وقول الله تعالى: ﴿وَلاَ تَدْعُ مِن دُونِ اللهِ مَا لاَ يَنفَعُكَ وَلاَ يَضُرُّكَ فَإِن فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِّنَ الظَّالِمِينَ﴾ [يونس: ١٠٦] .
_________________
(١) مناسبة هذا الباب لكتاب التوحيد: أنه ذكر فيه نوعًا من أنواع الشرك المنافي للتوحيد وهو أن يستغيث بغير الله أو يدعو غيرَه. أن يستغيث: الاستغاثة طلبُ الغوث وهو إزالة الشدة. أو يدعو: الفرق بين الاستغاثة والدعاء: أن الاستغاثة لا تكون إلا من المكروب. وأما الدعاء فيكون من المكروب وغيره. ما لا ينفعك: إن عبدته. ولا يضرك: إن لم تعبده. فإن فعلت: أي دعوت من دون الله ما لا ينفعك ولا يضرك. من الظالمين: من المشركين، فإن الشرك أعظم الظلم. المعنى الإجمالي للآية: ينهى الله نبيه أن يدعو أحدًا من سائر المخلوقين العاجزين عن إيصال النفع ودفع الضر، ثم يبين له حكمه لو فُرض أن دعا غير الله بأنه يكون حينئذ من المشركين، وهذا النهي عام لجميع الأمة. مناسبة الآية للباب: أن فيها النهي عن دعاء غير الله وأنه شركٌ ينافي التوحيد.
[ ١١٣ ]
ما يستفاد من الآية:
١- أن دعاء غير الله شركٌ أكبر.
٢- أن أصلح الناس لو دعا غير الله صار من الظالمين أي المشركين فكيف بغيره.
٣- بيان عجزِ آلهة المشركين وبطلان عبادتها.
* * *
[ ١١٤ ]
وقوله: ﴿وَإِن يَمْسَسْكَ اللهُ بِضُرٍّ فَلاَ كَاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ وَإِن يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلاَ رَآدَّ لِفَضْلِهِ يُصَيبُ بِهِ مَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [يونس: ١٠٧] .
_________________
(١) وإن يمسسك: أي إن يصِبْك. بضر: بفقر أو مرض أو غير ذلك من أنواع الضر. فلا كاشف: لا رافع. فلا راد: لا دافع. المعنى الإجمالي للآية: يخبر تعالى أنه المتفرد بالملك والقهر والعطاء والمنع والضر والنفع دون ما سواه، فيلزم من ذلك أن يكون هو المدعو وحده المعبود وحده دون غيره ممن لا يملك لنفسه ضرًا ولا نفعًا فضلًا عن أن يملكهما لغيره. مناسبة الآية للباب: أن فيها بيانَ استحقاق الله للعبادة بالدعاء ونحوه، وأن دعاء غيره شركٌ لأنه لا ينفع ولا يضر. ما يستفاد من الآية:
(٢) وجوب إفراد الله تعالى بتوحيد الألوهية لتفرده بتوحيد الربوبية.
(٣) بطلان دعاء غير الله لعجزه عن نفع من دعاه ودفع الضر عنه.
(٤) إثبات المشيئة لله سبحانه.
(٥) إثبات صفتي المغفرة والرحمة لله سبحانه على ما يليق بجلاله.
[ ١١٥ ]
وقوله: ﴿فَابْتَغُوا عِندَ اللهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [العنكبوت: ١٧] .
_________________
(١) ابتغوا: اطلبوا. واعبدوه: أخلصوا له العبادة. وهو من عطف العام على الخاص، فإن ابتغاء الرزق عند الله من العبادة. واشكروا له: اعترفوا بنعمته. وافعلوا ما يجب من طاعته واتركوا معصيته. إليه: لا إلى غيره. ترجعون: يوم القيامة فيجازي كل عامل بعمله. المعنى الإجمالي للآية: يأمر الله سبحانه بطلب الرزق منه وحده لا من الأصنام والأوثان، وإفرادِه بالعبادة والاعتراف بنعمه التي أسداها على عباده وصرْفِها في طاعته والابتعاد عن معصيته ثم يخبر أن المصير إليه فيجازي كل عاملٍ بعمله فيجب على العبد أن يحسب لذلك حسابَه. مناسبة الآية للباب: أن فيها وجوب إفراد الله بالدعاء والعبادة والرد على المشركين الذين يعبدون غيره. ما يستفاد من الآية:
(٢) وجوب دعاء الله وحده وطلب الرزق منه.
(٣) وجوب إفراد الله بجميع أنواع العبادة.
(٤) وجوب شكر الله على نعمه.
(٥) إثبات البعث والجزاء.
(٦) أنه لا تنافي بين طلب الرزق والاكتساب وعبادة الله وأن الإسلام فيه خير الدين والدنيا.
[ ١١٦ ]
وقوله: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّن يَدْعُو مِن دُونِ اللهِ مَن لَّا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَومِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَن دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ ٥ وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاء وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ﴾ [الأحقاف: ٥، ٦] .
_________________
(١) من أضل: أي لا أحد أشد ضلالًا. من دون الله: غير الله. لا يستجيب له: لا يقدر على إجابته بإعطائه ما طلب منه. وهم: أي المدعوون. عن دعائهم: أي دعاء من دعاهم من المشركين. غافلون: لا يشعرون بدعاء من دعاهم؛ لأنهم إما أموات أو جمادٌ أو ملائكةٌ مشغولون بما خُلقوا له. وإذا حُشر الناس: جُمعوا يوم القيامة. كانوا: أي الآلهة التي يدعونها من دون الله. لهم أعداء: أي يتبرؤون ممن دعاهم ويعادونهم. كافرين: جاحدين لعبادة من عبدهم. المعنى الإجمالي للآيتين: أن الله تعالى حكم بأنه لا أضل ممن دعا غير الله من المخلوقين ممن لا يقدر على إجابة دعوته في الدنيا، ولا يشعر بدعاء من دعاه وإذا قامت القيامة وجُمع الناس عادى من دعاه وتبرأ منه، فليس هذا المشركُ إلا في نكد في الدارين، لا يحصل على إجابةٍ في الدنيا وتجحد عبادته في الآخرة أحوج ما يكون إليها. مناسبة الآيتين للباب: أن فيهما الحكمَ على من دعا غيرَ الله بأنه
[ ١١٧ ]
أضل الضالين وأن الدعاء عبادةٌ فمن صرفه لغير الله فهو مشرك.
ما يستفاد من الآيتين:
١- أن الدعاء عبادةٌ، فمن دعا غير الله فقد أشرك الشرك الأكبر.
٢- بيان شقاوة من يدعو غير الله في الدنيا والآخرة.
٣- أن الشرك هو أعظم الضلال.
٤- إثبات البعث والحشر والجزاء.
٥- أن الأوثان لا تسمع من دعاها ولا تستجيب له عكس ما يتصور المشركون فيها.
٦- أن عبادة الله وحده فيها خير الدنيا والآخرة.
* * *
[ ١١٨ ]
وقوله تعالى: ﴿أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاء الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَّعَ اللهِ قَلِيلًا مَّا تَذَكَّرُونَ﴾ [النمل: ٦٢] .
_________________
(١) أمّن: أي من هو؟ المضطر: المكروب الذي مسّه الضر. خلفاء الأرض: الإضافة بمعنى في أي يخلف كلُّ قرنٍ القرنَ الذي قبله في الأرض. أإله مع الله: أي سواه يفعل هذه الأشياء بكُم وينعم عليكم هذه النعم. قليلًا ما تذكَّرون: أي تذكرون تذكرًا قليلًا في عظمة الله ونعمه عليكم، فلذلك أشركتم به غيره في عبادته. المعنى الإجمالي للآية: يحتج تعالى على المشركين في اتخاذهم الشفعاء من دونه بما قد علموه وأقروا به من إجابة الله لهم عندما يدعونه في حال الشدة وكشفه السوء النازل بهم وجعْلِهم خلفاء في الأرض بعد أمواتهم، فإذا كانت آلهتهم لا تفعل شيئًا من هذه الأمور فكيف بمن يعبدونها مع الله. ولكنهم لا يتذكرون نعم الله عليهم إلا تذكرًا قليلًا لا يورث خشية الله ولذلك وقعوا في الشرك. مناسبة الآية للباب: أن فيها بطلان الاستغاثة بغير الله، لأنه لا يجيب المضطر ويكشف السوء النازل ويحيي ويميت سواه.
[ ١١٩ ]
ما يستفاد من الآية:
١- بطلان الاستغاثة بغير الله فيما لا يقدر عليه إلا الله.
٢- أن المشركين مقرّون بتوحيد الربوبية ولم يُدخلهم ذلك في الإسلام.
٣- الاستدلال على توحيد الإلهية بتوحيد الربوبية.
٤- الاحتجاج على المشركين بما أقرّوا به على ما جحدوه.
* * *
[ ١٢٠ ]
وروي الطبراني بإسناده: أنه كان في زمن النبي - ﷺ- منافقٌ يؤذي المؤمنين. فقال بعضهم: قوموا بنا نستغيث برسول الله - ﷺ- من هذا المنافق. فقال النبي - ﷺ-: "إنه لا يستغاث بي، وإنما يستغاث بالله" (١) .
ــ
الطبراني: هو الحافظ الإمام: سليمان بن أحمد صاحب المعاجم الثلاثة.
بإسناده: إلى عبادة بن الصامت ﵁.
منافقٌ: هو عبد الله بن أُبي بن سلول رأس المنافقين.
والنفاق هنا: إظهار الإسلام وإخفاء الكفر.
نستغيث برسول الله: نطلب منه كفَّ هذا المنافق عن الأذى.
إنه لا يستغاث بي: كره -ﷺ- أن يستعمل هذا اللفظ في حقِّه تأدبًا مع الله.
المعنى الإجمالي للحديث: لما قوِيَ الإسلام كان هناك صنفٌ من الكفار رأوا الدخولَ في الإسلام ظاهرًا والبقاء على الكفر باطنًا سُمُّوا بالمنافقين، وكان يصدر منهم من الأقوال والأفعال ما يضايق المسلمين ومن ذلك ما حصل من هذا الرجل حتى طلب بعض الصحابة من النبي
_________________
(١) أخرجه الطبراني. وقال الهيثمي في مجمع الزوائد "١٠/١٥٩": رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح غير ابن لهيعة وهو حسن الحديث.
[ ١٢١ ]
ﷺ- كفه وزجره. والنبي -ﷺ- يقدر على ذلك، لكن لما كانت الصيغة التي تقدَّموا بها إليه فيها إساءة أدب مع الله تعالى -ما ينبغي أن تقال- استنكرها النبي -ﷺ- تعليمًا للصحابة وسدًا لذريعة الشرك وحمايةً للتوحيد.
مناسبة الحديث للباب: إن فيه إنكارَ النبي -ﷺ- الاستغاثة بغير الله.
ما يستفاد من الحديث:
١- أنه لا يستغاث بالنبي -ﷺ-، وغيرُه من باب أولى.
٢- الإرشاد إلى حسن اللفظ وحماية التوحيد.
٣- سدّ الطرق المفضية إلى الشرك.
٤- مشروعية الصبر على الأذى في الله.
٥- ذمّ النفاق.
٦- تحريم أذية المؤمنين؛ لأنها من فعل المنافقين.
* * *
[ ١٢٢ ]