتِّوَلة: شيء يصنعونه يزعمون أنه يُحبِّب المرأة إلى زوجها، والرجلَ إلى امرأته.
ــ
يعلق على الأولاد: أي بأعناق الصبيان.
من العين؛ أي لدفع الإصابة بالعين.
العزائم: جمع عزيمة، قيل هي آياتٌ من القرآن تقرأُ على ذوي العاهات أو تقرأُ في ماءٍ ويُسقاه المريض. أو تكتب في صحن ونحوه وتمحى الكتابة بماء ونحوه ويسقاه المريض.
وخص منه: أي أخرج من عمومه.
الدليل: وهو قوله -ﷺ-: "لا رقية إلا من عين أو حُمَة" كما سبق في باب: "من حقق التوحيد".
ما خلا من الشرك: أي الاستعانة بغير الله بأن كانت بأسماء الله وصفاته وآياته والمأثورُ عن النبي - ﷺ-.
_________________
(١) سبق بيان معناها في باب "من حقق التوحيد دخل الجنة بغير حساب".
(٢) سبق بيان معناها في باب "من حقق التوحيد دخل الجنة بغير حساب".
[ ٨٠ ]
وحاصل ما ذكره المصنف ﵀ في حكم هذه الأشياء المذكورة ما يلي:
١- أن الرقية تنقسم إلى قسمين: قسم مشروع وقسم ممنوع: فالمشروع ما خلا من الشرك، والممنوع ما كان فيه شرك.
٢- أن التمائم تنقسم إلى قسمين:
قسم ممنوع بالإجماع: وهو ما كان يشتمل على شرك، وقسم مختلف فيه وهو ما كان من القرآن. قيل: إنه جائز، وقيل: إنه ممنوع، والصحيح أنه ممنوع سدًا للذريعة وصيانة للقرآن.
٣- التولة ممنوعة من غير خلافٍ، لأنها نوع من السحر.
* * *
[ ٨١ ]
وعن عبد الله بن عُكيم مرفوعًا: "من تعلق شيئًا وُكِل إليه". رواه أحمد والترمذي (١) .
ــ
عبد الله بن عُكيم: ويكنى أبا معبد الجهني الكوفي أدرك زمن النبي -ﷺ- ولا يُعرف أنه سمع منه.
مرفوعًا: أي إلى النبي -ﷺ-.
من تعلق شيئًا: أي التفت قلبُه إلى شيءٍ يعتقد أنه ينفعه أو يدفع عنه.
وُكِل إليه: أي وكله الله إلى ذلك الشيء الذي تعلَّقَه من دونه وخذله.
المعنى الإجمالي للحديث: هذا حديثٌ وجيز اللفظ عظيم الفائدة يخبر فيه النبي -ﷺ- أن من التفت بقلبه أو فعله أو بهما جميعًا إلى شيء يرجو منه النفع أو دفع الضر وكله الله إلى ذلك الشيء الذي تعلَّقه، فمن تعلَّق بالله كفاه ويسَّر له كل عسير، ومن تعلق بغيره وكله الله إلى ذلك الغير وخذله.
مناسبة الحديث للباب: أن فيه النهي والتحذير من التعلُّق على غير الله في جلب المنافع ودفع المضار.
ما يستفاد من الحديث:
١- النهي عن التعلق بغير الله.
_________________
(١) أخرجه أحمد في المسند "٤/٢١١" والترمذي برقم "٢٠٧٣".
[ ٨٢ ]
٢- وجوب التعلق بالله في جميع الأمور.
٣- بيان مضرة الشرك وسوء عاقبته.
٤- أن الجزاء من جنس العمل.
٥- أن نتيجة العمل ترجع إلى العامل خيرًا أو شرًا.
* * *
[ ٨٣ ]
وروى الإمام أحمد عن رُويفِع -﵁- قال: قال لي رسول الله ﷺ: "يا رويفع، لعل الحياة تطول بك فأخبر الناس أن من عقد لحيته أو تقلَّد وترًا أو استنجى برجيعِ دابةٍ أو عظمٍ فإن محمدًا بريء منه" (١) .
ــ
رُوَيفِع: هو: رويفع بن ثابت بن السكن بن عدي بن الحارث من بني مالك بن النجار الأنصاري وَلِيَ برقة وطرابلس فافتتح إفريقية سنة ٤٧ وتوفي ببرقة سنة ٥٦هـ.
عقد لحيته: قيل: معناه ما يفعلونه في الحروب من فتلِها وعقدها تكبُّرًا. وقيل: معناه معالجة الشعر؛ ليتعقَّد ويتجعَّد على وجه التأنُّث والتنعم. وقيل: المراد عقدُها في الصلاة أو كفها.
تقلد وترًا: جعله قلادة في عنقه أو عنق دابته من أجل الوقاية من العين.
استنجى: أي أزال النجوَ -وهو العذرة- عن المخرج.
برجيع دابة: الرجيع: الروث. سُمِّي رجيعًا لأنه رجع عن حالته الأولى بعد أن كان علَفًا.
بريءٌ منه: هذا وعيد شديد في حق من فعل ذلك.
المعنى الإجمالي للحديث: يخبر -ﷺ- أن هذا الصحابي سيطول عمرُه حتى يدرك أناسًا يخالفون هديه -ﷺ- في اللحى الذي هو توفيرُها
_________________
(١) أخرجه أحمد "٤/١٠٨، ١٠٩"، وأبو داود برقم "٣٦".
[ ٨٤ ]
وإكرامُها إلى العبث بها على وجهٍ يتشبهون فيه بالأعاجم أو بأهل الترف والميوعة. أو يُخلُّون بعقيدة التوحيد باستعمال الوسائل الشركية فيلبسون القلائد أو يُلبسونها دوابَّهم يستدفعون بها المحذور. أو يرتكبون ما نهى عنه نبيهم من الاستجمار بروث الدواب والعظام. فأوصى النبي –ﷺ- صاحبه أن يبلغ الأمة أن نبيها يتبرأ ممن يفعل شيئًا من ذلك.
مناسبة الحديث للباب: أن فيه النهي عن تقليد الأوتار لدفع المحذورات وأنه شرك؛ لأنه لا يقدر على ذلك إلا الله.
ما يستفاد من الحديث:
١- عَلَم من أعلام النبوة، فإن رويفعًا طالت حياته إلى سنة ٥٦هـ.
٢- وجوب إخبار الناس بما أُمِروا به ونُهوا عنه مما يجب فعله أو تركه.
٣- مشروعية إكرام اللحية وإعفائها وتحريم العبث بها بحلق أو قص أو عقد أو تجعيد أو غير ذلك.
٤- تحريم اتخاذ القلادة لدفع المحذور، وأنه شرك.
٥- تحريم الاستنجاء بالروث والعظم.
٦- أن هذه الجرائم المذكورة من الكبائر.
* * *
[ ٨٥ ]
وعن سعيد بن جبير قال: "من قطع تميمة من إنسان كان كعِدل رقبة". رواه وكيع. وله عن إبراهيم: كانوا يكرهون التمائم كلها من القرآن وغير القرآن.
_________________
(١) وكيع: هو: وكيع بن الجراح ثقة إمامٌ صاحب تصانيفَ مات سنة ١٩٧هـ. إبراهيم: هو الإمام إبراهيم النخعي ثقة من كبار الفقهاء مات سنة ٩٦هـ. كعدل رقبة: أي كان له مثل ثواب من أعتق رقبة. وله: أي وروى وكيع أيضا. وكانوا: أي أصحاب عبد الله بن مسعود وهم منا سادات التابعين. معنى الأثرين إجمالًا: الإخبار أن من أزال عن إنسان ما يعلِّقه على نفسه لدفع الآفات فله من الثواب مثل ثواب من أعتق رقبة من الرق؛ لأن هذا الإنسان صار بتعليق التمائم مستعبدًا للشيطان فإذا قطعها عنه أزال عنه رِقَّ الشيطان. ويحكي إبراهيم النخعي عن بعض سادات التابعين أنهم يعمِّمون المنع من تعليق التمائم ولو كانت مكتوبًا فيها قرآنٌ فقط سدًا للذريعة. مناسبة الأثرين للباب ظاهرة: فإن فيهما حكاية المنع من تعليق التمائم مطلقًا عن هؤلاء الأجلاء من سادات التابعين. ما يستفاد من الأثرين:
[ ٨٦ ]
١- فضل قطع التمائم؛ لأن ذلك من إزالة المنكر وتخليص الناس من الشرك.
٢- تحريم تعليق التمائم مطلقًا ولو كانت من القرآن عند جماعة من التابعين.
٣- حرص السلف على صيانة العقيدة عن الخرافات.
* * *
[ ٨٧ ]