الفصل الأول: المعتزلة
ويسمون أصحاب العدل والتوحيد، ويلقبون بالقدرية، والعدلية، وهم قد جعلوا لفظ القدرية مشتركا، وقالوا: لفظ القدرية يطلق على من يقول بالقدر خيره وشره من الله تعالى، احترازا من وصمة اللقب، إذ كان الذي به متفقا عليه لقول النبي ﵇: "القدرية مجوس هذه الأمة" وكانت الصفاتية تعارضهم بالاتفاق، على أن الجبرية والقدرية متقابلتان تقابل التضاد؛ فكيف يطلق لفظ الضد على الضد؟ وقد قال النبي ﵇: "القدرية خصماء الله في القدر" والخصومة في القدر، وانقسام الخير والشر على فعل الله وفعل العبد لن يتصور على مذهب من يقول بالتسليم والتوكل، وإحالة الأحوال كلها على القدر المحتوم، والحكم المحكوم، والذي يعم طائفة المعتزلة من الاعتقاد:
[ ١ / ٤٣ ]
القول بأن الله تعالى قديم، والقدم أخص وصف ذاته. ونفوا الصفات القديمة١ أصلا، فقالوا: هو عالم بذاته، قادر بذاته، حي بذاته؛ لا بعلم وقدرة وحياة. هي صفات قديمة، ومعان قائمة به؛ لأنه لو شاركته الصفات في القدم الذي هو أخص الوصف
_________________
(١) ١ الكلام في صفات الله نفيا وإثباتا من الموصوعات التي شغلت بعض المفكرين من أهل الديانات الأخرى السابقة على الإسلام. فنجد البيروني يحكي عن الهنود فيقول "ص١٣" "العالم بذاته سرمدا إذ العلم الطارئ يكون لما لم يكن بمعلوم، وليس الجهل بمتجه عليه في وقت ما، أو حال. ثم يقول السائل بعد ذلك: فهل له من الصفات غير ما ذكرت؟ ويقول المجيب: له العلو التام في القدرة لا المكان، فإنه يجل عن التمكن، وهو الخير المحض التام الذي يشتاقه كل موجود، وهو العلم الخالص عن دنس السهو والجهل. قال السائل: أفتصفه بالكلام أم لا؟ قال المجيب: إذا كان عالما فهو لا محالة متكلم. قال السائل: فإن كان متكلما لأجل علمه فما الفرق بينه وبين العلماء والحكماء الذين تكلموا من أجل علومهم؟ قال المجيب: الفرق بينهم هو الزمان؛ فإنهم تعلموا فيه وتكلموا بعد أن لم يكونوا عالمين ولا متكلمين، ونقلوا بالكلام علومهم إلى غيرهم، فبكلامهم وإفادتهم في زمان، وإذ ليس للأمور الإلهية بالزمان اتصال فالله سبحانه عالم متكلم في الأزل. قال السائل: فمن أين له هذا العلم؟ قال المجيب: علمه على حاله في الأزل وإذ لم يجهل قط فذاته عالمة لم تكتسب علما لم يكن له". "ويختلف كلام الهند في معنى الفعل. فمن أضافه إليه -أي إلى الله- كان من جهة السبب الأعم، لأن قوام الفاعلين إذا كان به كان هو سبب فعلهم، فهو فعله بوساطتهم. ومن أضافه إلى غيره فمن جهة الوجود الأدنى. وفي كتاب سانك؛ قال الناسك: هل اختلف في الفعل والفاعل أم لا؛ قال الحكيم: قد قال قوم إن النفس غير فاعلة، والمادة غير حية. فالله المستغني هو الذي يجمع بينهما ويفرق. فهو الفاعل، والفعل واقع من جهته يتحريكهما كما يحرك الحي القادر الموات العاجز. وقال آخرون: إن اجتماعهما بالطباع، فهكذا جرت العادة في كل ناشئ بال. وقال آخرون: الفاعل هو النفس. وقال آخرون: الفاعل هو الزمان، فإن العالم مربوط به رباط الشدة بحبل مشدود بها حتى تكون حركتها بحسب انجذابه واسترخائه". قال البيروني: "وكل هذه الآراء منحرفة عن الصواب، وإنما الحق فيه أن الفعل كله للمادة، لأنها هي التي تربط وتردد في الصور وتخلي، فهي الفاعلة وسائر ما تحتها أعوان لها على إكمال الفعل، ولخلو النفس عن القوى المختلفة هي غير فاعلة، فهذا قول خواصهم في الله تعالى ويسمونه "ايشفر"، أي المستغني الجواد الذي يعطي ولا يأخذ، لأنهم رأوا وحدته هي المحضة ووحدة ما سواه بوجه من الوجوه متكثرة، ورأوا وجوده حقيقيا لان قوام الموجودات به، ولا يمتنع توهم ليس فيها مع أيس فيه، كما يمتنع توهم ليس فيه مع أيس فيها". وقد أورد الشهرستاني آراء فلاسفة اليونان في الذات والصفات. فمن ذلك قول أنبا دقليس وهو "إن الباري تعالى يعلم هويته فقط؛ وهو العلم المحض، وهو الإرادة المحضة، وهو الجواد، والعزة، والقدرة، والعدل، والخير والحق؛ لا أن هناك قوى مسماة بهذه الأسماء، بل هي: هو، وهو: هذه كلها".
[ ١ / ٤٤ ]
لشاركته في الإلهية. واتفقوا على أن كلام محدث مخلوق في محل، وهو حرف وصوت كتب أمثاله في المصاحف حكايات عنه. فإن ما وجد في المحل عرض قد فني في الحال. واتفقوا على أن الإرادة والسمع والبصر ليست معاني قائمة بذاته، ولكن اختلفوا في وجوه وجودها، ومحامل معانيها كما سيأتي، واتفقوا على نفي رؤية الله تعالى بالأبصار في دار القرار، ونفي التشبيه عنه من كل وجه: جهة، ومكانا، وصورة، وجسما، وتحيزا، وانتقالا، وزوالا، وتغيرا، وتأثرا، وأوجبوا تأويل الآيات المتشابة فيها، وسموا هذا النمط: توحيدا.
واتفقوا على أن العبد قادر خالق لأفعاله خيرها وشرها، مستحق على ما يفعله ثوابا وعقابا في الدار الآخرة، والرب تعالى منزه أن يضاف إليه شر وظلم، وفعل هو كفر ومعصية، لأنه لو خلق الظلم كان ظالما، كما لو خلق العدل كان عادلا.
واتفقوا على أن الله تعالى لا يفعل إلا الصلاح والخير، ويجب من حيث الحكمة رعاية مصالح العباد. وأما الأصلح واللطف ففي وجوبه عندهم خلاف. وسموا هذا النمط: عدلا.
واتفقوا على أن المؤمن إذا خرج من الدنيا على طاعة وتوبة، استحق الثواب والعوض. والتفضل معنى آخر وراء الثواب. وإذا خرج من غير توبة عن كبيرة ارتكبها، استحق الخلود في النار، لكن يكون عقابه أخف من عقاب الكفار، وسموا هذا النمط: وعدا ووعيدا.
واتفقوا على أن أصول المعرفة، وشكر النعمة واجبة قبل ورود السمع. والحسن والقبح يجب معرفتهما بالعقل. واعتناق الحسن، واجتناب القبيح واجب كذلك. وورود التكاليف ألطاف للباري تعالى، أرسلها إلى العباد بتوسط الأنبياء ﵈ امتحانا واختبارا ﴿لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ﴾ ١.
_________________
(١) ١ الأنفال آية ٤٢.
[ ١ / ٤٥ ]
واختلفوا في الإمامة، والقول فيها نصا، واختيارا، كما سيأتي عند مقالة كل طائفة.
والآن نذكر ما يختص بطائفة طائفة من المقالة التي تميزت بها عن أصحابها.
[ ١ / ٤٦ ]