وقول الله تعالى: ﴿وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ﴾ الآية.
_________________
(١) تمام الآية: ﴿قُلْ هُوَ رَبِّي لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ مَتَابِ﴾ [الرعد: ٣٠] . مناسبة الباب لكتاب التوحيد: لما كان التوحيد ثلاثة أنواع: توحيد الربوبية، وتوحيد الألوهية، وتوحيد الأسماء والصفات، وكان الإيمان بالله لا يحصل إلا بتحقق هذه الثلاثة؛ نبه المصنف بهذا الباب على هذا النوع؛ ليبين حكم من جحده. باب من جحد إلخ: أي: أنه يكفر بذلك. وهم: أي: كفار قريش. يكفرون بالرحمن: أي: يجحدون هذا الاسم، مع إيمانهم بالله، فالرحمن اسمٌ من أسماء الله، والرحمة صفةٌ من صفاته. قل: يا محمد ردًا عليهم في كفرهم بالرحمن. هو ربي: أي: الرحمن ﷿ ربي وإن كفرتم به. لا إله إلا هو: أي: لا معبود بحق سواه. عليه: لا على غيره. توكلت: فوضت أموري كلها إليه واعتمدت عليه.
[ ٣١٤ ]
وإليه متاب: مرجعي وتوبتي.
المعنى الإجمالي للآية: أن الله ﷾ ينكر على مشركي قريش جحودهم لاسمه الرحمن، ويأمر رسوله محمدًا –ﷺ- أن يرد عليهم هذا الجحود ويعلن إيمانه بربه وأسمائه وصفاته، وأنه سبحانه هو الذي يستحق العبادة وحده، ويتوكل عليه ويُرجع إليه في جميع الأمور ويُتاب إليه من الذنوب.
مناسبة الآية للباب: أن جحود شيء من أسماء الله وصفاته كفر.
ما يستفاد من الآية:
١- أن جحود شيء من الأسماء والصفات كفر.
٢- وجوب الإيمان بأسماء الله وصفاته.
٣- وجوب التوكل على الله والتوبة إليه.
٤- وجوب إخلاص العبادة لله.
* * *
[ ٣١٥ ]
وفي صحيح البخاري: قال علي: "حدثوا الناس بما يعرفون، أتريدون أن يكذب الله ورسوله؟ " (١) .
_________________
(١) صحيح البخاري: أي الكتاب الذي جمع فيه البخاري الأحاديث الصحيحة. والبخاري هو الإمام محمد بن إسماعيل البخاري نسبة إلى بخارى بلدة في المشرق. وكتابه أصح كتاب بعد كتاب الله. المعنى الإجمالي للأثر: يرشد أمير المؤمنين علي بن أبي طالب –﵁- إلى أنه لا ينبغي أن يحدث عامة الناس إلا بما هو معروف ينفع الناس في أصل دينهم وأحكامه من التوحيد وبيان الحلال والحرام ويُترك ما يشغل عن ذلك؛ مما لا حاجة إليه أو كان مما قد يؤدي إلى رد الحق وعدم قبوله مما يشتبه عليهم فهمه، ويصعب عليهم إدراكه؛ وقد قال ذلك حينما كثر القصاص أي: الوعاظ في خلافته. مناسبة الأثر للباب: يأتي بيانها بعد ذكر الأثر الذي بعده. ما يستفاد من الأثر: أنه إذا خشي ضررٌ من تحديث الناس ببعض ما لا يفهمون؛ فلا ينبغي تحديثهم بذلك وإن كان حقًا. * * *
(٢) أخرجه البخاري برقم "١٢٧".
[ ٣١٦ ]
وروى عبد الرزاق عن معمر عن ابن طاوس عن أبيه عن ابن عباس: "أنه رأى رجلًا انتفض لما سمع حديثًا عن النبي - ﷺ- في الصفات؛ استنكارًا لذلك فقال: ما فرق هؤلاء؟ يجدون رقة عند محكمه ويهلكون عند متشابهه" انتهى.
_________________
(١) التراجم:
(٢) عبد الرزاق هو: عبد الرزاق بن همام الصنعاني الإمام الحافظ صاحب المصنفات مات سنة ٢١١هـ ﵀.
(٣) معمر هو: أبو عروة معمر بن راشد الأزدي البصري ثقة ثبت مات سنة ١٥٤هـ ﵀.
(٤) ابن طاووس هو: عبد الله بن طاووس اليماني ثقة فاضل عابد مات سنة ١٣٢هـ ﵀. انتفض: أي: ارتعد. فقال: أي: ابن عباس. ما: استفهامية. فرق: بفتح الفاء والراء أي: خوف. هؤلاء: يشير إلى أناس يحضرون مجلسه من عامة الناس. رقة: لينًا وقبولًا. محكمه: ما وضح معناه فلم يلتبس على أحد. متشابهه: ما اشتبه عليهم فهمه. المعنى الإجمالي للأثر: ينكر ابن عباس –﵄- على
[ ٣١٧ ]
أناس ممن يحضر مجلسه من عامة الناس يحصل منهم خوفٌ عندما يسمعون شيئًا من أحاديث الصفات ويرتعدون استنكارًا لذلك، فلم يحصل منهم الإيمان الواجب بما صح عن رسول الله -ﷺ- عرفوا معناه من القرآن وهو حق لا يرتاب فيه مؤمن، وبعضهم يحمله على غير معناه الذي أراده الله فيهلك بذلك.
مناسبة الأثر للباب: بعدما ذكر المؤلف أثر عليّ -﵁- الذي يدل على أنه لا ينبغي تحديث الناس بما لا يعرفون، ذكر هذا الأثر الذي يدل على أن نصوص الصفات ليست مما نهى عن التحديث به؛ بل ينبغي ذكرها وإعلانها؛ فليس استنكار بعض الناس لها بمعناه من ذكرها، فما زال العلماء قديمًا وحديثًا يقرأون آيات الصفات وأحاديثها بحضرة العوام والخواص.
ما يستفاد من الأثر:
١- أنه لا مانع من ذكر آيات الصفات وأحاديثها بحضرة عوام الناس وخواصهم من باب التعليم.
٢- أن من رد شيئًا من نصوص الصفات أو استنكره بعد صحته فهو من الهالكين.
٣- الإنكار على من استنكر شيئًا من نصوص الصفات.
* * *
[ ٣١٨ ]
ولما سمعت قريشٌ رسول الله –ﷺ- يذكر الرحمن، أنكروا ذلك، فأنزل الله: ﴿ وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ ﴾ .
ــ
المعنى الإجمالي للأثر: يذكر الرحمن: يعني حين كتب: "بسم الله الرحمن الرحيم" في صلح الحديبية فقالوا: أما الرحمن، فلا نعرفه، ولا ندري ما الرحمن، ولا نكتب إلا: باسمك اللهم (١) فيكون هذا هو سبب نزول الآية، وقيل: قالوا ذلك حينما سمعوا الرسول –ﷺ- يدعو في سجوده ويقول: "يا رحمن يا رحيم" فقالوا: هذا يزعم أنه يدعو واحدًا وهو يدعو اثنين: الرحمن، الرحيم وهذا سبب آخر لنزول الآية ولا مانع أن تنزل الآية لسببين أو أكثر. وتقدمت هذه الآية وما يتعلق بها في أول الباب.
ما يستفاد من الأثر:
١- ثبوت الأسماء والصفات لله ﷿.
٢- أن تعدد الأسماء لا يدل على تعدد المسمى.
٣- مشروعية دعاء الله بأسمائه وصفاته.
* * *
_________________
(١) أخرجه البخاري برقم "٢٧٣١، ٢٧٣٢".
[ ٣١٩ ]