وقول الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَلِمُواْ لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاَقٍ﴾ [البقرة: ١٠٢] .
وقوله: ﴿يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ﴾ [النساء: ٥١] .
قال عمر: الجبت: السحر. والطاغوت: الشيطان.
وقال جابر: الطواغيت: كهّان كان ينزل عليهم الشيطان في كل حيٍّ واحد.
_________________
(١) مناسبة الباب لكتاب التوحيد: أنه لمّا كان السحر من أنواع الشرك إذ لا يأتي السحر بدون الشرك، عقد له المصنف هذا الباب في كتاب التوحيد؛ ليبين ذلك تحذيرًا منه. ما جاء: أي: من الوعيد وبيان منافاته للتوحيد وتكفير فاعله. في السحر: السحر لغة: عبارةٌ عما خفي ولطُف سببه. وشرعًا: عزائم ورقى وكلام يُتكلم به وأدوية وتدخينات وعُقد، يؤثر في القلوب والأبدان، فيُمرض ويَقتل ويفرّق بين المرء وزوجه. ولقد علموا: أي: علم اليهود الذين استبدلوا السحر عن متابعة الرسل. لمن اشتراه: أي: رضي بالسحر عوضًا عن شرع الله ودينه. من خلاق: من نصيب.
[ ١٩٩ ]
الجبت: كلمةٌ تقع على الصنم والساحر والكاهن. وتفسير عمر له بالسحر من تفسير الشيء ببعض أفراده.
الطاغوت: من الطغيان وهو: مجاوزة الحد، فكل من تجاوز المقدار والحد في العصيان فهو طاغوت.
الطواغيت كهّانٌ: المراد به أن الكهان من الطواغيت فهو من أفراد المعنى وليس المراد الحصر.
ينزل عليهم الشيطان: أي: الشياطين لا إبليس خاصة فهو اسم جنس.
في كل حي: في كل قبيلة.
المعنى الإجمالي للآيتين: يقول تعالى: ولقد علم اليهود الذين استبدلوا السحر عن متابعة الرسل والإيمان بالله لمن استبدل السحر بكتاب الله ومتابعة رسله ما له نصيب في الآخرة، وفي الآية الثانية: يخبر تعالى عن اليهود أنهم يصدقون بالجبت الذي منه السحر.
مناسبة الآيتين للباب: أنهما يدلان على تحريم السحر وأنه من الجبت.
ما يستفاد من الآيتين:
١- تحريم السحر.
٢- كفر الساحر.
٣- الوعيد الشديد لمن أعرض عن كتاب الله، واستبدل به غيره.
٤- أن السحر من الشرك المنافي للتوحيد؛ لأنه استخدامٌ للشياطين وتعلق بهم.
* * *
[ ٢٠٠ ]
وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله - ﷺ- قال: "اجتنبوا السبع الموبقات" قالوا: يا رسول الله، وما هن؟ قال: "الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات" (١) .
ــ
هذا الحديث رواه البخاري ومسلمٌ.
اجتنبوا: أبعدوا.
الموبقات: المهلكات، سُميت موبقات؛ لأنها تهلك فاعلها في الدنيا والآخرة.
الشرك بالله: بأن يجعل لله ندًا يدعوه ويرجوه ويخافه.
التي حرم الله: أي: حرم قتلها.
إلا بالحق: أي: بفعل موجبٍ للقتل.
وأكل الربا: أي؛ تناوله بأي وجه.
وأكل مال اليتيم: يعني: التعدي فيه –واليتيم: من مات أبوه وهو دون البلوغ.
التولي يوم الزحف: أي الإدبار من وجوه الكفار وقت القتال.
وقذفُ المحصنات: رميهن بالزنا –والمحصنات: المحفوظات من الزنا. والمراد: الحرائر العفيفات.
_________________
(١) أخرجه البخاري برقم "٢٧٦٦" ومسلم برقم "٨٩" وأبو داود برقم "٢٨٧٤".
[ ٢٠١ ]
الغافلات: عن الفواحش وما رمين به - أي البريئات.
المؤمنات: بالله.
المعنى الإجمالي للحديث: يأمر -ﷺ- أمته بالابتعاد عن سبع جرائم مهلكاتٍ، ولما سُئل عنها ما هي؟ بيّنها بأنها الشرك بالله، باتخاذ الأنداد له من أي شكل كانت، وبدأ بالشرك؛ لأنه أعظم الذنوب، وقتلِ النفس التي منع الله من قتلها إلا بمسوغٍ شرعي، وتناول الربا بأكلٍ أو بغيره من وجوه الانتفاع، والتعدي على مال الطفل الذي مات أبوه، والفرار من المعركة مع الكفار، ورمي الحرائر العفيفات بالزنا.
وجه سياق الحديث في باب السحر: أن فيه دليلًا على تحريم السحر واعتباره من الكبائر المهلكة.
ما يستفاد من الحديث:
١- تحريم الشرك، وأنه هو أكبر الكبائر وأعظم الذنوب.
٢- تحريم السحر، وأنه من الكبائر المهلكة ومن نواقض الإسلام.
٣- تحريم قتل النفس بغير حق.
٤- جواز قتل النفس إذا كان بحقٍّ كالقصاص والردة والزنا بعد إحصان.
٥- تحريم الربا وعظيم خطره.
٦- تحريم الاعتداء على مال الأيتام.
٧- تحريم الفرار من الزحف.
٨- تحريم القذف بالزنا واللواط.
٩- أن قذف الكافر ليس من الكبائر.
* * *
[ ٢٠٢ ]
وعن جندب مرفوعًا: "حد الساحر ضربهُ بالسيف" رواه الترمذي. وقال: الصحيح أنه موقوف (١) .
وفي صحيح البخاري عن بجالة بن عَبَدة قال: كتب عمر بن الخطاب: "أن اقتلوا كل ساحر وساحرة". قال: فقتلنا ثلاث سواحر (٢) .
وصح عن حفصة ﵂ أنها أمرت بقتل جارية لها سحرتها. فقُتلت (٣) . وكذلك صح عن جندب.
قال أحمد: عن ثلاثة من أصحاب النبي - ﷺ-.
ــ
حد الساحر: أي: عقوبته.
ضربهُ بالسيف: أي: قتله، رُوي "ضربه" بالهاء والتاء.
موقوفٌ: أي: من كلام الصحابي لا من كلام النبي -ﷺ-.
عن ثلاثة من أصحاب رسول الله: هم: عمر، وحفصة، وجندب.
مناسبة الآثار للباب: أن فيها بيانَ حدّ الساحر بأنه القتل؛ مما يدل على عِظَم جريمة السحر وأنه من الكبائر.
ما يستفاد من الآثار:
١- بيان حد الساحر وأنه يُقتل ولا يُستتاب.
٢- وجود تعاطي السحر في المسلمين على عهد عمر فكيف بمن بعده.
_________________
(١) أخرجه الترمذي برقم "١٤٦٠"، والبيهقي في سننه الكبرى "٨/١٣٦"، والحاكم في المستدرك "٤/٣٦٠".
(٢) أخرجه البخاري برقم "٣١٥٦" وأحمد في المسند "١/١٩٠".
(٣) أخرجه مالك في موطئه "٢/٨٧٢".
[ ٢٠٣ ]