وقول الله تعالى: ﴿..وَاحْفَظُواْ أَيْمَانَكُمْ..﴾ [المائدة: ٨٩] .
عن أبي هريرة -﵁- قال: سمعت رسول الله - ﷺ- يقول: "الحلِف مَنْفَقَة للسلعة مَمْحقة للكسْب" (١) أخرجاه.
ــ
مناسبة هذا الباب لكتاب التوحيد: أن من كمال التوحيد احترام اسم الله وعدم امتهانه بكثرة الحلف؛ لأن ذلك يدل على الاستخفاف به وعدم التعظيم له.
ما جاء في كثرة الحلف: أي: من النهي عنه، والحلِف: بفتح الحاء وكسر اللام: اليمين.
واحفظوا أيمانكم: أي: لا تحلفوا، وقيل: لا تتركوها بغير تكفير، وقيل: لا تحنثوا.
منفَقَة: بفتح الميم والفاء مفعَلةٌ من النَّفاق بفتح النون وهو: الرواج.
للسلعة: بكسر السين: المتاع.
ممحَقة: بفتح الميم والحاء من المحق وهو: النقص والمحو.
المعنى الإجمالي للحديث: يحذر -ﷺ- من التهاون بالحلف وكثرة
_________________
(١) أخرجه البخاري برقم "٢٠٨٧"، ومسلم برقم "١٦٠٦".
[ ٤٠٤ ]
استعماله؛ لترويج السلع وجلب الكسب، فإن الإنسان إذا حلف على سلعة أنه أُعطي فيها كذا وكذا أو أنه اشتراها بكذا وهو كاذب فقد يظنه المشتري صادقًا فيما حلف عليه فيأخذها بزيادة على قيمتها تأثرًا بيمين البائع، وهو إنما حلف طمَعًا في الزيادة؛ فيكون قد عصى الله، فيعاقب بمحق البركة.
مناسبة الحديث للباب: أن فيه التحذير من استعمال الحلف؛ لأجل ترويج السلع، وبيان ما يترتب على ذلك من الضرر.
ما يستفاد من الحديث:
١- التحذير من استعمال الحلف؛ لأجل ترويج السلع؛ لأن ذلك امتهانٌ لاسم الله تعالى وهو ينقص التوحيد.
٢- بيان ما يترتب على الأيمان الكاذبة من المضارّ.
٣- أن الكسب الحرام وإن كثُرت كمّيته فإنه منزوع البركة لا خير فيه.
* * *
[ ٤٠٥ ]
وعن سلمان -﵁ أن رسول الله –ﷺ- قال: "ثلاثة لا يكلمهم الله ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم: أُشَيْمِط زانٍ، وعائل مستكبِر، ورجل جعل اللهَ بضاعتَه، لا يشتري إلا بيمينه، ولا يبيع إلا بيمينه" (١) رواه الطبراني بسند صحيح.
ــ
التراجم: سلمان لعله أبو عبد الله: سلمان الفارسي، أصله من أصبهان أو رام هرمز، أسلم عند قدوم النبي –ﷺ- المدينة وشهد الخندق وغيرَها توفي سنة ٣٦هـ ﵁.
لا يكلِّمهم الله: هذا وعيد شديدٌ في حقهم؛ لأنه سبحانه يكلم أهل الإيمان.
ولا يزكِّيهم: أي: لا يثني عليهم ولا يطهرهم من دنَس الذنوب.
ولهم عذاب أليم: مُوجِع؛ لأنهم لما عظُم ذنبهم عظُمت عقوبتهم.
أُشيمِط: تصغير أشمط وهو الذي في شعره شمَطٌ أي شيْبٌ وصغِّر تحقيرًا له.
زانٍ: أي: يرتكب فاحشة الزنا مع كِبَر سنِّه.
وعائلٌ مستكبِر: العائل: الفقير أي: يتكبَّر مع أنه فقير، والكِبر: بطَر الحق وغمط الناس.
جعل الله بضاعتَه: أي: جعل الحلف بالله بضاعةً له؛ لكثرة
_________________
(١) قال الهيثمي في مجمع الزوائد "٤/٧٨": رواه الطبراني في الثلاثة ورجاله رجال الصحيح.
[ ٤٠٦ ]
استعماله في البيع والشراء.
المعنى الإجمالي: يخبر –ﷺ- عن ثلاثة أصنافٍ من العصاة يُعاقبون أشد العقوبة، لشناعة جرائمهم.
أحدهم: من يرتكب فاحشة الزنا مع كِبَر سنه؛ لأن داعي المعصية ضعيفٌ في حقّه، فدل على أن الحامل له على الزنا محبة المعصية والفجور، وإن كان الزنا قبيحًا من كل أحد، فهو من هذا أشد قُبحًا.
الثاني: فقيرٌ يتكبر على الناس، والكِبْر وإن كان قبيحًا من كل أحد، لكن الفقير ليس له من المال ما يدعوه إلى الكِبْر فاستكباره مع عدم الداعي إليه يدل على أن الكِبْر طبيعةٌ له.
الثالث: من يجعل الحلف بالله بضاعةً له يكثر من استعماله في البيع والشراء فيمتَهِن اسم الله ويجعله وسيلةً لاكتساب المال.
مناسبة الحديث للباب: أن فيه التحذير من كثرة الحلف في البيع والشراء.
ما يستفاد من الحديث:
١- التحذير من كثرة استعمال الحلف في البيع والشراء، والحث على توقير اليمين واحترام أسماء الله سبحانه.
٢- إثبات الكلام لله وأنه يكلِّم من أطاعه ويكرمُه بذلك.
٣- التحذير من جريمة الزنا لا سيما من كبير السن.
٤- التحذير من الكِبْر لا سيما في حق الفقير.
* * *
[ ٤٠٧ ]
وفي الصحيح عن عمران بن حصين -﵁- قال: قال رسول الله - ﷺ-: "خير أمتي قرني، ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم". قال عمران: فلا أدري أذكر بعد قرنِه مرتين أو ثلاثًا. "ثم إن بعدكم قومًا يشهدون ولا يستشهدون، ويخونون ولا يؤتمنون، وينذرون ولا يوفون، ويظهر فيهم السمن" (١) .
ــ
في الصحيح: أي في صحيح مسلم.
قرني: أي: أهل قرني وهم الصحابة، والقرن: كل طبقة من الناس مقترنين في وقت.
ثم الذين يلونهم: وهم التابعون.
ثم الذين يلونهم: وهم تابعو التابعين.
يشهدون: أي: شهادة الزور.
ولا يُستشهدون: أي: لا يُطلب منهم الشهادة؛ لفسقِهم أو لاستخفافهم بأمرها وعدم تحرِّيهم الصدق.
ويخونون: أي: يخونون من ائتمنهم.
ولا يُؤتمنون: أي: لا يأتمنهم الناس لظهور خيانتهم.
وينذُرون لا يوفون: أي: لا يؤدون ما وجب عليهم بالنذر.
ويظهر فيهم السمن: السمن كثرة اللحم، وذلك لتنعمهم وغفلتهم عن الآخرة.
_________________
(١) أخرجه البخاري برقم "٢٦٥١"، ومسلم برقم "٢٥٣٥".
[ ٤٠٨ ]
المعنى الإجمالي: يخبر –ﷺ- أن خير هذه الأمة القرون الثلاثة وهم: الصحابة، والتابعون، وأتباع التابعين؛ لظهور الإسلام فيهم، وقُربهم من نور النبوة. ثم بعد هذه القرون المفضلة يحدث الشر في الأمة، وتكثر البدع، والتهاون بالشهادة، والاستخفاف بالأمانة والنذور، والتنعم في الدنيا، والغفلة عن الآخرة؛ وظهور هذه الأعمال الذميمة يدل على ضعف إسلامهم.
مناسبة الحديث للباب: أن فيه ذم الذين يتساهلون بالشهادة وهي نوعٌ من اليمين.
ما يستفاد من الحديث:
١- فضل القرون الثلاثة أو الأربعة: الصحابة والتابعين وأتباعهم.
٢- ذم التسرع في الشهادة.
٣- ذم التهاون بالنذور ووجوب الوفاء بها.
٤- ذم الخيانة في الأمانة والحث على أدائها.
٥- ذم التنعم والرغبة في الدنيا والإعراض عن الآخرة.
٦- علَم من أعلام نبوته –ﷺ- حيث أخبر بالشيء قبل وقوعه فوقع كما أخبر.
* * *
[ ٤٠٩ ]
وفيه عن ابن مسعود -﵁- أن النبي - ﷺ- قال: "خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم ثم يجيء قوم تسبق شهادةُ أحدهم يمينَه، ويمينُه شهادتَه" (١) . قال إبراهيم: "كانوا يضربوننا على الشهادة والعهد ونحن صغار".
ــ
التراجم: إبراهيم هو: أبو عمران إبراهيم بن يزيد النخعي الكوفي من التابعين ومن فقهائهم، مات سنة ٩٦هـ ﵀.
تسبق شهادة أحدهم يمينه إلخ: أي: يجمع بين اليمين والشهادة، فتارةٌ تسبق هذه وتارةٌ تسبق هذه.
كانوا: أي: التابعون.
يضربوننا على الشهادة إلخ: أي: لئلا يعتادوا إلزام أنفسهم بالعهود؛ لما يلزم الحالف من الوفاء، وكذا الشهادة لئلا يسهل عليهم أمرها.
المعنى الإجمالي للحديث: يخبر –ﷺ- أن خير هذه الأمة القرون الثلاثة، ثم يأتي من بعدهم قوم يتساهلون في الشهادة واليمين؛ لضعف إيمانهم، فيخفّ عليهم أمر الشهادة واليمين تحمّلًا وأداءً؛ لقلة خوفهم من الله وعدم مبالاتهم بذلك (٢) .
_________________
(١) أخرجه البخاري برقم "٢٦٥٢"، ومسلم برقم "٢٥٣٣".
(٢) فعن أنس –﵁- أن رسول الله –ﷺ- قال: "لا يأتي على الناس زمان إلا والذي بعده شر منه حتى تلقَوا ربكم" أخرجه البخاري برقم "٧٠٦٨".
[ ٤١٠ ]
ويخبر إبراهيم النخَعي عن التابعين أنهم يلقِّنون صغارهم تعظيم الشهادة والعهد؛ لينشأوا على ذلك ولا يتساهلوا فيهما.
مناسبة الحديث للباب: أن فيه التحذير من التساهل باليمين والشهادة.
ما يستفاد من الحديث:
١- أن القرون المفضلة ثلاثةٌ، وأنهم خير هذه الأمة.
٢- ذمّ التسرع في الشهادة واليمين.
٣- علمٌ من أعلام نبوّته –ﷺ- فإنه وُجد ما أخبر به.
٤- عناية السلف بتربية الصغار وتأديبهم.
* * *
[ ٤١١ ]