وقول الله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ الآية.
_________________
(١) تمام الآية: ﴿فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاء رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف: ١١٠] . مناسبة ذكر هذا الباب في كتاب التوحيد: أنه لما كان الرياء مخلًا بالتوحيد ومحبطًا للعمل الذي قارنه ناسب أن ينبه عليه المؤلف في هذا الباب. الرياء: مصدر راءى مراءاة ورياء وهو أن يقصد أن يرى الناس أنه يعمل عملًا على صفة وهو يضمر في قلبه صفة أخرى. قل: الخطاب للنبي -ﷺ- أي: قل للناس. أنا بشر مثلكم: أي: في البشرية ليس لي من الربوبية ولا من الإلهية شيء. أنما إلهكم إله واحد: أي: معبودكم بحق الذي أدعوكم إلى عبادته معبودٌ واحدٌ لا شريك له. يرجو لقاء ربه: أي: يخاف المصير إليه ويطمع برؤيته يوم القيامة. عملًا صالحًا: هو: ما كان موافقًا لشرع الله مقصودًا به وجهه.
[ ٢٨٥ ]
ولا يشرك بعبادة ربه: أي: لا يرائي بعمله.
أحدًا: نكرة في سياق النفي، فتعم كل واحد كائنًا من كان.
المعنى الإجمالي: يأمر الله تعالى نبيه –ﷺ- أن يخبر الناس أنه بشر مثلهم في البشرية ليس له من الربوبية والألوهية شيءٌ، وإنما مهمته إبلاغ ما يوحيه الله إليه، وأهم ما أوحي أليه أن المعبود حقًا معبودٌ واحد –هو الله- لا يجوز أن يشرك معه أحدٌ في العبادة، ولا بد من المصير إليه في يوم القيامة، فالذي يرجو النجاة في هذا اليوم من عذاب الله يستعد له بالعمل الخالص من الشرك الموافق لما شرعه الله.
مناسبة الآية للباب: أن فيها الأمر بإخلاص العمل من الشرك الذي منه الرياء.
ما يستفاد من الآية:
١- أن أصل الدين هو إفراد الله بالعبادة.
٢- أن الرياء شرك.
٣- أن الشرك الواقع من المشركين هو الشرك في العبادة.
٤- أنه لا يجوز أن يُعبد مع الله أحدٌ لا من الأصنام ولا من الأنبياء والصالحين ولا غيرهم.
* * *
[ ٢٨٦ ]
وعن أبي هريرة –﵁- مرفوعًا: "قال الله تعالى: أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عملًا أشرك معيَ فيه غيري تركته وشركه" رواه مسلم (١) .
ــ
أنا أغنى الشركاء عن الشرك: أي: عن مشاركة أحد، وعن عملٍ فيه شرك.
أشرك معيَ فيه غيري: أي: قصد بعمله غيري من المخلوقين.
تركته وشركه: أي: لم أقبل عمله بل أتركه لغير ذلك.
معنى الحديث إجمالًا: يروي النبي –ﷺ- عن ربه ﷿ –وهو يسمَّى بالحديث القدسي- أنه يتبرأ من العمل الذي دخله مشاركةٌ لأحد برياءٍ أو غيره؛ لأنه سبحانه لا يقبل إلا ما كان خالصًا لوجهه.
مناسبة ذكره في الباب: أنه يدل على عدم قبول العمل الذي داخله رياءٌ أو غيره من أنواع الشرك.
ما يستفاد منه:
١- التحذير من الشرك بجميع أشكاله؛ وأنه مانعٌ من قبول العمل.
٢- وجوب إخلاص العمل لله من جميع شوائب الشرك.
٣- وصف الله بالغنى.
٤- وصف الله بالكلام.
_________________
(١) أخرجه مسلم برقم "٢٩٨٥" وأحمد "٢/٣٠١، ٤٣٥" وابن ماجه برقم "٤٢٠٢" وابن خزيمة برقم "٩٣٨".
[ ٢٨٧ ]
وعن أبي سعيد –﵁- مرفوعًا: "ألا أخبركم بما هو أخوف عليكم عندي من المسيح الدجال؟ " قالوا: بلى. قال: "الشرك الخفي، يقوم الرجل فيصلي، فيزيّن صلاته، لما يرى من نظر رجل" رواه أحمد (١) .
ــ
أخوف: أفعل تفضيل أي: أشد خوفًا.
المسيح: صحاب الفتنة العظمى، سُمِّي مسيحًا؛ لأن عينه ممسوحةٌ، أو لأنه يمسح الأرض أي: يقطعها بسرعة.
الدجال: كثير الدجَل أي: الكذب.
الشرك الخفي: سماه خفيًا؛ لأن صاحبه يُظهر أن عمله لله وهو في الباطن قد قصد به غيرَه.
يزيِّن صلاته: يحسِّنها ويُطيلُها ونحو ذلك.
المعنى الإجمالي للحديث: كان الصحابة يتذاكرون فتنةَ المسيح الدجال ويتخوفون منها، فأخبرهم –ﷺ- أن هناك محذورًا يخافه عليهم أشد من خوفِ فتنة الدجال وهو الشرك في النية والقصد الذي لا يظهر للناس، ثم فسَّره بتحسين العمل الذي يُبتغى به وجه الله من أجل رؤية الناس.
مناسبة ذكر الحديث في الباب: أن فيه التحذير من الرياء، وفيه تفسيرُه.
_________________
(١) أخرجه ابن ماجه برقم "٤٢٠٤". وأحمد في المسند ٣/٣٠.
[ ٢٨٨ ]
ما يستفاد من الحديث:
١- في الحديث شفقته –ﷺ- على أمته ونصحُه لهم.
٢- أن الرياء أخوف على الصالحين من فتنة الدجال.
٣- الحذر من الرياء ومن الشرك عمومًا.
* * *
[ ٢٨٩ ]