وقول الله تعالى: ﴿وَمَن يُؤْمِن بِاللهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ [التغابن: ١١] .
قال علقمة: هو الرجل تصيبه المصيبة فيعلم أنها من عند الله فيرضى ويسلِّم.
_________________
(١) ترجمة علقمة: هو علقمة بن قيس بن عبد الله بن علقمة، ولد في حياة النبي -ﷺ- وهو من كبار التابعين وعلمائهم وثقاتهم، مات بعد الستين من الهجرة. مناسبة الباب لكتاب التوحيد: أراد المصنف بهذا الباب بيانَ وجوب الصبر على الأقدار وتحريم التسخط منها؛ لأن ذلك ينافي كمال التوحيد. الإيمان: في اللغة: التصديق الذي معه ائتمانٌ للمخبِر. وفي الشرع: نطقٌ باللسان واعتقادٌ بالقلب وعملٌ بالجوارح. الصبر: في اللغة: الحبس والكف -وشرعًا هو: حبس النفس عن الجزع، واللسان عن التشكي والسّخط، والجوارح عن لطم الخدود وشق الجيوب. ومن يؤمن بالله: فيعتقد أن المصيبة بقضائه وقدره، ويسترجع عندها.
[ ٢٧٧ ]
يهد قلبه: للصبر عليها.
هو الرجل تصيبه إلخ: هذا تفسيرٌ للإيمان المذكور في الآية.
المعنى الإجمالي للآية: يخبر تعالى أن من أصابته مصيبةٌ فعلم أنها من قدر الله، فصبر واحتسب، واستسلم لقضاء الله، هدى الله قلبه، وعوّضه كما فاته من الدنيا هدىً في قلبه ويقينًا صادقًا، وقد يُخلِف عليه ما أُخذ منه أو خيرًا منه.
مناسبة الآية للباب: أن فيها دليلًا على فضيلة الصبر على أقدار الله المؤلمة.
ما يستفاد من الآية:
١- فضيلة الصبر على أقدار الله المؤلمة كالمصائب.
٢- أن الأعمال من مسمّى الإيمان.
٣- أن الصبر سببٌ لهداية القلب.
٤- أن الهداية من ثواب الصابر.
* * *
[ ٢٧٨ ]
وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة -﵁- أن رسول الله - ﷺ- قال: "اثنتان في الناس هما بهم كفر: الطعن في النسب، والنياحة على الميت" (١) .
ــ
هما: أي: الاثنتان.
بهم كفر: أي: هاتان الخصلتان كفرٌ قائم بالناس –حيث كانتا من أعمال الكفار.
الطعن في النسب: أي: الوقوع فيه بالعيب والتنقص.
والنياحة على الميت: أي: رفع الصوت بتعديد شمائله؛ لما في ذلك من التسخط على القدر.
المعنى الإجمالي للحديث: يخبر –ﷺ- أنه سيستمر في الناس خصلتان من خصال الكفر، لا يسلم منهما إلا من سلَّمه الله.
الأولى: عيب الأنساب وتنقصها.
الثانية: رفع الصوت عند المصيبة تسخطًا على القدر.
لكن ليس من قام به شعبةٌ من شعب الكفر يكون كافرًا الكفر المخرج من الملة حتى يقوم به حقيقة الكفر.
مناسبة الحديث للباب: أن فيه دليلًا على تحريم النياحة؛ لما فيها من السخط على القدر وعدم الصبر.
ما يستفاد من الحديث:
١- تحريم النياحة وأنها من خصال الكفر ومن الكبائر.
٢- وجوب الصبر؛ لأنه إذا حرمت النياحة دل على وجوبه ضدها وهو الصبر.
٣- أن من الكفر ما لا ينقل عن الملة.
٤- تحريم الطعن في الأنساب وتنقصها.
_________________
(١) أخرجه مسلم برقم "٦٧".
[ ٢٧٩ ]
ولهما عن ابن مسعود -﵁- مرفوعًا: "ليس منا من ضرب الخدود وشقّ الجيوب ودعا بدَعوى الجاهلية" (١) .
ــ
ليس منا: هذا من باب الوعيد ولا ينبغي تأويله.
من ضرب الخدود: خص الخدّ؛ لأنه الغالب، وإلا فضرب بقية الوجه مثلُه.
وشقّ الجيوب: جمع جيب وهو: مدخل الرأس من الثوب.
دعوى الجاهلية: هي: الندب على الميت والدعاء بالويل والثبور.
المعنى الإجمالي للحديث: أن الرسول -ﷺ- يتوعد من فعل شيئًا من هذه الأمور؛ لأنها مشتملة على التسخط على الرب وعدم الصبر الواجب، والإضرار بالنفس من لطم الوجه، وإتلاف المال بشق الثياب وتمزيقها، والدعاء بالويل والثبور، والتظلم من الله تعالى.
مناسبة الحديث للباب: أن فيه دليلًا على تحريم التسخط من قدر الله بالقول والفعل، وأن ذلك من كبائر الذنوب.
ما يستفاد من الحديث:
١- تحريم التسخط من قدر الله بالقول أو الفعل، وأنه من الكبائر.
٢- وجوب الصبر عند المصيبة.
٣- وجوب مخالفة الجاهلية؛ لأن مخالفتهم من مقاصد الشارع الحكيم.
_________________
(١) أخرجه البخاري برقم "١٢٩٤"، ومسلم برقم "١٠٣".
[ ٢٨٠ ]
وعن أنس -﵁- أن رسول الله - ﷺ- قال: "إن عظم الجزاء مع عظم البلاء، وإن الله تعالى إذا أحب قومًا ابتلاهم، فمن رضي فله الرضي، ومن سخط فله السخط" (١) . حسنه الترمذي.
ــ
عظم الجزاء مع عظم البلاء: بكسر العين وفتح الظاء –أي: من كان ابتلاؤه أعظم فجزاؤه أعظم.
فمن رضي: بما قضاه الله وقدّره عليه من الابتلاء.
فله الرضا: من الله جزاء وفاقًا.
ومن سخط: بكسر الخاء والسخط: الكراهية للشيء وعدم الرضا به.
فله السخط: أي: من الله عقوبةً له.
المعنى الإجمالي للحديث: يخبر –ﷺ- أن عظمة الأجر وكثرة الثواب مع عظم الابتلاء والامتحان الذي يجري على العبد في هذه الدنيا إذا صبر واحتسب، وأن من علامة محبة الله لعبده أن يبتليه؛ فإن رضي بقضاء الله وقدره عليه واحتسب الأجر والثواب وأحسن الظن بربه ﵁ وأثابه، وأن تسخّط قضاء الله وجزِع لما أصابه سخط الله عليه وعاقبه.
مناسبة الحديث للباب: أن فيه بيان علامة محبة الله لعبده وبيان حكمته فيما يُجريه عليه من المكاره.
_________________
(١) أخرجه الترمذي برقم "٢٣٩٨" وابن ماجه برقم "٤٠٢١".
[ ٢٨١ ]
ما يستفاد من الحديث:
١- بيان علامة محبة الله لعبده وهي الابتلاء.
٢- وصف الله بالمحبة والرضا والسخط على ما يليق بجلاله.
٣- إثبات الحكمة لله في أفعاله.
٤- أن الجزاء من جنس العمل.
٥- الحث على الصبر على المصائب.
٦- أن الإنسان قد يكره الشيء وهو خيرٌ له.
* * *
[ ٢٨٢ ]
وقال - ﷺ-: "إذا أراد الله بعبده الخير عجّل له العقوبة في الدنيا، وإذا أراد الله بعبده الشر أمسك عنه بذنبه حتى يوافي به يوم القيامة" (١) .
ــ
هذا الحديث والذي قبله رواهما الترمذي بسند واحد وصحابي واحد؛ ولذلك جعلهما المؤلف كالحديث الواحد.
عجّل له العقوبة في الدنيا: أي: ينزل به المصائب لما صدر منه من الذنوب، فيخرج منها وليس عليه ذنب.
أمسك عنه بذنبه: أي: أخّر عنه عقوبة ذنبه.
يوافي به: بكسر الفاء مبنيٌّ للفاعل منصوبٌ بحتى أي: يجيء يوم القيامة مستوفرَ الذنوب فيستوفي ما يستحقه من العقاب.
المعنى الإجمالي للحديث: يخبر –ﷺ- أن علامة إرادة الله الخيرَ بعبده معاجلته بالعقوبة على ذنوبه في الدنيا حتى يخرج منها وليس عليه ذنب يوافي به يوم القيامة؛ لأن من حوسب بعمله عاجلًا خفّ حسابه في الآجل. ومن علامة إرادة الشر بالعبد أن لا يجازى بذنوبه في الدنيا حتى يجيء يوم القيامة مستوفر الذنوب وافيها، فيجازى بما يستحقه يوم القيامة.
مناسبة الحديث للباب: أن فيه الحث على الصبر على المصائب والرضا بالقدر؛ لأن ذلك في صالح العبد.
_________________
(١) أخرجه الترمذي برقم "٢٣٩٨" وأحمد برقم "٤/٨٧"، والحاكم "١/٣٤٩".
[ ٢٨٣ ]
ما يستفاد من الحديث:
١- علامة إرادة الله الخير بعبده معاجلته بالعقوبة على ذنوبه في الدنيا.
٢- علامة إرادة الشر بالعبد أن لا يجازى بذنبه حتى يوافى به يوم القيامة.
٣- الخوف من الصحة الدائمة أن تكون علامة شرّ.
٤- التنبيه على حسن الظن بالله ورجائه فيما يقضيه عليه من المكروه.
٥- أن الإنسان قد يكره الشيء وهو خيرٌ له، وقد يحب الشيء وهو شرّ له.
٦- الحث على الصبر على المصائب.
* * *
[ ٢٨٤ ]