وقال ابن عمر: "والذي نفس ابن عمر بيده؛ لو كان لأحدهم مثل أحد ذهبًا، ثم أنفقه في سبيل الله: ما قبله الله منه حتى يؤمن بالقدر". ثم استدل بقول النبي - ﷺ-: "الإيمان: أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وتؤمن بالقدر خيره وشره" (١) . رواه مسلم.
ــ
مناسبة الباب لكتاب التوحيد: أنه لما كان توحيد الربوبية لا يتم إلا بإثبات القدر، والإيمان به ذكر المصنف ما جاء في الوعيد في إنكاره؛ تنبيهًا على وجوب الإيمان به.
ما جاء في منكري القدر: أي: من الوعيد الشديد. والقدَر: بفتح القاف والدال: ما يقدِّره الله من القضاء وما يجري في الكون.
أحُد: بضمَّتين جبلٌ بقرب مدينة النبي -ﷺ- من جهة الشام.
ثم استدلّ بقول النبي -ﷺ-: أي: لما سأله جبريل عن الإيمان. ووجه الاستدلال: أن النبي -ﷺ- عدّ الإيمان بالقدر من أركان الإيمان فمن أنكره لم يكن مؤمنًا متقيًا والله لا يقبل إلا من المتقين.
_________________
(١) أخرجه مسلم برقم "٨" وأبو داود برقم "٤٦٩٥"، والترمذي برقم "٢٦١٣"، وابن ماجه برقم "٦٣".
[ ٣٩١ ]
المعنى الإجمالي للأثر: أن عبد الله بن عمر –﵄- لما بلغه أن قومًا ينكرون القدر، بين أنهم بهذا الاعتقاد الفاسد قد خرجوا من الدين؛ حيث أنكروا أصلًا من أصوله، واستدل على ذلك بحديث الرسول –ﷺ- الذي ورد فيه أن الإيمان بالقدر أَحد أركان الإيمان الستة التي يجب الإيمان بها جميعًا؛ فمن جحد بعضَها فهو كافرٌ بالجميع.
مناسبة الأثر للباب: بيان حكم منكري القدر.
ما يستفاد من الأثر:
١- أن إنكار القدر كفرٌ.
٢- أن الأعمال الصالحة لا تُقبل إلا من المؤمن.
٣- الاستدلال على الأحكام من الكتاب والسنة.
* * *
[ ٣٩٢ ]
وعن عبادة بن الصامت: أنه قال لابنه: يا بُنَيَّ إنك لن تجد طعم الإيمان حتى تعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وما أخطأك لم يكن ليصيبك، سمعت رسول الله - ﷺ- يقول: "إن أول ما خلق الله القلم، فقال له: اكتب، فقال: رب، وماذا أكتب؟ قال: أكتب مقادير كل شيء حتى تقوم الساعة". يا بنيّ، سمعت رسول الله - ﷺ- يقول: "من مات على غير هذا فليس مني".
وفي رواية لأحمد: "إن أول ما خلق الله تعالى القلم، فقال له: اكتب، فجرى في تلك الساعة بما هو كائن إلى يوم القيامة".
وفي رواية لابن وهب قال: قال رسول الله - ﷺ-: "فمن لم يؤمن بالقدر خيره وشره؛ أحرقه الله بالنار".
_________________
(١) التراجم:
(٢) قال لابنه: هو: الوليد بن عُبادة، وُلد في عهد النبي –ﷺ- وهو من كبار التابعين، ومات بعد السبعين ﵀.
(٣) ابن وهب: هو عبد الله بن وهب بن مسلم المصري الثقة الفقيه صحاب مالكٍ وُلد سنة ١٢٥هـ توفي سنة ١٩٧هـ ﵀. طعم الإيمان: أي: حلاوته؛ فإن له حلاوة وطعمًا من ذاقَهما تسلّى عن الدنيا وما عليها. ما أصابك لم يكن ليخطئك إلخ: أي: أن ما قُدِّر عليك من الخير والشر فلن يتجاوزك وما لم يقدَّر عليك فلن يصيبك.
[ ٣٩٣ ]
سمعت رسول الله إلخ: هذا استدلالٌ من عبادة على ما سبق.
إن أول ما خلق الله القلم: أي: هو أول شيء خلقه الله قبل خلق السماوات والأرض، وليس هو أول المخلوقات مطلقًا.
من مات على غير هذا: أي: على غير الإيمان بالقدر.
فليس مني: أي: أنا بريءٌ منه؛ لأنه منكِر لعلم الله القديم بأفعال العباد ومن كان كذلك فهو كافر.
من لم يؤمن بالقدر: أي: بما قدره الله وقضاه في خلقه.
أحرقه الله بالنار: لكفره وبدعته؛ لأنه جحد قدرة الله التامة ومشيئته النافذة وخلقه لكل شيء وكذّب بكتبه ورسله.
المعنى الإجمالي للأثر: أن عبادة بن الصامت –﵁- يوصي ابنه الوليد بالإيمان بالقدر خيره وشره، ويبين له ما يترتب على الإيمان به من الثمرات الطيبة والنتائج الحسنة في الدنيا والآخرة، وما يترتب على إنكار القدر من الشرور والمحاذير في الدنيا والآخرة، ويستدلّ على ما يقول بسنة الرسول –ﷺ- التي تثبت أن الله قدّر المقادير وأمر القلم بكتابتها قبل وجود هذه المخلوقات، فلا يقع في الكون شيءٌ إلى قيام الساعة إلا بقضاءٍ وقدر.
مناسبة الأثر للباب: أن فيه وجوب الإيمان بالقدر، والتحذير من إنكاره والكفر به، وبيان الوعيد المترتب على ذلك.
ما يستفاد من الأثر:
١- وجوب الإيمان بالقدر.
٢- الوعيد الشديد المترتب على إنكار القدر.
٣- إثبات القلم وكتابة المقادير الماضية والمستقبلة به إلى قيام الساعة.
* * *
[ ٣٩٤ ]
وفي المسند والسنن عن ابن الديلمي قال: "أتيت أبي بن كعب، فقلت: في نفسي شيء من القدر؛ فحدثني بشيء، لعل الله يذهبه من قلبي. فقال: لو أنفقت مثل أحد ذهبًا؛ ما قبله الله منك حتى تؤمن بالقدر، وتعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وما أخطأك لم يكن ليصيبك، ولو مت على غير هذا؛ لكنت من أهل النار. قال: فأتيت عبد الله بن مسعود وحذيفة بن اليمان وزيد بن ثابت؛ فكلهم حدثني بمثل ذلك عن النبي - ﷺ-" (١) حديث صحيح رواه الحاكم في صحيحه.
ــ
التراجم: ابن الديلمي هو: عبد الله بن فيروز الديلمي ثقة من كبار التابعين. وأبوه فيروز قاتل الأسود العنسي الكذاب.
وفي المسند والسنن: أي: في مسند الإمام أحمد وسنن أبي داود وابن ماجه.
في نفسي شيء من القدر: أي: شكٌّ واضطراب يؤدّي إلى جحد.
لو أنفقت إلخ: هذا تمثيلٌ لا تحديد.
حتى تؤمن بالقدر: أي: بأن جميع الأمور كائنةٌ بقضاء الله وقدره.
ولو مت على غير هذا: أي: على غير الإيمان بالقدر.
_________________
(١) أخرجه أبو داود برقم "٤٦٩٩"، وابن ماجه برقم "٧٧"، وأحمد في المسند "٥/١٨٢، ١٨٣، ١٨٥، ١٨٩"، وابن حبان في موارد الظمآن برقم "١٨١٧".
[ ٣٩٥ ]
لكنت من أهل النار: أي: لأنك جحدت ركنًا من أركان الإيمان، ومن جحد واحدًا منها فقد جحد جميعها.
المعنى الإجمالي للأثر: يخبر عبد الله بن فيروز الديلمي أنه حدَث في نفسه إشكال في أمر القدر، فخشي أن يُفضي به ذلك إلى جحوده، فذهب يسأل أهل العلم من صحابة رسول الله؛ لحل هذا الإشكال –وهكذا ينبغي للمؤمن أن يسأل العلماء عما أُشكل عليه عملًا بقول الله تعالى: ﴿..فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ..﴾ [سورة النحل: ٤٣] فأفتاه هؤلاء العلماء كلهم بأنه لا بد من الإيمان بالقضاء والقدر. وأن من مات وهو لا يؤمن به كان من أهل النار.
مناسبة ذكر الأثر في الباب: بيان أن الإيمان بالقدر أمرٌ حتمٌ، وأنه هو الذي رواه الصحابة عن نبيهم –ﷺ-.
ما يستفاد من الأثر:
١- الوعيد الشديد على من لم يؤمن بالقدر.
٢- سؤال العلماء عما أشكل من أمور الاعتقاد وغيره.
٣- أن من وظيفة العلماء كشفَ الشبهات ونشر العلم بين الناس.
* * *
[ ٣٩٦ ]