وقول الله تعالى: ﴿وَأَوْفُواْ بِعَهْدِ اللهِ إِذَا عَاهَدتُّمْ وَلاَ تَنقُضُواْ الأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا﴾ الآية.
_________________
(١) تمام الآية: ﴿وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا إِنَّ اللهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ﴾ [النحل: ٩١] . مناسبة هذا الباب لكتاب التوحيد: التنبيه على أن الوفاء بالعهود تعظيمٌ لله، وعدم الوفاء بها عدم تعظيمٍ له؛ فهو قدحٌ في التوحيد. ما جاء في ذمة الله: ذمةُ الله هي: العهد، وفيه الحث على حفظها والوفاء بها إذا أُعطيت لأحد. وأوفوا بعهد الله: بالالتزام بمُوجِبه من عقود البيعة والأيمان وغيرها. ولا تنقُضُوا الأيمان: أي: أيمان البيعة أو مطلَق الأيمان. بعد توكيدها: أي: بعد توثيقها بذكر الله تعالى. وقد جعلتم الله عليكم كفيلًا: أي: شاهدًا عليكم بتلك البيعة. إن الله يعلم ما تفعلون: أي: من نقض الأيمان والعهود وهذا تهديد. المعنى الإجمالي للآية: يأمر تعالى بالوفاء بالعهود والمواثيق؛ والمحافظة على الأيمان المؤكّدة بذكره؛ لأنهم بذلك جعلوه سبحانه شاهدًا ورقيبًا عليهم؛ وهو سبحانه يعلم أفعالَهم وتصرفاتِهم وسيُجازيهم
[ ٤١٢ ]
عليها.
مناسبة الآية للباب: أنها تدل على وجوب الوفاء بالعهود، ومنها ما يجري بين الناس من إعطاء الذمة؛ فإنها يجب الوفاء بها؛ لأنها فردٌ من أفراد معنى الآية.
ما يستفاد من الآية:
١- وجوب الوفاء بالعهود والمواثيق.
٢- تحريم نقض العهود والأيمان الداخلة في العهود والمواثيق.
٣- إثبات العلم لله سبحانه وأنه لا يخفى عليه شيء.
٤- وعيد من نقض العهود والمواثيق.
* * *
[ ٤١٣ ]
عن بريدة -﵁- قال: كان رسول الله - ﷺ- إذا أمَّر أميرًا على جيش أو سَرِيَّة؛ أوصاه بتقوى الله –تعالى- ومن معه من المسلمين خيرًا، فقال: "اغزُوا بسم الله، في سبيل الله، قاتلوا من كفر بالله، اغزوا، ولا تغُلُّوا، ولا تغدِروا، ولا تُمَثِّلوا، ولا تقتلوا وليدًا.
وإذا لقِيت عدوك من المشركين، فادعهم إلى ثلاث خلال "أو خصال" فأيَّتُهُنَّ ما أجابوك: فاقبل منهم وكُفَّ عنهم: ثم ادعُهم إلى الإسلام، فإن أجابوك فاقبل منهم، ثم ادعهم إلى التحول من دارهم إلى دار المهاجرين، وأخبِرهم أنهم إن فعلوا ذلك؛ فلهم ما للمهاجرين، وعليهم ما على المهاجرين، فإن أبوا أن يتحولوا منها؛ فأخبرهم أنهم يكونون كأعراب المسلمين، يجري عليهم حكم الله الذي يجري على المؤمنين، ولا يكون لهم في الغنيمة والفيء شيءٌ، إلا أن يجاهدوا مع المسلمين، فإن هم أبوا؛ فاسألهم الجزية، فإن هم أجابوك؛ فاقبل منهم وكف عنهم، فإن هم أبوا؛ فاستعن بالله وقاتلهم.
وإذا حاصرت أهل حصن، فأرادوك أن تجعل ذمة الله وذمة نبيه؛ فلا تجعل لهم ذمة الله وذمة نبيه، ولكن اجعل لهم ذمتك وذمة أصحابك؛ فإنكم إن تخفروا ذممكم وذمة أصحابكم أهون من أن تخفروا ذمة الله وذمة نبيه.
[ ٤١٤ ]
وإذا حاصرت أهل حصن فأرادوك أن تنزلهم على حكم الله؛ فلا تنزلهم على حكم الله، ولكن أنزلهم على حكمك؛ فإنك لا تدري أتصيب حكم الله فيهم أم لا" (١) رواه مسلم.
ــ
أمَّر أميرًا: أي: جعل شخصًا أميرًا.
على جيشٍ: أي: جنود كثيرة.
أو سرية: هي: القطعة من الجيش تخرج منه وتغير وترجع إليه.
ومن معه: أي: بمن معه.
خيرًا: أي: أن يفعل بهم خيرًا.
اغزوا: أي: اشرعوا في فعل الغزو.
في سبيل الله: أي: في طاعته ومن أجله.
من كفر بالله: أي: لأجل كفرهم وخص منه من لا يجوز قتلُه من الكفار كالنساء ومن له عهد إلخ.
ولا تغلوا: الغلول: الأخذ من الغنيمة قبل قسمها.
ولا تغدروا: أي: لا تنقضوا العهد.
ولا تمثِّلوا: التمثيل: تشويه القتيل بقطع أعضائه.
وليدًا: هو: الصبيّ والعبد.
ثلاث خلال أو خصال: شكٌّ من الراوي ومعناهما واحد.
فاقبل منهم: أي: اقبل منهم الإسلام وكفّ عنهم القتال.
_________________
(١) أخرجه مسلم برقم "١٧٣١"، وأبو داود برقم "٢٦١٢، ٢٦١٣"، والترمذي برقم "١٦١٧"، وابن ماجه برقم "٤٨٥٨"، وأحمد في مسنده "٥/٣٥٢، ٣٥٨".
[ ٤١٥ ]
دار المهاجرين: يعني: المدينة إذ ذاك.
فلهم ما للمهاجرين: أي: في استحقاق الفيء والغنيمة.
ما على المهاجرين: من الجهاد وغيره.
كأعراب المسلمين: الساكنين في البادية من غير هجرة ولا غزو.
فاسألهم الجزية: أي: اطلب منهم أن يدفعوا الجزية، وهي مالٌ يؤخذ من الكفار على وجه الصغار والذلة لهم، واشتقاقها من الجزاء كأنها جزاءٌ عن القتل.
فإن أبَوا: أي امتنعوا عن الدخول في الإسلام ودفع الجزية.
حاصرت أهل حصن: الحصن: كل مكان محميّ محرز، وحاصرتهم: ضيقت عليهم وأحطت بهم.
ذمة الله وذمة نبيه: الذمة هنا العهد.
أن تُخفروا ذممكم: أي: تنقضوا عُهودكم.
المعنى الإجمالي للحديث: يذكر لنا هذا الصحابي الجليل بريدة بن الحصيب ﵁ ما كان يفعله النبي –ﷺ- عندما يرسل الجيوش والسرايا للقتال في سبيل الله، أنه كان يوصي القواد بالتحرز بطاعة الله من عقوبته بالتزام التقوى، ويأمرهم بالشروع في الغزو مستعينين بالله ليقاتلوا الكفار؛ لإزالة كفرهم حتى يكون الدين كله لله، وينهاهم عن الخيانة في العهود والأخذ من المغانم قبل قسمتها، وعن تشويه القتلى وقتل من لا يستحق القتل من الولدان. وعندما يلاقون عدوهم فإنهم يخيِّرونهم بين ثلاثة أمور: إما أن يدخلوا في الإسلام، وإما أن يؤدوا الجزية، وإما أن يقاتلوهم. فإن دخلوا في الإٍسلام خُيروا بين أمرين: إما الانتقال إلى دار الهجرة، ولهم ما للمهاجرين وعليهم ما على
[ ٤١٦ ]
المهاجرين، وإما البقاء مع أعراب المسلمين لهم ما لهم وعليهم ما عليهم. ثم يوصي –ﷺ- القواد عندما يحاصرون الكفّار في معاقِلهم؛ فيطلب الكفّار منهم أن يجعلوا لهم عهد الله وعهد نبيه أن لا يجعلوا لهم ذلك، ولكن يجعلوا لهم عهدهم هم؛ فإنّ نقض عهد الله وعهد رسوله أعظم جُرمًا من نقض عهودهم. وإذا طلبوا منهم النزول على حكم الله فلا يجيبوهم بل ينزلونهم على حكمهم هم واجتهادهم؛ خشية أن لا يُصيبوا حكم الله تعالى، فينسبون إلى الله ما هو خطأ.
مناسبة ذكر الحديث في الباب: أن فيه النهيَ عن إعطاء ذمة الله وذمة رسوله للكفار؛ خشية عدم الوفاء بذلك، فتكون الجريمة عظيمة، ويكون ذلك هضمًا لعهد الله، ونقصًا في التوحيد.
ما يستفاد من الحديث:
١- مشروعية بعْث السرايا والجيوش للجهاد في سبيل الله.
٢- أنه يجب أن يكون القتال لإعلاء كلمة الله ومحو آثار الكفر من الأرض لا لنيل الملك وطلب الدنيا، أو نيل الشهرة.
٣- مشروعية تنصيب الأمراء على الجيوش والسرايا.
٤- أنه يشرع لولي الأمر أن يوصي القوّاد ويوضح لهم الخطة التي يسيرون عليها في جهادهم.
٥- أن الجهاد يكون بإذن ولي الأمر وتنفيذه.
٦- مشروعية الدعوة إلى الإسلام قبل القتال.
٧- مشروعية أخذ الجزية من جميع الكفار.
٨- النهي عن قتل الصبيان.
٩- النهي التمثيل بالقتلى.
[ ٤١٧ ]
١٠- النهي عن الغلول والخيانة في العهود.
١١- احترام ذمة الله وذمة نبيه والفرق بينهما وبين ذمة المسلمين.
١٢- طلب الاحتياط عن الوقوع في المحذور.
١٣- أن المجتهد يخطئ ويصيب والفرق بين حكم الله وحكم العلماء.
١٤- الإرشاد إلى ارتكاب أقل الأمرين خطرًا.
١٥- مشروعية الاجتهاد عند الحاجة.
* * *
[ ٤١٨ ]