أصحاب جهم١ بن صفوان وهو من الجبرية الخالصة، ظهرت بدعته بترمذ، وقتله سلم بن أحوز المازني بمرو في آخر ملك بني أمية. وافق المعتزلة في نفي الصفات الأزلية، وزاد عليهم بأشياء:
منها قوله: لا يجوز أن يوصف الباري تعالى بصفة يوصف بها خلفه، لأن ذلك يقضي تشبيها، فنفي كونه حيا عالما، وأثبت كونه: قادرا، فاعلا، خالقا؛ لأنه لا يوصف شيء من خلقه بالقدرة، والفعل، والخلق.
_________________
(١) ١ جهم بن صفوان تلميذ الجعد بن درهم الذي قتله خالد بن عبد الله القسري سنة ١٢٤ على الزندقة والإلحاد. والجعد أول من ابتدع القول بخلق القرآن. وتعطيل الله عن صفاته. وكان جهم يخرج بأصحابه فيقفهم على المجذومين ويقول: انظروا، أرحم الراحمين يفعل مثل هذا؟ إنكارا لرحمته كما أنكر حكمته. قال عبد القاهر البغدادي في الفرق بين الفرق ص١٢٨ "ووصفه بأنه قادر وموجد، وفاعل، وخالق، ومحيي، ومميت؛ لأن هذه الأوصاف مختصة به وحده. وقال: لا فعل ولا عمل لأحد غير الله تعالى، وإنما تنسب الأعمال إلى المخلوقين على المجاز كما يقال زالت الشمس ودارت الرحى من غير أن يكونا فاعلين أو مستطيعين لما وصفتا به. وكان جهم مع ضلالته التي ذكرناها يحمل السلاح ويقاتل السلطان، ويخرج مع سريج بن الحارث على نصر بن سيار، وقتله سلم بن أحوز المازني في آخر زمان بني مروان".
[ ١ / ٨٦ ]
ومنها إثباته علوما حادثة للباري تعالى١ لا في محل. قال: لا يجوز أن يعلم الشيء قبل خلقه؛ لأنه لو علم ثم خلق، أفبقي علمه على ما كان أم لم يبق؟ فإن بقي فهو جهل، فإن العلم بأن سيوجد غير العلم بأن قد وجد. وإن لم يبق فقد تغير، والمتغير مخلوق ليس بقديم. ووافق في هذا المذهب هشام بن الحكم كما تقرر. قال: وإذا ثبت حدوث العلم فليس يخلو: إما أن يحدث في ذاته تعالى، وذلك يؤدي إلى التغير في ذاته، وأن يكون محلا للحوادث، وإما أن يحدث في محل فيكون المحل موصوفا به، لا الباري تعالى، فتعين أنه لا محل له. فأثبت علوما حادثة بعدد الموجودات المعلومة.
ومنها قوله في القدرة الحادثة: إن الإنسان لا يقدر على شيء، ولا يوصف بالاستطاعة، وإنما هو مجبور في أفعاله؛ لا قدرة له، ولا إرادة، ولا اختيار، وإنما يخلق الله تعالى الأفعال فيه على حسب ما يخلق في سائر الجمادات، وتنسب إليه الأفعال مجازا كما تنسب إلى الجمادات، كما يقال: أثمرت الشجرة، وجرى الماء، وتحرك الحجر، وطلعت الشمس وغربت، وتغيمت السماء وأمطرت، واهنتزت الأرض وأنبتت، إلى غير ذلك والثواب والعقاب جبر، كما أن الأفعال كلها جبر. قال: وإذا ثبت الجبر فالتكليف أيضا كان جبرا.
ومنها قوله: إن حركات أهل الخالدين تنقطع، والجنة والنار تفنيان بعد دخول أهلهما فيهما وتلذذ أهل الجنة بنعيمها، وتألم أهل النار بجحيمها؛ إذ لا تتصور حركات لا تتناهى آخرا، كما لا تتصور حركات لا تتناهى أولا. وحمل قوله تعالى:
_________________
(١) ١ في "مقالات الإسلاميين" للأشعري ٢/ ٤٩٤ "وقال جهم: إن علم الله محدث؛ هو أحدثه فعلم به وأنه غير الله. وقد يجوز عنده أن الله يكون عالما بالأشياء كلها قبل وجودها بعلم يحدثه قبلها". "وحكى عنه حاك خلاف هذا؛ فزعم أن الذي بلغه عنه أنه كان يقول: إن الله يعلم الشيء في حال حدوثه، ومحال أن يكون الشيء معلوما وهو معدوم؛ لأن الشيء عنده هو الجسم الموجود، وما لبس بموجود فليس بشيء فيعلم أو يجهل. فألزمه مخالفوه أن الله علما محدثا إذ زعم أن الله قد كان غير عالم ثم علم. ويجب على أصله أن يقول في القدرة والحياة كقوله في العلم".
[ ١ / ٨٧ ]
﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾ على المبالغة والتأكيد دون الحقيقة في التخليد، كما يقال خلد الله ملك فلان، واستشهد على الانقطاع بقوله تعالى: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ﴾ ١ فالآية اشتملت على شريطة واستثناء، والخلود والتأبيد لا شرط فيه ولا استثناء.
ومنها قوله: من أتى بالمعرفة ثم جحد بلسانه لم يكفر بجحده، لأن العلم والمعرفة لا يزولان بالجحد، فهو مؤمن. قال: والإيمان لا يتبعض أي لا ينقسم إلى: عقد، وقول، وعمل. قال: ولا يتفاضل أهله فيه، فإيمان الأنبياء، وإيمان الأمة على نمط واحد إذ المعارف لا تتفاضل، وكان السلف كلهم من أشد الرادين عليه، ونسبته إلى التعطيل المحض. وهو أيضا موافق للمعتزلة في نفي الرؤية، وإثبات خلق الكلام، وإيجاب المعارف بالعقل قبل ورود السمع.
_________________
(١) ١ هود آية ١٠٨.
[ ١ / ٨٨ ]