وقول الله تعالى: ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ﴾ الآية.
_________________
(١) تمام الآية: ﴿قُلْ أَبِاللهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِؤُونَ﴾ [التوبة: ٦٥] . مناسبة هذا الباب لكتاب التوحيد: بيان حكم من هزل بشيء فيه ذكر الله أو القرآن أو الرسول -ﷺ- وأنه كفرٌ منافٍ للتوحيد. باب من هزل إلخ: أي: باب بيان حكم من فعل ذلك. هَزَل: الهزل: المزاح ضدّ الجد. ولئن: اللام لام القسم. سألتهم: الخطاب للنبي -ﷺ-: أي سألت هؤلاء المنافقين عن استهزائهم بك وبالقرآن. ليقولُن: معتذرين. نخوض ونلعب: ولم نقصد الاستهزاء والتكذيب، وإنما قصدنا الخوض في الحديث واللعب. قل أبالله وآياته ورسوله: أي: قل لهم -توبيخًا لهم على استهزائهم والخطاب للنبي -ﷺ- إن عذركم هذا لن يُغني عنكم من الله
[ ٣٤٨ ]
شيئًا.
المعنى الإجمالي للآية: يقول الله تعالى لنبيه – ﷺ-: ولئن سألت هؤلاء المنافقين الذين تكلّموا بكلمة الكفر استهزاءً، فإنهم سيعتذرون بأنهم لم يقصدوا الاستهزاء والتكذيب، وإنما قصدوا الخوضَ في الحديث، فأخبرَهم أن عذرهم هذا لا يُغني عنهم من الله شيئًا.
مناسبة الآية للباب: أنها تدل مع ما بعدها على كفر من هزل بشيء فيه ذكر الله أو الرسول –ﷺ- أو القرآن.
ما يستفاد من الآية:
١- أن الاستهزاء بالله وآياته ورسوله كفرٌ ينافي التوحيد.
٢- أن من فعل الكفر وادعى أنه لم يعلم أنه كفرٌ لا يعذر بذلك.
٣- وجوب تعظيم ذكر الله وكتابه ورسوله –ﷺ-.
٤- أن من تلفّظ بكلام الكفر، كفر ولو لم يعتقد ما قال بقلبه.
* * *
[ ٣٤٩ ]
عن ابن عمر ومحمد بن كعب وزيد بن أسلم وقتادة، دخل حديث بعضهم في بعض: "أنه قال رجل في غزوة تبوك: ما رأينا مثل قرائنا هؤلاء أرغب بطونًا، ولا أكذب ألسنًا، ولا أجبن عند اللقاء -يعني رسول الله ﷺ وأصحابه القرّاء- فقال له عوف بن مالك: كذبت، ولكنك منافق؛ لأخبرن رسول الله - ﷺ-، فذهب عوفٌ إلى رسول الله - ﷺ- ليخبره، فوجد القرآن قد سبقه، فجاء ذلك الرجل إلى رسول الله - ﷺ- وقد ارتحل وركب ناقته، فقال: يا رسول الله، إنما كنا نخوض ونتحدث حديث الرَّكْب نقطع به عنا الطريق". فقال ابن عمر: "كأني أنظر إليه متعلِّقًا بنسْعَة ناقة رسول الله - ﷺ- وإن الحجارة تَنْكُب رجليه، وهو يقول: إنما كنا نخوض ونلعب، فيقول له رسول الله - ﷺ-: ﴿أَبِاللهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِؤُنَ، لاَ تَعْتَذِرُواْ قَدْ كَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ . التوبة: ٦٥-٦٦] . وما يتلفت إليه، وما يزيده عليه.
_________________
(١) التراجم:
(٢) ابن عمر هو: عبد الله بن عمر بن الخطاب ﵄.
(٣) محمد بن كعب هو: محمد بن كعب بن سُليم القرَظيّ المدني وهو ثقة عالم، مات سنة ١٢٠هـ.
(٤) زيد بن أسلم هو: مولى عمر بن الخطاب –﵁- وهو ثقة مشهورٌ مات سنة ١٣٦هـ ﵀.
[ ٣٥٠ ]
٤- قتادة هو: قتادة بن دعامة السدوسي مفسِّر حافظ مات سنة ١١٧هـ تقريبًا –﵀-.
٥- عوف بن مالك: هو عوف بن مالك الأشجعيّ أول مشاهده خيبر، وروى عنه جماعةٌ من التابعين توفي سنة ٧٣هـ ﵁.
دخل حديث بعضهم في بعض: أي: أن الحديث مجموعٌ من رواياتهم.
قرّائنا: القراء: جمع قارئ، وهم عند السلف: الذين يقرؤون القرآن ويعرفون معانيه.
أرغب بطونًا: أي: أوسع بطونًا يصفونهم بسعة البطون وكثرة الأكل.
عند اللقاء: يعني: لقاء العدو.
فوجد القرآن قد سبقه: أي: جاء الوحي من الله بما قالوه قبل وصوله إلى رسول الله –ﷺ-.
إنما كنا نخوض إلخ: أي: نتبادل الحديث ولم نقصد حقيقة الاستهزاء.
نسعة: النسعة: سيرٌ مضفورٌ عريضٌ تُشد به الرحال.
المعنى الإجمالي للأثر: يصف هؤلاء الرواة ما حصل من المنافقين من الوقيعة برسول الله –ﷺ- وأصحابه والسخرية بهم؛ وذلك لما تنطوي عليه قلوب هؤلاء المنافقين من الكفر والحقد، وقد أظهر الله ذلك على ألسنتهم فقالوا ما قالوا، فأنكر عليهم من حضرهم من المؤمنين الصادقين؛ غيرةً لله ولدينه، ثم ذهب ليرفع أمرهم إلى الرسول –ﷺ-، ولكنّ الله الذي يعلم السر وأخفى قد سمع مقالتهم وأخبر بها رسولَه
[ ٣٥١ ]
قبل وصول ذلك المؤمن، وحكم عليهم سبحانه بالكفر وعدم قبول اعتذارهم، ثم جاء أحد هؤلاء المنافقين معتذرًا إلى الرسول –ﷺ- فرفض النبي –ﷺ- قبول اعتذاره؛ لأمر الله له بذلك. فلم يزِد في ردّه عليه على ما قاله الله ﷾ في حقّهم من التوبيخ والتقريع.
مناسبة الأثر للباب: أن فيه بيانًا وتفسيرًا للآية الكريمة.
ما يستفاد من الأثر:
١- بيان ما تنطوي عليه نفوس المنافقين من العداوة لله ورسوله والمؤمنين.
٢- أن من استهزأ بالله وآياته ورسوله فهو كافرٌ وإن كان مازحًا.
٣- أن ذكر أفعال الفسّاق لولاة الأمور؛ ليردعوهم ليس من الغيبة والنميمة، بل هو من النصيحة لله ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم.
٤- الغِلظة على أعداء الله ورسوله.
٥- أن من الأعذار ما لا ينبغي قبوله.
٦- الخوف من النفاق؛ فإن الله سبحانه أثبت لهؤلاء إيمانًا قبل أن يقولوا ما قالوه.
٧- أن الاستهزاء بالله أو بالرسول أو بالقرآن ناقضٌ من نواقض الإسلام ولو لم يعتقد ذلك بقلبه.
* * *
[ ٣٥٢ ]