روى مسلم في صحيحه عن بعض أزواج النبي - ﷺ- عن النبي - ﷺ- قال: "من أتى عرَّافًا فسأله عن شيء فصدّقه لم تقبل له صلاة أربعين يومًا" (١) .
ــ
الكهان: جمع كاهن وهو الذي يخبر عن المغيبات في المستقبل اعتمادًا على الاستعانة بالشياطين.
مناسبة الباب لكتاب التوحيد: لما كان الكهان ونحوهم يدّعون علم الغيب الذي قد اختص به الله تعالى، وذلك دعوى مشاركة الله تعالى في علم الغيب، أراد المصنف أن يبين في هذا الباب ما جاء في حقهم وحق من صدّقهم من الوعيد.
ما جاء في الكهان: أي: من التغليظ والوعيد.
ونحوهم: كالعرافين والمنجّمين والرمّالين.
عن بعض أزواج النبي: هي: حفصة.
لم تقبل له صلاة: أي: لا ثواب له فيها.
المعنى الإجمالي للحديث: يبين -ﷺ- الوعيد المترتب على الذهاب إلى الكهان ونحوهم لسؤالهم عن المغيبات التي لا يعلمها إلا الله، أن جزاءَ من فعل ذلك حرمانُه من ثواب صلاته لمدة أربعين يومًا؛ لتلبّسه بالمعصية. وفي هذا وعيد شديد ونهيٌ أكيد عن هذا الفعل، مما
_________________
(١) أخرجه مسلم برقم "٢٢٤٠" وأحمد في مسنده "٤/٦٨"، "٥/٣٨٠".
[ ٢١٣ ]
يدل على أنه من أعظم المحرمات، وإذا كان هذا جزاءُ من أتى الكاهن فكيف بجزاء الكاهن نفسه! نعوذ بالله من ذلك ونسأل الله العافية.
مناسبة الحديث للباب: أن فيه النهي عن إتيان الكُهّان ونحوهم، وعن تصديقهم لمنافاته للتوحيد.
ما يستفاد من الحديث:
١- المنع من الذهاب إلى الكهان وسؤالهم عن المغيبات وتصديقهم في ذلك وأنه كفر.
٢- تحريم الكهانة، وأنها من الكبائر.
فائدة؛ من ذهب إلى الكهّان ولم يصدقهم لم تقبل له صلاة أربعين يومًا، كما جاء في ذلك الحديث الآخر وأما من صدّقهم فقد كفر بما أنزل على محمد –ﷺ-.
[ ٢١٤ ]
وعن أبي هريرة عن النبي - ﷺ- قال: "من أتى كاهنًا فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد - ﷺ-" (١) رواه أبو داود.
وللأربعة والحاكم وقال: صحيح على شرطهما عن النبي –ﷺ-: "من أتى عرافًا أو كاهنًا فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد - ﷺ-" (٢) .
ولأبي يعلى بسند جيد عن ابن مسعود موقوفًا (٣) .
ــ
بما أُنزل على محمد: أي: الكتاب والسنة.
المعنى الإجمالي للحديث بروايتيه: الوعيد الشديد على إتيان الكهان والعرافين لسؤالهم عن المغيبات وتصديقهم في ذلك؛ لأن علم الغيب قد اختص الله تعالى به. فمن أتاهم وصدّقهم فقد كفر بالوحي المنزّل على محمد –ﷺ-.
مناسبة الحديث للباب: أن فيه النهي عن إتيان الكهّان والعرافين وبيان الوعيد في ذلك.
ما يستفاد من الحديث:
١- تحريم الذهاب إلى الكهان والعرافين وسؤالهم ووجوب الابتعاد
_________________
(١) أخرجه أبو داود برقم "٣٩٠٤" وأحمد في مسنده "٢/٤٠٨، ٤٢٩، ٤٧٦".
(٢) أخرجه الحاكم في المستدرك "١/٨" وأحمد في المسند "٢/٤٢٩".
(٣) أخرجه أبو يعلى في مسنده "رقم ٥٤٠٨" والبزار كما في الكشف "رقم ٢٠٦٧" وقال الهيثمي في مجمع الزوائد "٥/١١٨": رواه البزار ورجاله رجال الصحيح خلا هبيرة بن يريم وهو ثقة.
[ ٢١٥ ]
عنهم؛ لأن ذلك كفرٌ إذا صدقهم، ومحرمٌ إذا لم يصدقهم.
٢- وجوب تكذيب الكهان والمنجمين.
٣- من أتاهم وصدقهم فقد كفر بالوحي المنزل على محمد –ﷺ-.
٤- أنه الكهانة شرك؛ لأنها تتضمن دعوى مشاركة الله تعالى في علم الغيب.
* * *
[ ٢١٦ ]
وعن عمران بن حصين -﵁- مرفوعًا: "ليس منا من تَطيّر أو تُطير له، أو تَكهن أو تُكهن له، أو سَحر أو سُحر له، ومن أتى كاهنًا فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد - ﷺ-" (١) رواه البراز بإسناد جيد، ورواه الطبراني في الأوسط بإسناد حسن من حديث ابن عباس دون قوله: "ومن أتى" إلى آخره.
قال البغوي: العرَّاف: الذي يدعي معرفة الأمور بمقدمات يستدل بها على المسروق ومكان الضالة ونحو ذلك -وقيل: هو الكاهن.
والكاهن هو الذي يخبر عن المغيبات في المستقبل.
وقيل: الذي يخبر عما في الضمير.
وقال أبو العباس ابن تيمية: العراف: اسم للكاهن والمنجِّم والرّمَّال ونحوهم ممن يتكلم في معرفة الأمور بهذه الطرق.
ــ
ليس منا: أي: لا يفعل هذا من هو من أشياعنا العاملين باتباعنا المقتفين لشرعنا.
من تطيّر: فَعل الطيرة.
_________________
(١) قال الهيثمي في مجمع الزوائد "٥/١١٧": رواه البزار ورجاله رجال الصحيح خلا إسحاق بن الربيع وهو ثقة.
[ ٢١٧ ]
أو تُطير له: أمر من يُتطير له. ومثله بقية الألفاظ.
المعنى الإجمالي للحديث: يقول –ﷺ-: لا يكون من أتباعنا المتبعين لشرعنا من فعل الطيرة أو الكهانة أو السحر أو فُعلت له هذه الأشياء؛ لأن فيها ادعاء لعلم الغيب الذي اختص الله به، وفيها إفساد للعقائد والعقول، ومن صدّق من يفعل شيئًا من هذه الأمور فقد كفر بالوحي الإلهي الذي جاء بإبطال هذه الجاهليات ووقاية العقول منها. ويلحق بذلك ما يفعله بعض الناس من قراءة ما يسمّى بالكف، أو ربط سعادة الإنسان وشقائه وحظّه بالبروج ونحو ذلك.
وقد بين كلٌّ من الإمامين البغوي وابن تيمية معنى العرّاف والكاهن المنجم والرّمّال بما حاصلُه: أن كل من يدعي علم شيءٍ من المغيبات فهو إما داخلٌ في اسم الكاهن أو مشاركٌ له في المعنى فيلحق به، والكاهن هو الذي يخبر عما يحصل في المستقبل ويأخذ عن مسترق السمع من الشياطين كما سبق في أول كتاب التوحيد.
مناسبة الحديث للباب: أن فيه النهي والتغليظ عن فعل الكهانة ونحوها وتصديق أهلها.
ما يستفاد من الحديث:
١- تحريم ادعاء علم الغيب؛ لأنه ينافي التوحيد.
٢- تحريم تصديق من يفعل ذلك بكهانةٍ أو غيرها؛ لأنه كفرٌ.
٣- وجوب تكذيب الكهان ونحوهم ووجوب الابتعاد عنهم وعن علومهم.
٤- وجوب التمسك بما أُنزل على الرسول –ﷺ- وطرح ما خالفه.
* * *
[ ٢١٨ ]
وقال ابن عباس في قوم يكتبون أبا جاد، وينظرون في النجوم: ما أرى من فعل ذلك له عند الله من خلاق (١) .
ــ
يكتبون أبا جاد: أي: يقطعون حروف "أبجد هوز إلخ" التي تسمى حروف الجمل ويتعلمونها لادعاء علم الغيب.
وينظرون في النجوم: أي: ويعتقدون أن لها تأثيرًا فيبنون أمورهم على زعمٍ فاسدٍ واعتقادٍ باطل في النجوم والحساب الذي يظنون أنهم يدركون به علم الغيب.
ما أرى: بفتح الهمزة بمعنى: لا أعلم، وبضمها بمعنى: لا أظن.
من خلاق: من نصيب.
المعنى الإجمالي للأثر: يقول ابن عباس: لا أعلم ولا أظن أن من يكتب حروف أبا جاد وينظر في النجوم ويبني على ذلك الحكم على المستقبل، ما أرى لمن فعل ذلك نصيبًا عند الله؛ لأن ذلك يدخل في حكم العرّافين المدّعين لعلم الغيب.
مناسبة الأثر للباب: أنه يدل على أن كتابة أبا جاد وتعلّمها لمن يدعي بها معرفة علم الغيب والنظر في النجوم على اعتقاد أن لها تأثيرًا، كل ذلك يدخل في العرافة ومن فعله فقد أضاع نصيبه من الله.
ما يستفاد من الأثر:
١- تحريم تعلّم أبي جاد على وجه ادعاء علم الغيب به؛ لأنه ينافي
_________________
(١) قال الهيثمي في مجمع الزوائد "٥/١١٨": رواه الطبراني وفيه خالد بن يزيد العمري وهو كذاب.
[ ٢١٩ ]
التوحيد. أما تعلّمها للتهجّي وحساب الجمل فلا بأس به.
٢- تحريم التنجيم؛ لأنه وسيلةٌ إلى الشرك بالله تعالى.
٣- عدم الاغترار بما يُؤتاه أهل الباطل من معارفهم وعلومهم.
لأن ذلك من باب الاستدراج لهم.
* * *
[ ٢٢٠ ]