وقوله تعالى: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِّنَ الْإِنسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِّنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا﴾ [الجن: ٦] .
_________________
(١) مناسبة الباب لكتاب التوحيد: أن فيه بيانَ نوعٍ من أنواع الشرك المنافي للتوحيد، وهو الاستعاذة بغير الله ليُحذر ويُجتنب. الاستعاذة: لغة: الالتجاء والاعتصام والتحرّز. وحقيقتها: الهرب من شيء تخافه إلى من يعصمك منه. يعوذون: بأن يقولَ أحدهم إذا أمسى بوادٍ وخاف من الجن: أعوذ بسيِّد هذا الوادي من سفهاء قومه. رهقًا: خوفًا أو إثمًا. المعنى الإجمالي للآية: أن الله سبحانه يخبر أن بعض الإنس يلجئون إلى بعض الجن لتأمنهم مما يخافون، وأن الملتجأ بهم زادوا الملتجئين خوفًا بدل أن يؤمنوهم، وهذا معاملةٌ لهم بنقيض قصدهم وعقوبة من الله لهم. مناسبة الآية للباب: أن الله حكى عن مؤمني الجن أنهم لما تبين لهم دين الرسول -ﷺ- وآمنوا به ذكروا أشياءً من الشرك كانت تجري من الإنس في الجاهلية من جملة الاستعاذة بغير الله، وذلك من باب
[ ١٠٩ ]
الاستنكار لها.
ما يستفاد من الآية:
١- أن الاستعاذة بغير الله شرك، لأن مؤمني الجن قالوا: ﴿وَلَن نُّشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا﴾ [الجن: ٢] . ثم ذكروا بعد ذلك على وجه الاستنكار ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِّنَ الْإِنسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِّنَ الْجِنِّ﴾ [الجن: ٦] .
٢- عموم رسالة محمد –ﷺ- للثقلين.
٣- أن الاستعاذة بغير الله تورث الخوف والضعف.
٤- يفهم من الآية أن الاستعاذة بالله تورث قوة وأمنًا.
* * *
[ ١١٠ ]
وعن خولة بنت حكيم قالت: سمعت رسول الله - ﷺ- يقول: "من نزل منزلًا فقال: أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق لم يضره شيء حتى يرحل من منزله ذلك" (١) رواه مسلم.
ــ
خولة بنت حكيم: هي بنت حكيم بن أمية السلمية كانت زوجةً لعثمان بن مظعون ﵁ وكانت صالحة فاضلة.
بكلمات الله: المراد بها هنا القرآن.
التامات: الكاملات التي لا يلحقُها نقصٌ ولا عيبٌ.
من شر ما خلق: أي من كل شر في أي مخلوق قام به الشر من حيوان أو غيره.
المعنى الإجمالي للحديث: يرشد النبي -ﷺ- أمته إلى الاستعاذة النافعة التي يندفع بها كل محذور يخافه الإنسان عندما ينزل بقعة من الأرض بأن يستعيذ بكلام الله الشافي الكافي الكامل من كلِّ عيبٍ ونقصٍ، ليأمن في منزله ذلك ما دام مقيمًا فيه من كل غائلة سوء.
مناسبة الحديث للباب: أن فيه إرشادًا إلى الاستعاذة النافعة المشروعة بدلًا من الاستعاذة الشركية التي كان يستعملها المشركون.
_________________
(١) أخرجه مسلم برقم "٢٧٠٨"، والترمذي برقم "٣٤٣٣"، وابن ماجه برقم "٣٥٤٧"، وأحمد في مسنده "٦/٣٧٧، ٤٠٩".
[ ١١١ ]
ما يستفاد من الحديث:
١- بيان أن الاستعاذة عبادة.
٢- أن الاستعاذة المشروعة هي ما كانت بالله أو بأسماء الله وصفاته.
٣- أن كلام الله غيرُ مخلوق؛ لأن الله شرع الاستعاذة به، والاستعاذة بالمخلوق شركٌ كما سبق، فدلّ على أنه غير مخلوق.
٤- فضيلةُ هذا الدعاء مع اختصاره.
٥- أن نواصي المخلوقات بيد الله.
* * *
[ ١١٢ ]