٢- الهذيلية:
أصحاب أبي الهذيل١ حمدان بن الهذيل العلاف، شيخ المتعزلة، ومقدم الطائفة، ومقرر الطريقة، والمناظر عليها، أخذ الاعتزال عن عثمان بن خالد الطويل، عن واصل بن عطاء. ويقال أخذ واصل عن أبي هاشم عبد الله بن محمد بن الحنفية. ويقال أخذه عن الحسن بن أبي الحسن البصري، وإنما انفرد عن أصحابه بعشر قواعد:
الأولى: أن الباري٢ تعالى عالم بعلم، وعلمه ذاته، قادر بقدرة، وقدرته ذاته. حي
_________________
(١) ١ أبو الهذيل العلاف "١٣٥-٢٢٦هـ" مولى عبد القيس، وشيخ المعتزلة البصريين. ٢ في "مقالات الإسلاميين" لأبي الحسن الأشعري ص٤٨٢ ج٢ "فقال شيخهم أبو الهذيل العلاف: إن علم الباري سبحانه هو هو، وكذلك قدرته وسمعه وبصره وحكمته. وكذلك كان قوله في سائر صفات ذاته، وكان يزعم أنه إذا زعم أن البارئ عالم فقد ثبت علما هو الله، ونفى عن الله جهلا، ودل على معلوم كان أو يكون. وإذا قال إن البارئ قادر فقد ثبت قدرة هي الله، ونفى عن الله =
[ ١ / ٤٩ ]
بحياة، وحياته ذاته. وإنما اقتبس هذا الرأي من الفلاسفة الذين اعتقدوا أن ذاته واحدة لا كثرة فيها بوجه، وإنما الصفات ليست وراء الذات معاني قائمة بذاته، بل هي ذاته، وترجع إلى السلوب أو اللوازم كما سيأتي.
والفرق بين قول القائل: عالم بذاته لا بعلم، وبين قول القائل: عالم بعلم هو ذاته: أن الأول نفي الصفة، والثاني إثبات ذات هو بعينه صفة. أو إثبات صفة هي بعينها ذات، وإذا أثبت أبو الهذيل هذه الصفات وجوها للذات؛ فهي بعينها أقانيم النصارى، أو أحوال١ أبي هاشم.
_________________
(١) = عجزا، ودل على مقدور يكون أو لا يكون، وكان إذا قيل له: حدثنا عن علم الله سبحانه الذي هو الله، أتزعم أنه قدرته؟ أبى ذلك. فإذا قيل له: فهو غير قدرته؟ أنكر ذلك. وكان إذا قيل: إذا قلت إن علم الله هو الله، فقل إن الله تعالى علم، ناقض ولم يقل إنه علم، مع قوله إن علم الله هو الله". "وهذا أخذه أبو الهذيل عن أرسطاطاليس، قال في بعض كتبه: إن البارئ علم كله، قدرة كله، حياة كله، بصر كله. فحسن اللفظ عند نفسه، وقال: علمه هو هو، وقدرته هي هو". "وكان أبو الهذيل إذا قيل له: أتقول إن لله علما؟ قال: أقول إن له علما هو هو، وإنه عالم بعلم هو هو. وكذلك قوله في سائر صفات الذات. فنفى أبو الهذيل العلم من حيث أوهم أنه أثبته، وذلك أنه لم يثبت إلا البارئ فقط. وكان يقول: معنى أن الله عالم: معنى أنه قادر، ومعنى أنه حي: أنه قادر. وهذا له لازم إذا كان لا يثبت للباري صفات إلا هي هو، ولا يثبت إلا البارئ فقط" "وكان إذا قيل له: فلم اختلفت الصفات فقيل عالم، وقيل قادر، وقيل حي؟ قال: لاختلاف المعلوم والمقدور" انظر ص٤٨٦ ج٢ من "مقالات الإسلاميين". ١ في "الفرق بين الفرق" ص١١٧ " فأثبت الحال في ثلاث مواضع: أحدها: الموصوف الذي يكون موصوفا لنفسه، فاستحق ذلك الوصف لحال كان عليها. الثاني: الموصوف بالشيء لمعنى صار مختصا بذلك المعنى لحال. الثالث: ما يستحقه لا لنفسه ولا لمعنى، فيختص بذلك الوصف دون غيره عنده لحال". ثم إنه لا يقول في الأحوال إنها موجودة، ولا إنها معدومة، ولا إنها قديمة ولا محدثة، ولا معلومة ولا مجهولة. وزعم أن أحوال الباري ﷿ في معلوماته لا نهاية لها، وكذلك أحواله في مقدوراته لا نهاية لها كما أن مقدوراته لا نهاية لها. "وقالوا له: هل أحوال الباري من عمل غيره أم هي هو؟ فأجاب: بأنها لا هي هو ولا غيره، فقالوا له: فلم أنكرت على الصفاتية قولهم في صفات الله ﷿ في الأزل إنها لا هي هو ولا غيره؟ ". وانظر ما أورده الشهرستاني عند الكلام على الجبائية والبهشمية.
[ ١ / ٥٠ ]
الثانية: أنه أثبت١ إرادات لا محل لها، يكون الباري تعالى مريدا بها. وهو أول من أحدث هذه المقالة، وتابعه عليها المتأخرون.
الثالثة: قال في كلام الباري تعالى إن بعضه لا في محل وهو قوله "كن"، وبعضه في محل كالأمر، والنهي، والخبر، والاستخبار. وكان أمر التكوين عنده غير أمر التكليف.
الرابعة: قوله في القدر مثل ما قاله أصحابه، إلا أنه قدري الأولى، جبري الآخرة. فإن مذهبه في حركات أهل الخالدين في الآخرة أنها كلها ضرورية لا قدرة للعباد عليها. وكلها مخلوقة للباري تعالى، إذ لو كانت مكتسبة للعباد لكانوا مكلفين بها.
الخامسة: قوله إن حركات أهل الخالدين تنقطع، وأنهم يصيرون إلى سكون دائم خمودا، وتجتمع اللذات في ذلك السكون لأهل الجنة، وتجتمع الآلام في ذلك السكون لأهل النار. وهذا قريب من مذهب جهم، إذ حكم بفناء الجنة والنار. وإنما التزم أبو الهذيل هذا المذهب لأنه لما ألزم في مسالة حدوث العالم: أن الحوادث التي لا أول
_________________
(١) ١ قال الأشعري في "مقالات الإسلاميين" ص١٨٩ ج١: "أصحاب أبي الهذيل يزعمون أن إرادة الله غير مراده وغير أمره، وأن إرادته لمفعولاته ليست بمخلوقة على الحقيقة، بل هي مع قوله لها كوني خلق لها، وإرادجته للغيمان ليس بخلق له وهي غير الأمر به، وإرادة الله قائمة لا في مكان". وفي المصدر السابق ص٥١٢ ج٢ "ولم يقل أحد إن الخلق إرادة وقول، غير أبي الهذيل"، وفي ص٥١٠ ج١ "وقال أبو الهذيل: إرادة الله سبحانه لكون الشيء هي غير الشيء المكون، وهي توجد لا في مكان، وإرادته للإيمان غيره وغير الأمر به وهي مخلوقة، ولم يجعل الإرادة أمرا ولا حكما ولا خبرا. وإلى هذا القول كان يذهب محمد بن عبد الوهاب الجبائي، إلا أن أبا الهذيل كان يزعم أن الإرادة لتكوين الشيء والقول له كن خلق للشيء. وكان الجبائي يقول إن الإرادة لتكوين الشيء هي غيره وليست بخلق له، ولا جائز أن يقول الله سبحانه للشيء كن. وكان يزعم أن الخلق هو المخلوق، وكان أبو الهذيل لا يثبت الخلق مخلوقا. وفي صفحة ٥١١ ج٢ "وكان أبو الهذيل يقول إن الخلق الذي هو إرادة وقول، لا يقال إنه مخلوق إلا على المجاز، وخلق الله سبحانه للشيء مؤلفا الذي هو تأليف، وخلقه للشيء ملونا الذي لون، وخلقه للشيء طويلا الذي هو طول مخلوق في الحقيقة".
[ ١ / ٥١ ]
لها كالحوادث التي لا آخر لها، إذ كل واحدة لا تتناهى؛ قال: إني لا أقول بحركات لا تتناهى آخرا، كما لا أقول بحركات لا تتناهى أولا، بل يصيرون إلى سكون دائم. وكأنه ظن أن ما لزمه في الحركة لا يلزمه في السكون.
السادسة: قوله في الاستطاعة إنها عرض عن الأعراض غير السلامة والصحة، وفرق بين أفعال القلوب وأفعال الجوارح، فقال لا يصح وجود أفعال القلوب منه مع عدم القدرة، فالاستطاعة معها في حال الفعل. وجوز ذلك في أفعال الجوارح وقال بتقدمها فيفعل بها في الحال الأولى وإن لم يوجد الفعل إلا في الحال الثانية، قال: "فحال يفعل" غير "حال فعل" ثم ما تولد من فعل العبد فهو فعله، غير اللون والطعم والرائحة وكل ما لا يعرف كيفيته. وقال في الإدراك والعلم الحادثين في غيره عند إسماعه وتعليمه: إن الله تعالى يبدعهما فيه، وليسا من أفعال العباد.
السابعة: قوله في المكلف قبل ورود السمع: إنه يجب عليه أن يعرف الله تعالى بالدليل من غير خاطر، وإن قصر في المعرفة استوجب العقوبة أبدا، ويعلم أيضا حسن الحسن وقبح القبيح، فيجب عليه الإقدام على الحسن كالصدق والعدل. والإعراض عن القبيح كالكذب والجور. وقال أيضا بطاعات لا يراد بها الله تعالى، ولا يقصد بها التقرب إليه؛ كالقصد إلى النظر الأول، والنظر الأول فإنه لم يعرف الله بعد، والفعل عبادة. وقال في المكره: إذا لم يعرف التعريض والتورية فيما أكره عليه فله أن يكذب، ويكون وزره موضوعا عنه.
الثامنة: قوله في الآجال والأرزاق: إن الرجل إن لم يقتل مات في ذلك الوقت، ولا يجوز أن يزاد في العمر أو ينقص، والأرزاق على وجهين:
أحدهما: ما خلق الله تعالى من الأمور المنتفع بها يجوز أن يقال: خلقها رزقا للعباد، فعلى هذا من قال: إن أحدا أكل أو انتفع بما لم يخلقه الله رزقا فقد أخطأ لما فيه أن في الأجسام ما لم يخلقه الله تعالى.
[ ١ / ٥٢ ]
والثاني: ما حكم الله به من هذه الأرزاق للعباد، فما أحل منها فهو رزقه، وما حرم فليس رزقا، أي ليس مأمورا بتناوله.
التاسعة: حكى الكعبي عنه أنه قال: إرادة الله غير المراد، فإرادته لما خلق هي خلقه له، وخلقه للشيء عنده غير الشيء، بل الخلق عنده قول لا في محل. وقال إنه تعالى لم يزل سميعا بصيرا بمعنى سيسمع وسيبصر، وكذلك لم يزل غفورا، رحيما، محسنا، خالقا، رازقا، مثيبا، معاقبا، مواليا، معاديا، آمرا، ناهيا، بمعنى أنه ذلك سيكون منه.
العاشرة: حكى الكعبي عنه أنه قال: الحجة لا تقوم فيما غاب إلا بخبر عشرين؛ فيهم واحد من أهل الجنة أو أكثر. ولا تخلو الأرض عن جماعة هم أولياء الله معصومون، لا يكذبون، ولا يرتكبون الكبائر، فهم الحجة لا التواتر. إذ يجوز أن يكذب جماعة ممن لا يحصون عددا إذا لم يكونوا أولياء الله، ولم يكن فيهم واحد معصوم.
وصحب أبا الهذيل: أبو يعقوب الشحام١، والآدمي، وهما على مقالته، وكان سنه مائة سنة، توفي في أول خلافة المتوكل سنة خمس وثلاثين ومائتين.
_________________
(١) ١ أبو يعقوب الشحام مات سنة ٢٦٧هـ وكان رئيس معتزلة البصرة في عصره، وقد عينه الواثق رئيسا لديوان الخراج. قال الأشعري في "مقالات الإسلاميين" ص١٩٩ ج١ "وزعم بعضهم وهو الشحام أن الله يقدر على ما أقدر عليه عباده. وإن حركة واحدة تكون مقدورة لله وللإنسان، فإن فعلها الله كانت ضرورة، وإن فعلها الإنسان كانت كسبا".
[ ١ / ٥٣ ]