عن أبي هريرة -﵁- قال: قال رسول الله - ﷺ-: "قال الله تعالى: ومن أظلم ممن ذهب يخلق كخلقي؛ فليخلقوا ذرة، أو ليخلقوا حبة، أو ليخلقوا شعيرة" (١) أخرجاه.
ــ
مناسبة هذا الباب لكتاب التوحيد: لما كان التصوير وسيلة الشرك المضاد للتوحيد، ناسب أن يعقد المؤلف هذا الباب؛ لبيان تحريمه وما ورد فيه من الوعيد الشديد.
ما جاء في المصورين: أي: من الوعيد الشديد.
ومن أظلم: أي: لا أحد أظلم منه.
يخلق كخلقي: أي: لأن المصور يضاهي خلق الله.
فليخلقوا: أمرُ تعجيز وتحدّ وتهديد.
ذرة: هي: النملة الصغيرة.
أو ليخلقوا: تعجيزٌ آخر.
حبة: أي: حبة حنطةٍ فيها طعم ومادة نبات وإنتاج.
أو ليخلقوا: تعجيزٌ آخر.
شعيرة: نوع آخر من الحبوب.
_________________
(١) أخرجه البخاري برقم "٥٩٥٣"، ومسلم برقم "٢١١١".
[ ٣٩٧ ]
المعنى الإجمالي للحديث: يروي النبي –ﷺ- عن ربه ﷿ أنه يقول: لا أحد أشد ظلمًا ممن يصور الصور على شكل خلق الله؛ لأنه بذلك يحاول مشابهة الله في فعله، ثم يتحداه الله –﷿- ويبين عجزه عن أن يخلق أصغر شيء من مخلوقاته وهو الذرة، بل هو عاجز عن أن يخلق ما هو أدنى من ذلك وهو الجماد الصغير، ومع ذلك لا قدرة لهم على ذلك كله؛ لأن الله هو المتفرد بالخلق.
مناسبة ذكر هذا الحديث في الباب: أنه يدل على تحريم التصوير، وأنه من أظلم الظلم.
ما يستفاد من الحديث:
١- تحريم التصوير، وبأي وسيلة وجد وأن المصور من أظلم الظالمين.
٢- وصف الله أنه يتكلم.
٣- أن التصوير مضاهاةٌ لخلق الله، ومحاولةٌ لمشاركته في الخلق.
٤- أن القدرة على الخلق من خصائص الله ﷾.
* * *
[ ٣٩٨ ]
ولهما عن عائشة -﵂-: أن رسول الله - ﷺ- قال: "أشد الناس عذابًا يوم القيامة الذين يضاهئون بخلق الله" (١) .
ــ
ولهما: أي: البخاري ومسلم.
يضاهئون بخلق الله: أي: يشابهون بما يصنعونه ما يصنعه الله.
المعنى الإجمالي للحديث: يخبر – ﷺ- خبرًا معناه: النهي والزجر، أن المصورين أشد الناس عذابًا في الدار الآخرة، لأنهم أقدموا على جريمة شنعاء وهي صناعتهم ما يشابه لخلق الله في صناعة الصور.
مناسبة الحديث للباب: أنه يدل على شدة عقوبة المصورين، مما يفيد أن التصوير جريمة كبرى.
ما يستفاد من الحديث:
١- تحريم التصوير بجميع أشكاله وبأي وسيلة وُجد، وأنه مضاهاة لخلق الله.
٢- أن العذاب يوم القيامة يتفاوت بحسب الجرائم.
٣- أن التصوير من أعظم الذنوب، وأنه من الكبائر.
* * *
_________________
(١) أخرجه البخاري برقم "٢٤٧٩"، ومسلم برقم "٢١٠٧".
[ ٣٩٩ ]
ولهما عن ابن عباس -﵄- سمعت رسول الله - ﷺ- يقول: "كل مصوِّر في النار، يُجعل له بكل صورة صوَّرها نفس يُعذَّب بها في جهنم" (١) . ولهما عنه مرفوعًا: "من صوّر صورة في الدنيا؛ كُلِّف أن ينفخ فيها الروح، وليس بنافخ" (٢) .
ــ
كل مصوّر: أي: لذي روح.
في النار: لتعاطيه ما يشبه ما انفرد الله به من الخلق والاختراع.
يجعل له بكل صورة نفسٌ يعذّب بها: الباء بمعنى "في" أي: يُجعل له في كل صورة روحٌ تعذِّبه نفس الصورة التي جُعلت فيها الروح.
المعنى الإجمالي للحديث: يخبر -ﷺ- أن مآل المصورين يوم القيامة إلى النار، يعذَّبون فيها بأشد العذاب بأن تُحضر جميع الصور التي صوَّروها في الدنيا، فيُجعل في كل صورة منها روحٌ ثم تُسلّط عليه بالعذاب في نار جهنم، فيعذب بما صنعت يده والعياذ بالله. ومن تعذيبه أيضًا أن يكلّف ما لا يطيق وهو نفخ الروح في الصورة التي صورها.
مناسبة الحديث للباب: أن فيه دليلًا على تحريم التصوير ووعيد المصورين.
ما يستفاد من الحديث:
١- تحريم التصوير وأنه من الكبائر.
_________________
(١) أخرجه البخاري برقم "٢٢٢٥"، ومسلم برقم "٢١١٠".
(٢) أخرجه البخاري برقم "٥٩٦٣"، ومسلم برقم "٢١١٠/١٠٠".
[ ٤٠٠ ]
٢- تحريم التصوير بجميع أنواعه: تماثيل أو نقوش، وسواء كان رسمًا باليد أو التقاطًا بآلة التصوير الفوتوغرافية، إذا كانت الصورة من ذوات الأرواح، إلا ما دعت إليه الضرورة.
٣- تحريم التصوير لأي غرض كان إلا لدفع ضرورة.
٤- في الرواية الأخيرة دليلٌ على طول تعذيب المصورين وإظهار عجزهم.
٥- فيها أن الخلق ونفخ الروح لا يقدر عليهما إلا الله تعالى.
* * *
[ ٤٠١ ]
ولمسلم عن أبي الهيَّاج؛ قال: قال لي عليّ –﵁-: "ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله - ﷺ-: ألا تدع صورة إلا طمستها ولا قبرًا مُشْرِفًا إلا سويته" (١) .
ــ
التراجم: أبو الهيّاج هو: حيَّان بن حُصين الأسدي تابعيّ ثقة.
ألا: أداة تنبيه.
أبعثك: أوجِّهك.
لا تدع: لا تترك.
إلا طمستها: أي: أزلتها ومحوتها.
مشرفًا: أي: مرتفعًا.
إلا سوَّيته: أي: جعلته مساويًا للأرض.
المعنى الإجمالي للحديث: يعرض أمير المؤمنين علي بن أبي طالب –﵁- على أبي الهياج أن يوجهه إلى القيام بالمهمة التي وجّهه رسول الله –ﷺ- للقيام بها وهي: إزالة الصور ومحوُها؛ لما فيها من المضاهاة لخلق الله والافتتان بها بتعظيمها؛ مما يؤول بأصحابها إلى الوثنية.
_________________
(١) أخرجه مسلم برقم "٩٦٩"، وأبو داود برقم "٣٢١٨"، والترمذي برقم "١٠٤٩"، وأحمد "١/٩٦، ١٢٩".
[ ٤٠٢ ]
وتسوية القبور العالية حتى تصير مساوية للأرض؛ لما في تعلِيتها من الافتتان بأصحابها واتخاذهم أندادًا لله في العبادة والتعظيم.
مناسبة الحديث للباب: أنه يدل على وجوب طمس الصور وإتلافها.
ما يستفاد من الحديث:
١- تحريم التصوير ووجوب إزالة الصور ومحوها بجميع أنواعها.
٢- التواصي بالحق والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وتبليغ العلم.
٣- تحريم رفع القبور ببناءٍ أو غيره؛ لأنه من وسائل الشرك.
٤- وجوب هدم القباب المبنية على القبور.
٥- أن التصوير مثل البناء على القبور وسيلة إلى الشرك.
* * *
[ ٤٠٣ ]