وقول الله تعالى: ﴿يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ مَّا قُتِلْنَا هَاهُنَا ﴾ الآية.
_________________
(١) تمام الآية: ﴿قُل لَّوْ كُنتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ وَلِيَبْتَلِيَ اللهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحَّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَاللهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ [آل عمران: ١٥٤] . مناسبة هذا الباب لكتاب التوحيد: أن من كمال التوحيد الاستسلام للقضاء والقدر؛ وأن قول "لو" لا يُجدي شيئًا، وهو يشعر بعدم الرضا بالقدر وهذا مخلٌّ بالتوحيد. ما جاء في اللو: أي: من الوعيد والنهي عنه. يقولون: أي: يقول بعض المنافقين يوم أحد معارضةً للقدر. لو كان لنا من الأمر شيءٌ: أي: لو كان الاختيار إلينا. ما قُتلنا هاهنا: أي: لما غُلبنا ولما قُتل من قُتل منا في هذه المعركة. لو كنتم في بيوتكم: أي: وفيكم من كتب الله عليه القتل. لبرز: أي خرج. الذين كُتب: أي قُضي. عليهم القتل: أي: منكم. إلى مضاجعهم: أي: مصارعهم ولم يُنجِّهم قعودُهم؛
[ ٣٧٦ ]
لأن قضاء الله كائن لا محالة.
وليبتلي الله: أي: يختبر.
ما في صدوركم: أي: قلوبكم من الإخلاص والنفاق.
وليمحِّص ما في قلوبكم: أي: يميِّز ما تنطوي عليه من النيات.
بذات الصدور: بما في القلوب فهو غنيٌّ عن الابتلاء وإنما يفعله ليظهر للناس وليترتب عليه الثواب والعقاب.
المعنى الإجمالي للآية: يخبر الله –سبحانه- عما كان يكنه المنافقون يوم وقعة أحد من الاعتراض على القدر والتسخط لما وقع عليهم من الله، وأنهم يقولون: لو كان الاختيار والمشورة إلينا ما خرجنا؛ ولنجونا مما حصل من الهزيمة والقتل، فرد الله عليهم بأن ما حصل قدرٌ مقدَّر لا ينجي منه البقاء في البيوت؛ فالتلهّف وقول: "لو" لا يجدي شيئًا.
مناسبة الآية للباب: أن قول: "لو" في المقدرة لا يجوز؛ وهو من كلام المنافقين.
ما يستفاد من الآية:
١- النهي عن قول: "لو" في الأمور المقدرة؛ لأنها تدل على التسخط على القدر وتجدد الأحزان في النفوس، أما قول: "لو" تندُّمًا على فوات الطاعة فلا بأس به؛ لأنه يدل على الرغبة في الخير.
٢- مشروعية الاستسلام للقضاء والقدر وعدم تسخّطِه.
٣- أن الحذر لا يُنجي من القدر.
٤- أن من كُتب عليه الموت في محلّ فلا بد أن يذهب إليه، ولو حاول الامتناع عنه.
[ ٣٧٧ ]
وقوله: ﴿الَّذِينَ قَالُواْ لإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُواْ لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا﴾ الآية.
_________________
(١) تمام الآية: ﴿قُلْ فَادْرَؤُوا عَنْ أَنفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ [آل عمران: ١٦٨] . قالوا لإخوانهم: أي: قالوا للمسلمين المجاهدين، سُمّوا إخوانهم؛ لموافقتهم في الظاهر، وقيل: إخوانهم في النسب. وقعدوا: أي: عن الجهاد. لو أطاعونا: أي: في القعود. ما قتلوا: أي: كما لم نُقتل. قل: أي: لهؤلاء. فادرءوا عن أنفسكم الموت: أي: ادفعوه عنها. إن كنتم صادقين: أي: في أن القعود ينجّي منه. المعنى الإجمالي للآية: ينكر تعالى على المنافقين الذين يعارضون القدر بقولهم لمن خرج مع رسول الله -ﷺ- يوم أحد: لو سمعوا مشورتنا عليهم بالقعود وعدم الخروج ما قتلوا مع من قُتل، ويرد عليهم بأنهم إن كانوا يقدرون على دفع القتل عمن كُتب عليه فليدفعوا الموت عن أنفسهم، فهي أولى بالدفع عنها، فإذا لم يقدروا على الدفع عنها فغيرُها من باب أولى. مناسبة الآية للباب: أن قول: "لو" في الأمور المقدّرة من سمات
[ ٣٧٨ ]
المنافقين.
ما يستفاد من الآية:
١- التحذير من قول: "لو" على وجه المعارضة للقدر والتأسّف على المصائب.
٢- أن مقتضى الإيمان الاستسلام للقضاء والقدر؛ وأن عدم الاستسلام له من صفات المنافقين.
٣- مشروعية مجادلة المنافقين وغيرهم من أهل الباطل؛ لإبطال شبَهِهم ودحض أباطيلهم.
* * *
[ ٣٧٩ ]
في الصحيح عن أبي هريرة –﵁- أن رسول الله - ﷺ- قال: "احرص على ما ينفعك، واستعن بالله، ولا تعجزَنَّ، وإن أصابك شيء فلا تقل: لو أني فعلت كذا؛ لكان كذا وكذا، ولكن قل: قدر الله وما شاء فعل؛ فإن لو تفتح عمل الشيطان" (١) .
ــ
في الصحيح: أي: في صحيح مسلم.
احرص: الحرص هو: بذل الجهد واستفراغ الوُسع.
على ما ينفعك: يعني: في معاشك ومعادك.
واستعن بالله: أي: الإعانة في جميع أمورك من الله لا من غيرِه.
ولا تعجزنَّ: بكسر الجيم وفتحها: أي: لا تفرّط في طلب ما ينفعك متّكلًا على القدر، ومستسلمًا للعجز والكسل.
وإن أصابك شيءٌ: أي: وإن غلبك أمر ولم يحصل المقصود بعد بذل الجهد والاستطاعة.
فلا تقل: لو أني فعلت كذا: أي: فإن هذا القول لا يُجدي عليك شيئًا.
ولكن قل: قدَر الله: أي: لأن ما قدره لا بد أن يكون والواجب التسليم للمقدور.
فإن لو تفتح عمل الشيطان: أي: لما فيها من التأسف على ما فات
_________________
(١) أخرجه مسلم برقم "٢٦٦٤" وأحمد "٢/٣٦٦، ٣٧٠".
[ ٣٨٠ ]
والتحسر والحزن ولوم القدر.
المعنى الإجمالي للحديث: يأمر النبي –ﷺ- في هذا الحديث بالحرص على النافع من الأعمال، والاستعانة بالله في القيام بها، وترقّب ثمراتها، وينهى عن العجز؛ لأنه ينافي الحرص على ما ينفع، ولما كان الإنسان معرضًا للمصائب في هذه الدنيا أمر بالصبر والتحمّل وعدم التلوّم بقول: لو أنني فعلت، لو أنني تركت؛ لأن ذلك لا يجدي شيئًا مع أنه يفتح على الإنسان ثغرةً لعدوِّه الشيطان يدخل عليه منها فيُحزنُه.
مناسبة ذكر الحديث في الباب: أن فيه النهي عن قول: "لو" عند نزول المصائب، وبيان ما يترتب على قولها من المفسدة.
ما يستفاد من الحديث:
١- الحث على الاجتهاد في طلب النفع العاجل والآجل ببذل أسبابه.
٢- وجوب الاستعانة بالله في القيام بالأعمال النافعة والنهيُ عن الاعتماد على الحول والقوة.
٣- النهي عن العجز والبطالة وتعطيل الأسباب.
٤- إثبات القضاء والقدر وأنه لا ينافي بذل الأسباب والسعي في طلب الخيرات.
٥- وجوب الصبر عند نزول المصائب.
٦- النهي عن قول: "لو" على وجه التسخط عند نزول المصائب وبيانه مفسدتها.
٧- التحذير من كيد الشيطان.
* * *
[ ٣٨١ ]