وقول الله تعالى: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [النحل: ١٢٠] .
وقال: ﴿وَالَّذِينَ هُم بِرَبِّهِمْ لَا يُشْرِكُونَ﴾ [المؤمنون: ٥٩] .
_________________
(١) مناسبة الباب لكتاب التوحيد: إن المصنف ﵀ لمَّا ذكر التوحيد وفضلَه ناسب أن يذكر بيان تحقيقه، لأنه لا يحصل كمالُ فضله إلا بكمال تحقيقه. حقق التوحيد: أي خلَّصه وصفَّاه من شوائب الشرك والبدع والمعاصي. بغير حساب: أي لا محاسبة عليه. أمة: أي قدوة، وإمامًا معلمًا للخير. قانتًا: القنوت دوام الطاعة. حنيفًا: الحنيف المقبل على الله المعرض عن كل ما سواه. ولم يك: أصلُها يكن حُذفت النون تخفيفًا. من المشركين: أي قد فارق المشركين بالقلب واللسان والبدن، وأنكر ما كانوا عليه. والذين هم بربهم لا يشركون: لا يعبدون معه غيره.
[ ٣٤ ]
المعنى الإجمالي للآية الأولى: أن الله ﷾ يصف خليله إبراهيم ﵇ بأربع صفات:
الصفة الأولى: أنه كان قدوة في الخير لتكميله مقام الصبر واليقين، واللذين بهما تُنال الإمامة في الدين.
الصفة الثانية: أنه كان خاشعًا مطيعًا مداومًا على عبادة الله تعالى.
الصفة الثالثة: أنه كان معرضًا عن الشرك مقبلًا على الله تعالى.
الصفة الرابعة: بُعده علن الشرك وفارقته للمشركين.
مناسبة الآية الأولى للباب: أنه وصف خليله بهذه الصفات، التي هي الغاية في تحقيق التوحيد، وقد أُمرنا بالاقتداء به في قوله: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ﴾ [الممتحنة: ٤] .
مناسبة الآية الثانية للباب: أن الله تعالى وصف المؤمنين السابقين إلى الجنات بصفاتٍ أعظمُها الثناء عليهم بأنهم بربِّهم لا يشركون شيئًا من الشرك لا خفيًا ولا جليًا، ومن كان كذلك فقد بلغ من تحقيق التوحيد النهاية ودخل الجنة بلا حساب ولا عذاب.
ما يستفاد من الآيتين:
١- فضيلة أبيان إبراهيم ﵊.
٢- الاقتداء به في هذه الصفات العظيمة.
٣- بيان الصفات التي يتم بها تحقيق التوحيد.
٤- وجوب الابتعاد عن الشرك والمشركين والبراءة من المشركين.
٥- وصف المؤمنين بتحقيق التوحيد.
[ ٣٥ ]
عن حصين بن عبد الرحمن قال: كنت عند سعيد بن جبير فقال: أيكم رأى الكوكب الذي انقض البارحة؟ فقلت: أنا. ثم قلت: أما إني لم أكن في صلاة ولكني لُدِغت. قال: فما صنعت؟ قلت: ارتقيت. قال: فما حملك على ذلك؟ قلت: حديث حدثناه الشعبي. قال: وما حدثكم؟ قلت: حدثنا عن بريدة بن الحصيب أنه قال: "لا رقية إلا من عين أو حمة". قال: قد أحسن من انتهى إلى ما سمع. ولكن حدثنا ابن عباس عن النبي - ﷺ- أنه قال: "عرضت علي الأمم فرأيت النبي ومعه الرهط والنبي ومعه الرجل والرجلان، والنبي وليس معه أحد إذ رفع لي سواد عظيم فظننت أنهم أمتي، فقيل لي هذا موسى وقومُه، فنظرت فإذا سواد عظيم فقيل لي: هذه أمتك ومعهم سبعون ألفًا يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب".
ثم نهض فدخل منزله فخاض الناس في أولئك فقال بعضهم: فلعلهم الذين صحبوا رسول الله - ﷺ-، وقال بعضهم: فلعلهم الذين ولدوا في الإسلام فلم يشركوا بالله شيئًا وذكروا أشياء، فخرج عليهم رسول الله صلى الله عليه فأخبروه فقال: "هم الذين لا يسترقون ولا يكتوون ولا يتطيرون وعلى ربهم يتوكلون" فقام عُكَّاشة بن مِحْصَن فقال: ادع الله أن يجعلني منهم، قال: "أنت منهم" ثم قام رجل آخر فقال: ادع الله أن يجعلني منهم، فقال:
[ ٣٦ ]
"سبقك بها عكاشة" (١) .
ــ
تراجم الرجال الواردة أسماءهم في الحديث:
حصين: هو حصين بن عبد الرحمن السلمي الحارثيّ من تابعي التابعين مات سنة ١٣٦هـ وله ٩٣ سنة.
سعيد بن جبير: هو الإمام الفقيه من أجلة أصحاب ابن عباس قتله الحجاج سنة ٩٥ ولم يُكمل الخمسين.
الشعبي: اسمه عامر بن شراحيل الهمداني ولد في خلافة عمر، وهو من ثقات التابعين مات سنة ١٠٣هـ.
بُرَيدة: بضم أوله وفتح ثانيه، ابن الحصيب بن الحارث الأسلمي صحابي شهير، مات سنة ٦٣هـ.
ابن عباس: هو الصحابي الجليل عبد الله بن عباس بن عبد المطلب. ابن عم النبي -ﷺ- دعا له النبي -ﷺ- فقال: "اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل" فكان كذلك ومات بالطائف سنة ٦٨هـ.
عُكَّاشة: هو عكاشة بن محصن بن حرثان الأسدي كان من السابقين إلى الإسلام، هاجر وشهد بدرًا وقاتل فيها، واستشهد في قتال الردة مع خالد بن الوليد سنة ١٢هـ.
الكوكب: النجم.
انقضَّ: أي سقط منه الشهاب.
_________________
(١) أخرجه البخاري برقم (٣٤١٠): ومسلم برقم (٢٢٠) والترمذي برقم (٢٤٤٨) والدارمي برقم (٢٨١٠) وأحمد (١/٢٧١) .
[ ٣٧ ]
البارحة: هي أقرب ليلة مضت. يقال قبل الزوال رأيت الليلة، وبعد الزوال رأيت البارحة.
لُدغْت: أي لدغته عقرب –واللدغ: اللسع- أي أصابته بسمها.
ارتقيت: طلبت من يرقيني، والرقية: قراءة القرآن والأدعية والشرعية على المصاب بمرض ونحوه.
ما حملك على ذلك؟: ما حُجَّتك على جواز ذلك؟
لا رقية إلَّا من عين: العين: إصابة العائن غيرَه بعينه.
أو حُمَة: الحمة: سم العقرب وشبهها.
من انتهى إلى ما سمع: أي أخذ بما بلغه من العلم بخلاف من يعمل على جهل أو لا يعمل بما يعلم.
عرضت علي الأمم: قيل كان ذلك ليلة الإسراء، أي أراه الله مثالَها إذا جاءت يوم القيامة.
الرهط: الجماعة دون العشرة.
ليس معه أحد: أي لم يتبعه من قومه أحد.
سواد عظيم: أشخاص كثيرة.
فظننت أنهم أمتي: أي لكثرتهم وبعده عنهم فلا يميز أعيانهم.
موسى: أي: موسى بن عمران كليم الرحمن.
وقومه: أي أتباعه على دينه من بني إسرائيل.
بلا حساب ولا عذاب: أي: لا يحاسبون ولا يعذبون قبل دخولهم الجنة لتحقيقهم التوحيد.
ثم نهض: أي قام.
فخاض الناس في أولئك: أي تباحث الحاضرون واختلفوا في
[ ٣٨ ]
هؤلاء السبعين بأي عمل نالوا هذه الدرجة؟ فإنهم لم ينالوها إلا بعمل فما هو؟
فأخبروه: أي ذكروا للنبي –ﷺ- اختلافهم في المراد بهؤلاء السبعين.
لا يسترقون: لا يطلبون من يرقيهم استغناء عن الناس.
ولا يكتوون: لا يسألون غيرهم أن يكويهم بالنار.
ولا يتطيرون: لا يتشاءمون بالطيور ونحوها.
وعلى ربهم يتوكلون: يعتمدون في جميع أمورهم عليه لا على غيره ويفوّضون أمورهم إليه.
سبقك بها عكّاشة: أي إلى إحراز هذه الصفات أو سبقك بالسؤال.
المعنى الإجمالي للحديث: يصف لنا حصين بن عبد الرحمن حوارًا دار في مجلس سعيد بن جبير بمناسبة انقضاض كوكب في الليل، فأخبرهم حصينٌ أنه شاهد انقضاضه لأنه لم يكن حينذاك نائمًا، إلا أنه خاف أن يظن الحاضرون أنه ما رأى النجم إلا لأنه يصلي، فأراد أن يدفع عن نفسه إيهام تعبّدٍ لم يفعله كعادة السلف في حرصهم على الإخلاص، فأخبر بالسبب الحقيقي ليقَظَته وأنه بسبب إصابة حصلت له، فانتقل البحث إلى السؤال عما صنع حيال تلك الإصابة، فأخبر أنه عالجها بالرقية، فسأله سعيدٌ عن دليله الشرعي على ما صنع، فذكر له الحديث الوارد عن الرسول –ﷺ- في جواز الرقية، فصوَّبه في عمله بالدليل.
ثم ذكر له حالةً أحسن مما فعل، وهي الترقي إلى كمال التوحيد بترك الأمور المكروهة مع الحاجة إليها، توكلًا على الله كحالة السبعين
[ ٣٩ ]
الألف الذين يدخلون الجنة بلا حساب ولا عذاب، حيث وصفهم الرسول –ﷺ- بأنهم يتركون الرقية والكي تحقيقًا للتوحيد، ويأخذون بالسبب الأقوى وهو التوكل على الله، ولم يسألوا أحدًا غيرَه شيئًا من الرقية فما فوقها.
مناسبة الحديث للباب: أن فيه شيئًا من بيان معنى حقيقة التوحيد وثواب ذلك عند الله تعالى.
ما يستفاد من الحديث:
١- فضيلة السلف، وأن ما يرونه من الآيات السماوية لا يعدّونه عادة، بل يعلمون أنه آية من آيات الله.
٢- حرص السلف على الإخلاص وشدة ابتعادهم عن الرياء.
٣- طلب الحجة على صحة المذهب وعناية السلف بالدليل.
٤- مشروعية الوقوف عند الدليل والعمل بالعلم، وأن من عمِل بما بلغه فقد أحسن.
٥- تبليغ العلم بتلطف وحكمة.
٦- إباحة الرقية.
٧- إرشاد من أخذ بشيء مشروع إلى ما هو أفضل منه.
٨- فضيلة نبينا محمد –ﷺ- حيث عُرضت عليه الأمم.
٩- أن الأنبياء متفاوتون في عدد أتباعهم.
١٠- الرد على من احتج بالأكثر، وزعم أن الحق محصورٌ فيهم.
١١- أن الواجب اتباع الحق وإن قلّ أهله.
١٢- فضيلة موسى ﵇ وقومه.
١٣- فضيلة هذه الأمة وأنهم أكثر الأمم اتباعًا لنبيهم –ﷺ-.
[ ٤٠ ]
١- فضيلة تحقيق التوحيد وثوابه.
٢- إباحة المناظرة في العلم والمباحثة في نصوص الشرع للاستفادة وإظهار الحق.
٣- عمق علم السلف لمعرفتهم أن المذكورين في الحديث لم ينالوا هذه المنزلة إلا بعمل.
٤- حرص السلف على الخير والمنافسة على الأعمال الصالحة.
٥- أن ترك الرقية والكي من تحقيق التوحيد.
٦- طلب الدعاء من الفاضل في حياته.
٧- علَم من أعلام نبوته –ﷺ- حيث أخبر أن عكاشة من السبعين الذين يدخلون الجنة بلا حساب ولا عذاب فقُتل شهيدًا في حروب الردة ﵁.
٨- فضيلة عكاشة بن محصن ﵁.
٩- استعمال المعاريض وحسن خلقه –ﷺ- حيث لم يقل –للرجل الآخر- لست منهم.
١٠- سد الذرائع لئلا يقوم من ليس أهلًا فيُردُّ، والله أعلم.
* * *
[ ٤١ ]