وقول الله تعالى: ﴿لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ﴾ الآية.
_________________
(١) تمام الآية: ﴿حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ [التوبة: ١٢٨] . مناسبة الباب لكتاب التوحيد: أن المصنف ﵀ لما بين في الأبواب السابقة شيئًا من حمايته -ﷺ- لجناب التوحيد، أراد أن يبين في هذا الباب حمايته الخاصة. المصطفى: هو المختار. جناب: أي: جانب. جاءكم: يا معشر العرب. من أنفسكم: من جنسكم وبلغتكم. عزيز عليه: أي: شديد عليه جدًا -وهو خبرٌ مقدم. ما عنتم: ما يشق عليكم ويلحق الأذى بكم من كفر وضلال وقتل وأسر و"ما" وما دخلت عليه في تأويل مصدر مبتدأٌ مؤخر. حريص عليكم: أي: شديد الحرص والرغبة في هدايتكم وحصول النفع العاجل والآجل لكم.
[ ١٨٣ ]
بالمؤمنين: أي: لا بغيرهم.
رءوف: بليغ الشفقة.
رحيم: بليغ الرحمة.
المعنى الإجمالي للآية: يخبر تعالى عباده على سبيل الامتنان أنه بعث فيهم رسولًا عظيمًا من جنسهم وبلغتهم، يشق عليه جدًا ما يشق عليهم، ويؤذيه ما يؤذيهم، شديد الحرص على هدايتهم وحصول النفع لهم، شديد الشفقة والرحمة بالمؤمنين خاصة منهم.
مناسبة الآية للباب: أن هذه الأوصاف المذكورة فيها في حق النبي –ﷺ- تقتضي أنه أنذر أمته وحذّرهم عن الشرك الذي هو أعظم الذنوب؛ لأن هذا هو المقصود الأعظم في رسالته.
ما يستفاد من الآية:
١- أن الرسول –ﷺ- قد حذّر أمته من الشرك وباعدها منه وسد كل طريق يفضي بها إليه.
٢- التنبيه على نعمة الله على عباده بإرسال هذا الرسول الكريم إليهم وكونه منهم.
٣- مدح نسب الرسول –ﷺ- فهو من صميم العرب وأشرفهم بيتًا ونسبًا.
٤- بيان رأفته ورحمته بالمؤمنين.
٥- فيها دليلٌ على غلظته وشدته على الكفار والمنافقين.
* * *
[ ١٨٤ ]
وعن أبي هريرة –﵁- قال: قال رسول الله –ﷺ-: "لا تجعلوا بيوتكم قبورًا، ولا تجعلوا قبري عيدًا، وصلوا علي فإن صلاتكم تبلغني حيث كنتم" (١) رواه أبو داود بإسناد حسن ورواته ثقات.
ــ
لا تجعلوا بيوتكم قبورًا: لا تعطّلوها من صلاة النافلة والدعاء والقراءة، فتكون بمنزلة القبور.
ولا تجعلوا قبري عيدًا: العيد: ما يعتاد مجيئه وقصده من زمان ومكان. أي: لا تتخذوا قبري محل اجتماعٍ تترددون إليه وتعتادونه للصلاة والدعاء وغير ذلك.
فإن صلاتكم تبلغني حيث كنتم: أي ما ينالني منكم من الصلاة يحصل مع قربكم وبعدكم من قبري فلا حاجة بكم إلى المجيء إليه والتردد عليه.
المعنى الإجمالي للحديث: نهى –ﷺ- عن تعطيل البيوت من صلاة النافلة فيها والدعاء وقراءة القرآن فتكون بمنزلة القبور؛ لأن النهي عن الصلاة عند القبور قد تقرر عندهم فنهاهم أن يجعلوا بيوتهم كذلك، ونهى عن تكرار زيارة قبره والاجتماع عنده على وجهٍ معتاد لأجل الدعاء والتقرب؛ لأن ذلك وسيلةٌ إلى الشرك، وأمر بالاكتفاء عن ذلك بكثرة الصلاة والسلام عليه في أي مكان من الأرض؛ لأن ذلك يبلغه من القريب والبعيد على حدّ سواء، فلا حاجة إلى انتياب قبره.
مناسبة الحديث للباب: أن فيه حسمًا لمادة الشرك، وسدًا للطرق
_________________
(١) أخرجه أبو داود برقم "٣٠٤٢" وأحمد في مسنده "٢/٣٦٧".
[ ١٨٥ ]
الموصلة إليه؛ حيث أفاد أن القبور لا يصلَّى عندها، ونهى عن الاجتماع عند قبره واعتياد المجيء إليه؛ لأن ذلك مما يوصل إلى الشرك.
ما يستفاد من الحديث:
١- سد الطرق المفضية إلى الشرك من الصلاة عند القبور والغلو في قبره –ﷺ- بأن يجعل محل اجتماع وارتياد ترتب له زيارات مخصوصة.
٢- مشروعية الصلاة والسلام عليه في جميع أنحاء الأرض.
٣- أنه لا مزية للقرب من قبره –ﷺ-.
٤- المنع من السفر لزيارة قبره –ﷺ-.
٥- حمايته –ﷺ- جناب التوحيد.
* * *
[ ١٨٦ ]
وعن علي بن الحسين: أنه رأى رجلًا يجيء إلى فُرجة كانت عند قبر النبي -ﷺ- فيدخل فيها فيدعو فنهاه وقال: ألا أحدثكم حديثًا سمعته من أبي عن جدي عن رسول الله -ﷺ- قال: "لا تتخذوا قبري عيدًا ولا بيوتكم قبورًا فإن تسليمكم يبلغني أينما -أو حيث- كنتم" رواه في المختارة.
_________________
(١) ترجمة علي بن الحسين: هو: علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب المعروف بزين العابدين أفضل التابعين مات سنة ٩٣هـ. فرجة: أي: فتحة في الجدار. المختارة: اسم كتابٍ يشتمل على الأحاديث الجياد الزائدة على الصحيحين لمؤلفه ضياء الدين محمد بن عبد الواحد المقدسي الحنبلي -﵀-. مناسبة الحديث للباب: أن فيه النهي عن قصد قبر النبي -ﷺ- لأجل الدعاء عنده، فغيرُه من القبور من باب أولى؛ لأن ذلك نوعٌ من اتخاذه عيدًا، وهو وسيلةٌ إلى الشرك. ما يستفاد من الحديث:
(٢) النهي عن الدعاء عند قبر النبي -ﷺ-؛ حمايةً لحمى التوحيد.
(٣) مشروعية إنكار المنكر وتعليم الجاهل.
(٤) المنع من السفر لزيارة قبر الرسول -ﷺ-؛ حمايةً للتوحيد.
(٥) أن الغرض الشرعي من زيارة قبر النبي -ﷺ- هو السلام عليه فقط؛ وذلك يبلغه من القريب والبعيد. * * *
[ ١٨٧ ]