وقال ابن عباس: يوشك أن تنزل عليكم حجارة من السماء: أقول: قال رسول الله - ﷺ- وتقولون: قال أبو بكر وعمر"!.
_________________
(١) مناسبة ذكر هذا الباب في كتاب التوحيد: لما كانت الطاعة من أنواع العبادة، نبّه المصنف -﵀- بهذا الباب على وجوب اختصاص الخالق ﵎ بها، وأنه لا يطاع أحدٌ من الخلق إلا إذا كانت طاعته في غير معصية الله. أربابًا: أي: شركاء مع الله في التشريع. قال ابن عباس إلخ: أي: قاله لمن ناظره في متعة الحج وكان هو يأمر بها؛ لأمر الرسول -ﷺ- بها، فاحتج عليه المخالف بنهي أبي بكر وعمر عنها، واحتج ابن عباس بسنة رسول الله -ﷺ-. يوشك: أي: يقرب ويدنو ويسرع. المعنى الإجمالي للأثر: أن ابن عباس -﵄- يتوقع أن ينزل الله عقوبة من السماء عاجلة شنيعة بمن يقدم قول أبي بكر وعمر -﵄- على قول رسول الله -ﷺ-، لأن الإيمان بالرسول -ﷺ-
[ ٢٩٥ ]
يقتضي متابعته وتقديم قوله على قول كل أحد كائنًا من كان.
مناسبة ذكره في الباب: أنه يدل على تحريم طاعة العلماء والأمراء فيما خالف هدي الرسول –ﷺ- وأنه موجبةٌ للعقوبة.
ما يستفاد من الأثر:
١- وجوب تقديم قول الرسول –ﷺ- على قول كل أحد.
٢- أن مخالفة هدي الرسول –ﷺ- توجب العقوبة.
* * *
[ ٢٩٦ ]
وقال أحمد بن حنبل: عجبت لقوم عرفوا الإسناد وصحته، يذهبون إلى رأي سفيان؛ والله تعالى يقول: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ﴾ [النور: ٦٣] .
أتدري ما الفتنة؟ الفتنة: الشرك: لعله إذا رد بعض قوله أن يقع في قلبه شيء من الزيغ فيهلك".
_________________
(١) التراجم:
(٢) أحمد هو: الإمام أحمد بن محمد بن حنبل، مات سنة ٢٤١هـ ﵀.
(٣) سفيان هو: أبو عبد الله سفيان بن سعيد الثوري الإمام الزاهد العابد الثقة الفقيه، مات سنة ١٦١هـ. قال أحمد: أي: لما قيل له: إن قومًا يتركون الحديث ويذهبون إلى رأي سفيان أو غيره من الفقهاء. عرفوا الإسناد وصحته: أي: عرفوا صحة إسناد الحديث؛ لأن صحة الإسناد تدل على صحة الحديث. يخالفون عن أمره: أي: أمر الله أو الرسول –ﷺ-، وعدّي الفعل بـ "عن" لتضمنه معنى الإعراض. أن تصيبهم فتنة: محنة في الدنيا. أو يصيبهم عذاب أليم: في الآخرة. لعله: أي: الإنسان الذي تصح عنده سنة الرسول –ﷺ-. إذا رد بعض قوله: أي: قول النبي –ﷺ-.
[ ٢٩٧ ]
من الزيغ: أي العدول عن الحق وفساد القلب.
المعنى الإجمالي: ينكر الإمام أحمد على من يعرف الحديث الصحيح عن رسول الله –ﷺ- ثم بعد ذلك يقلد سفيان أو غيره فيما يخالف الحديث، ويعتذر بالأعذار الباطلة؛ ليبرر فعله. مع أن الفرض والحتم على المؤمن إذا بلغه كتاب الله –تعالى- وسنة رسوله –ﷺ- وعلم معنى ذلك في أي شيء كان أن يعمل به ولو خالفه من خالفه، فبذلك أمرنا ربنا –﵎- وأمرنا نبينا –ﷺ- ثم يتخوف الإمام أحمد على من صحت عنده سنة رسول الله –ﷺ-، ثم خالف شيئًا منها أن يزيغ قلبه فيهلك في الدنيا والآخرة، ويستشهد بالآية المذكورة، ومثلها في القرآن كثير كقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللهُ قُلُوبَهُمْ﴾ [الصف: ٥] .
مناسبة ذكر ذلك في الباب: التحذير من تقليد العلماء من غير دليل، وترك العمل بالكتاب والسنة أن ذلك شرك في الطاعة.
ما يستفاد من الأثر:
١- تحريم التقليد على من يعرف الدليل وكيفية الاستدلال.
٢- جواز التقليد لمن لا يعرف الدليل؛ بأن يقلد من يثق بعلمه ودينه من أهل العلم.
* * *
[ ٢٩٨ ]
عن عدي بن حاتم –﵁- أنه سمع النبي - ﷺ- يقرأ هذه الآية: ﴿اتَّخَذُواْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللهِ﴾ [التوبة: ٣١]، فقلت له: إنا لسنا نعبدهم، قال: "أليس يحرمون ما أحل الله فتحرمونه، ويحلّون ما حرم الله، فتحلونه؟ " فقلت: بلى. قال "فتلك: عبادتهم" (١) . رواه أحمد والترمذي وحسَّنه.
ــ
التراجم:
عدي: هو عدي بن حاتم الطائي، صحابي شهير حسن الإسلام، مات سنة ٦٨هـ وله ١٢٠ سنة –﵁-.
اتخذوا: جعلوا.
أحبارهم: علماء اليهود.
ورهبانهم: عباد النصارى.
أربابًا من دون الله: حيث اتبعوهم في تحليل ما حرّم الله وتحريم ما أحلّ.
لسنا نعبدهم: ظن أن العبادة يراد بها التقرب إليهم بالسجود ونحوه فقط.
أليس يحرمون إلخ: بيانٌ لمعنى اتخاذهم أربابًا.
_________________
(١) أخرجه الترمذي برقم "٣١٠٤" وذكره ابن كثير في تفسيره "٢/٤٥٨" وعزاه إلى أحمد والترمذي وابن جرير. وقال الترمذي: هذا حديث غريب.
[ ٢٩٩ ]
المعنى الإجمالي: حينما سمع هذا الصحابي الجليل تلاوة الرسول -ﷺ- لهذه الآية التي فيها الإخبار عن اليهود والنصارى: بأنهم جعلوا علماءهم وعبّادهم آلهة لهم يشرعون لهم ما يخالف تشريع الله فيطيعونهم في ذلك، استشكل معناها، لأن يظن أن العبادة مقصورة على السجود ونحوه. فبين له الرسول -ﷺ- أن من عبادة الأحبار والرهبان: طاعتهم في تحريم الحلال وتحليل الحرام، خلاف حكم الله -تعالى- ورسوله -ﷺ-.
مناسبة الحديث للباب: أن طاعة المخلوق في معصية الله عبادة له من دون الله، لا سيّما في تشريع الأحكام، وسنّ القوانين المخالفة لحكم الله.
ما يستفاد من الحديث:
١- أن طاعة العلماء وغيرهم من المخلوقين في تغيير أحكام الله -إذا كان المطيع يعرف مخالفتهم لشرع الله- شركٌ أكبر.
٢- أن التحليل والتحريم حقٌّ لله تعالى.
٣- بيان لنوع من أنواع الشرك وهو شرك الطاعة.
٤- مشروعية تعليم الجاهل.
٥- أن معنى العبادة واسعٌ يشمل كل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة.
* * *
[ ٣٠٠ ]