عن عبد الله بن الشِّخِّير -﵁- قال: انطلقتُ في وفد بني عامر إلى رسول الله - ﷺ- فقلنا: أنت سيِّدنا. فقال: "السيد الله ﵎". فقلنا: وأفضلنا فضلًا، وأعظمنا طولًا. فقال: "قولوا بقولكم، أو بعض قولكم، ولا يستجرينكم الشيطان" (١) رواه أبو داود بسند جيِّد.
ــ
مناسبة هذا الباب لكتاب التوحيد: بيان أن التوحيد لا يتم إلا بتجنُّب كل قول يفضي إلى الغلو في المخلوق، ويُخشى منه الوقوع في الشرك.
التراجم: ابن الشِّخِّير: بكسر الشين وتشديد الخاء هو: عبد الله بن الشخير بن عوف بن كعب بن وقدان الحريشيّ أسلم يوم الفتح وله صحبةٌ ورواية.
حماية: حماية الشيء صونُه عما يتطرق إليه من مكروه وأذى.
المصطفى: أي: المختار من الصفوة وهي خالص الشيء.
حِمى التوحيد: صونُه عما يشوبه من الأعمال والأقوال التي
_________________
(١) أخرجه أبو داود برقم "٤٨٠٦"، وأحمد في مسنده "٤/٢٥".
[ ٤٢٤ ]
تضاده أو تنقصه.
السيد الله: أي: السُّؤدد التام لله ﷿، والخلق كلهم عبيد الله.
وأفضلُنا فضلًا: الفضل: الخيرية ضد النقيصة –أي: أنت خيرُنا.
طَولًا: الطوْل: الفضل والعطاء والقدرة والغنى.
قولوا بقولكم: أي: القول المعتاد لديكم ولا تتكلفوا الألفاظ التي تؤدي الغلو.
أو بعض قولكم: أي: أو دعوا بعض قولكم المعتاد واتركوه، تجنبًا للغلو.
لا يستجرينكم الشيطان: الجري: الرسول أي: لا يتخذكم جَرِيًّا أي: وكيلًا له ورسولًا.
المعنى الإجمالي للحديث: لما بالغ هذا الوفد في مدح النبي –ﷺ- نهاهم عن ذلك؛ تأدبًا مع الله وحمايةً للتوحيد، وأمرهم أن يقتصروا على الألفاظ التي لا غلوّ فيها ولا محذور؛ كأن يدعوه بمحمد رسول الله كما سماه الله ﷿.
مناسبة الحديث للباب: أن فيه النهي عن الغلو في المدح واستعمال الألفاظ المتكلفة التي ربّما توقع في الشرك.
ما يستفاد من الحديث:
١- تواضعه –ﷺ- وتأدبه مع ربه.
٢- النهي عن الغلو في المدح ومواجهة الإنسان به.
٣- أن السُّؤدد حقيقةٌ لله سبحانه، وأنه ينبغي ترك المدح بلفظ السيد.
٤- النهي عن التكلف في الألفاظ وأنه ينبغي الاقتصاد في المقال.
٥- حماية التوحيد عما يخل به من الأقوال والأعمال.
[ ٤٢٥ ]
وعن أنس -﵁- أن ناسًا قالوا: يا رسول الله، يا خيرنا وابن خيرنا، وسيدنا، وابن سيدنا. فقال: "يا أيها الناس، قولوا بقولكم، ولا يستهوينَّكم الشيطان، أنا محمدٌ عبد الله ورسوله، ما أحب أن ترفعوني فوق منزلتي التي أنزلني الله ﷿" (١) . رواه النسائي بسند جيد.
ــ
يا خيرَنا: أي: أفضلنا.
يستهوينكم الشيطان: أي: يُزين لكم هواكم، أو يذهب بعقولكم.
المعنى الإجمالي للحديث: كره –ﷺ- مدحَه بهذه الألفاظ ونحوها؛ لئلا يكون ذلك وسيلةً إلى الغلو فيه والإطراء؛ لأنه قد أكمل الله له مقامَ العبودية، فصار يكره أن يُبالغ في مدحه؛ صيانةً لهذا المقام، وإرشادًا للأمة إلى ترك ذلك؛ نصحًا لهم وحماية للتوحيد. وأرشدهم أن يصفوه بصفتين هما أعلى مراتب العبد، وقد وصفه الله بهما في مواضع وهما: عبد الله ورسوله، ولا يريد أن يرفعوه فوق هذه المنزلة التي أنزله الله إياها.
مناسبة الحديث للباب: أنه –ﷺ- نهى أن يُمدح بغير ما وصفه الله به؛
_________________
(١) أخرجه النسائي في عمل اليوم والليلة برقم "٢٤٨، ٢٤٩"، وأحمد في مسنده "٣/١٥٣، ٢٤١".
[ ٤٢٦ ]
صيانةً للتوحيد وسدًا لباب الغلو المُفضي إلى الشرك.
ما يستفاد من الحديث:
١- النهي عن الغلو في المدح، وتكلف الألفاظ في ذلك؛ لئلا يفضي إلى الشرك.
٢- تواضعه –ﷺ- وحرصه على صيانة العقيدة عما يخل بها.
٣- أنه عبد الله ورسوله، وليس له من الأمر شيء؛ والأمر كله لله سبحانه.
٤- التحذير من كيد الشيطان؛ وأنه قد يأتي من طريق الزيادة على الحد المشروع.
* * *
[ ٤٢٧ ]