وقول الله تعالى: ﴿قُلْ أَفَرَأَيْتُم مَّا تَدْعُونَ مِن دُونِ اللهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ [الزمر: ٣٨] .
_________________
(١) مناسبة هذا الباب لكتاب التوحيد: أنه يتضمن ذكر شيء مما يضاد التوحيد، وهو التماس رفع الضر أو دفعه من غير الله للتحذير منه، فإن التوحيد يُعرف بضده. من الشرك: من تبعيضية: أي من الشرك الأكبر إن اعتقد أن هذه الأشياء تنفع أو تضر بذاتها، أو من الشرك الأصغر إن اعتقد أنها سببٌ للنفع والضر. الحلقة: كل شيء مستدير. ونحوهما: من كل ما يُلبس أو يُعلَّق لهذا الغرض. رفع البلاء: إزالته بعد نزوله. ودفعه: منعه قبل نزوله. أفرأيتم: أخبروني. ما تدعون: تسألونه جلب الخير ودفع الضر. من دون الله: غيره من الأنداد والآلهة.
[ ٧٠ ]
بضر: بمرضٍ أو فقرٍ أو بلاءٍ أو شدة.
هل هن كاشفات ضُره: أي لا تقدر على ذلك.
برحمة: أي: بصحة وعافية وخير وكشف بلاء.
حسبي الله: أي الله كافيني وكافي من توكل عليه.
المعنى الإجمالي للآية: يأمر الله نبيه محمدًا – ﷺ- أن يسأل المشركين سؤالَ إنكار عن أصنامهم التي يعبدونها مع الله هل تقدرُ على النفع والضر؟ فلا بد أن يعترفوا بعجزِها عن ذلك، فإذا كان كذلك بطلت عبادتُها من دون الله.
مناسبة الآية للباب: أن فيها دليلًا على بطلان الشرك. ولبس الحلقة والخيط من ذلك، لا يكشف الضر ولا يمنع منه.
ما يستفاد من الآية:
١- بطلان الشرك لأن كل ما يعبد من دون الله، لا يملك ضرًا ولا نفعًا لعابده.
٢- التحذير من لبس الحلقة والخيط وغيرها لجلب النفع أو دفع الضر، لأنه شرك من جنس ما يراد من الأصنام.
٣- مشروعية مناظرة المشركين لإبطال الشرك.
٤- وجوب الاعتماد على الله وحده وتفويض الأمور كلها إليه.
* * *
[ ٧١ ]
عن عمران بن حصين: أن رسول الله - ﷺ - رأى رجلًا في يده حلقة من صُفْر، فقال: "ما هذه؟ " قال: مِن الواهِنة. فقال: "انزعها فإنها لا تزيدك إلا وهْنًا، فإنك لو مت وهي عليك ما أفلحت أبدًا" (١) رواه أحمد بسند لا بأس به.
ــ
عمران: هو عمران بن حصين بن عبيد بن خلف الخزاعي، صحابيٌ ابن صحابي، أسلم عام خيبر ومات سنة ٥٢هـ بالبصرة.
ما هذه؟ استفهام إنكار.
الواهنة: نوعٌ من المرض يصيب اليد.
انزعها: اطرحها والنزعُ هو الجذب بقوة.
وهنًا: ضعفًا.
ما أفلحت: الفلاح هو الفوز والظفر والسعادة.
المعنى الإجمالي للحديث: يذكر لنا عمران بن حصين ﵄ موقفًا من مواقف رسول الله -ﷺ- في محاربة الشرك وتخليص الناس منه، ذلك الموقفُ: أنه أبصر رجلًا لابسًا حلقة مصنوعة من الصفر، فسأله عن الحامل له على لبسها؟ فأجاب الرجل أنه لبسها لتعصِمه من الألم، فأمر بالمبادرة بطرحها، وأخبره أنها لا تنفعه بل تضره، وأنها
_________________
(١) أخرجه أحمد في المسند "٤/٤٤٥" وابن حبان كما في الموارد برقم "١٤١٠، ١٤١١"، وابن ماجه برقم "٣٥٣١"، والحاكم في المستدرك "٤/٢١٦"، وصححه ووافقه الذهبي.
[ ٧٢ ]
تزيد الداء الذي لبست من أجله، وأعظم من ذلك لو استمرت عليه إلى الوفاة حُرم الفلاح في الآخرة أيضًا.
مناسبة الحديث للباب: أنه يدل على المنع من لبس الحلقة لدفع البلاء؛ لأن ذلك من الشرك المنافي للفلاح.
ما يستفاد من الحديث:
١- أن لبس الحلقة وغيرها للاعتصام بها من الأمراض من الشرك.
٢- النهي عن التداوي بالحرام.
٣- إنكار المنكر وتعليم الجاهل.
٤- ضرر الشرك في الدنيا والآخرة.
٥- استفصال المفتي واعتبار المقاصد.
٦- أن الشرك الأصغر أكبر الكبائر.
٧- أن الشرك لا يُعذر فيه بالجهل.
٨- التغليظ في الإنكار على من فعل شيئًا من الشرك؛ لأجل التنفير منه.
* * *
[ ٧٣ ]
وله عن عقبة بن عامر مرفوعًا: "من تعلَّقَ تميمةً فلا أتمَّ الله له. ومن تعلق وَدْعَة فلا وَدَعَ الله له" (١) وفي رواية: "من تعلق تميمة فقد أشرك" (٢) .
ــ
عقبة بن عامر: هو عقبة بن عامر الجهني صحابي مشهور، وكان فقيهًا فاضلًا وَلِيَ إمارة مصر لمعاوية ثلاث سنين، ومات قريبًا من الستين.
وله: أي وروى الإمام أحمد.
تعلَّق تميمة: أي علَّقها عليه أو على غيره معتقدًا بها. والتميمة خرزات كانت العرب تعلقها على أولادهم يتَّقون بها العين.
فلا أتم الله له: دعاءٌ عليه بأن لا يتم الله أموره.
ودعة: الودعة شيءٌ يخرج من البحر يشبه الصدف يتقون به العين.
فلا ودَع الله له: أي لا جعله في دعة وسكون. أو لا خفَّف الله عنه ما يخافه.
وفي رواية: أي وروى الإمام أحمد من حديث آخر.
المعنى الإجمالي للحديثين: أن النبي -ﷺ- يدعو على من استعمل التمائم يعتقد فيها دفع الضرر بأن يعكس الله قصده ولا يتم له أموره، كما
_________________
(١) أخرجه أحمد في المسند "٤/١٥٤" وابن حبان كما في الموارد برقم "١٤١٣"، والحاكم في المستدرك "٤/٤١٧".
(٢) أخرجها أحمد في مسنده "٤/١٥٦" والحاكم "٤/٤١٧".
[ ٧٤ ]
أنه – ﷺ- يدعو على من استعمل الودع لنفس القصد السابق أن لا يتركه الله في راحة واطمئنان، بل يحرك عليه كل مؤذٍ –وهذا الدعاء يقصد منه التحذير من الفعل- كما أنه يخبر –ﷺ- في الحديث الثاني أن هذا العمل شرك بالله.
مناسبة الحديثين للباب: أن فيهما دلالة على تحريم تعليق التمائم والودَع واعتباره شركًا؛ لما يقوم بقلب المعلِّق لها من الاعتماد على غير الله.
ما يستفاد من الحديثين:
١- تعليق التمائم والودع من الشرك.
٢- أن من اعتمد على غير الله عامله الله بنقيض قصدِه.
٣- الدعاء على من علَّق التمائم والودَع بما يفوت عليه مقصوده ويعكس عليه مراده.
* * *
[ ٧٥ ]
ولابن أبي حاتم عن حذيفة: "أنه رأى رجلًا في يده خيطٌ من الحمَّى فقطعَه، وتلا قوله: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللهِ إِلاَّ وَهُم مُّشْرِكُونَ﴾ [يوسف: ١٠٦] .
_________________
(١) ولابن أبي حاتم: أي وروى ابن أبي حاتم – صاحب كتاب الجرح والتعديل. عن حذيفة: هو ابن اليمان العبسي حليف الأنصار صحابي جليل من السابقين الأولين، مات سنة ٣٦هـ ﵁. من الحُمَّى: أي للوقاية من الحمى فلا تصيبه بزعمه. وتلا: أي قرأ الآية مستدلًا بها على إنكار ما رأى. معنى الأثر إجمالًا: أن حذيفة بن اليمان ﵁ أبصر رجلًا قد ربط في عضده خيطًا يتقي به مرض الحمى فأزاله عنه منكِرًا فعله هذا، واستدل بالآية التي أخبر الله فيها أن المشركين يجمعون بين الإقرار بتوحيد الربوبية والشرك في العبادة. مناسبة الأثر للباب: أن فيه اعتبار لبس الخيط –لدفع المرض- شركًا يجب إنكاره. ما يستفاد من الأثر:
(٢) إنكار لبس الخيط لرفع البلاء أو دفعه، وأنه شرك.
(٣) وجوب إزالة المنكر لمن يقدر على إزالته.
(٤) صحة الاستدلال بما نزل في الشرك الأكبر على الشرك الأصغر لشموله له.
(٥) أن المشركين يقرون بتوحيد الربوبية ومع هذا هم مشركون، لأنهم لم يخلصوا في العبادة.
[ ٧٦ ]