أصحاب أبي الحسن بن أبي عمرو الخياط١، أستاذ أبي القاسم بن محمد
_________________
(١) ١ هو مؤلف كتاب "الانتصار والرد على ابن الرواندي" دافع فيه عن المعتزلة، وبرأهم مما رماهم به ابن الرواندي، توفي سنة ٣٠٠هـ. قال عبد القاهر ص١٠٧ "وانفرد بقول لم يسبق إليه في المعدوم. وذلك أن المعتزلة اختلفوا في تسمية المعدوم شيئا، فمنهم من قال: لا يصح أن يكون المعدوم معلوما ومذكورا. ولا يصح كونه شيئا ولا ذاتا جوهرا ولا عرضا. وهذا اختيار الصالحي منهم وهو موافق لأهل السنة، في المنع في تسمية المعدوم شيئا. وزعم آخرون من المعتزلة أن المعدوم شيء، ومعلوم، ومذكور، وليس بجوهر ولا عرض، وهذا اختيار الكعبي منهم. وزعم الجبائي وابنه أبو هاشم أن كل وصف يستحقه الحادث لنفسه أو لجنسه فإن الوصف ثابت له في حال عدمه. وزعم أن الجوهر كان في حال عدمه جوهرا، وكان العرض في حال عدمه عرضا، وكان السواد سوادا، والبياض بياضا في حال عدمهما، وامتنع هؤلاء كلهم عن تسمية المعدوم جسما من قبل، لأن الجسم عندهم مركب، وفيه تأليف، وطول، وعرض، وعمق. ولا يجوز وصف معدوم بما يوجب قيام معنى به. وفارق الخياط في هذا الباب جميع المعتزلة وسائر فرق الأمة. فزعم أن الجسم في حال عدمه يكون جسما، لأنه يجوز أن يكون في حال حدوثه جسما. ولم يجز أن يكون المعدوم متحركا لأن الجسم في حال حدوثه لا يصح أن يكون متحركا عنده. فقال: كل وصف يجوز ثبوته في حال الحدوث فهو ثابت له في =
[ ١ / ٧٦ ]
الكعبي١. وهما من معتزلة بغداد على مذهب واحد، إلا أن الخياط غالى في إثبات المعدوم شيئا وقال: الشيء ما يعلم ويخبر عنه، والجوهر جوهر في العدم، والعرض عرض في العدم. وكذلك أطلق جميع الأجناس والأصناف حتى قال: السواد سواد
_________________
(١) = حال عدمه. ويلزمه على هذا الاعتدال أن يكون الإنسان قبل حدوثه إنسانا، لأن الله تعالى لو أحدثه على صورة الإنسان بكاملها من غير نقل له في الأصلاب والأرحام، ومن غير تغيير له من صورة إلى صورة أخرى يصح ذلك. وكان هؤلاء الخياطية يقال لهم المعدومية لإفراطهم بوصف المعدوم بأكثر أوصاف الموجودات. "وقد نقض الجبائي على الخياط قوله بأن الجسم جسم قبل حدوثه. وذكر أن قوله بذلك يؤديه إلى القول بقدم الأجسام. وهذا الإلزام متوجه على الخياط. ويتوجه مثله على الجبائي وابنه في قولهما بأن الجواهر والأعراض كانت في حال العدم أعراضا وجواهر. فإذا قالوا: لم تزل أعيانا وجواهر وأعراضا ولم يكن حدوثها لمعنى سوى أعيانها. فقد لزمهم القول بوجودها في الأزل. وساروا في التحقيق إلى معنى قول الذين قالوا بقدم الجوهر والأعراض". ١ تكلم عبد القاهر عن الكعبية ص١٠٨ فقال: "هؤلاء أتباع أبي القاسم عبد الله بن أحمد بن محمود البلخي المعروف بالكعبي خالف البصريين من المعتزلة في أحوال كثيرة. منها: أن البصريين منهم أقروا بأن الله تعالى يرى خلقه من الأجسام والألوان، وأنكروا أن يرى نفسه، كما أنكروا أن يراه غيره. وزعم الكعبي أن الله تعالى لا يرى نفسه ولا غيره إلا على معنى علمه بنفسه وبغيره. وتبع النظام في قوله إن الله تعالى لا يرى شيئا في الحقيقة. ومنها: أن البصريين منهم مع أصحابنا في أن الله ﷿ سامع للكلام والأصوات على الحقيقة لا على معنى أنه عالم بهما. وزعم الكعبي والبغداديون من المعتزلة أن الله تعالى لا يسمع شيئا على معنى الإدراك المسمى بالسمع. وتأولوا وصفه بالسمع البصير على معنى أنه عليم بالمسموعات التي يسمعها غيره، والمرئيات التي يراها غيره. ومنها: أن البصريين منهم مع أصحابنا في أن الله ﷿ مريد على الحقيقة. غير أن أصحابنا قالوا إنه لم يزل مريدا بإرادة أزلية. وزعم البصريون من المعتزلة أنه يريد بإرادة حادثة لا في محل. وخرج الكعبي والنظام وأتباعهما عن هذين الوقلين. وزعموا أنه ليست لله تعالى إرادة على الحقيقة. وزعموا أنه إذا قيل إن الله ﷿ أراد شيئا من فعله فمعناه أنه فعله. وإذا قيل إنه أراد من عنده فعلا فمعناه أنه أمر به. وقالوا إن وصفه بالإرادة في الوجهين جمعيا مجاز. كما أن وصف الجدار بالإرادة في قول الله تعالى- جدارا يريد أن ينقض فأقامه. قال: لو شئت لاتخذت عليه أجرا- مجاز. وقد أكفرهم البصريون مع أصحابنا في نفيهم إرادة الله ﷿". "ومنها: أن الكعبي على قول من أوجب على الله تعالى فعل الأصح في باب التكليف" توفي الكعبي سنة ٣١٩هـ.
[ ١ / ٧٧ ]
في العدم. فلم يبق إلا صفة الوجود أو الصفات التي تلزم الوجود والحدوث. وأطلق على المعدوم لفظ الثبوت، وقال في نفي الصفات عن الباري مثل ما قاله أصحابه، وكذا القول في القدر والسمع، والعقل، وانفرد الكعبي عن أستاذه بمسائل:
منها قوله: إن إرادة الباري تعالى ليست صفة قائمة بذاته، ولا هو مريد لذاته، ولا إرادته حادثة في محل أولا في محل. بل إذا أطلق عليه أنه مريد فمعناه أنه عالم، قادر، غير مكره في فعله، ولا كاره. ثم إذا قيل هو مريد لأفعاله، فالمراد به أنه خالق لها على وفق علمه، وإذا قيل هو مريد لأفعال عباده، فالمراد به أنه آمر بها، راض عنها. وقوله في كونه سميعا بصيرا راجع إلى ذلك أيضا، فهو سميع بمعنى أنه عالم بالمسموعات، وبصير بمعنى أنه عالم بالمبصرات. وقوله في الرؤية كقول أصحابه نفيا وإحالة. غير أن أصحابه قالوا: يرى الباري تعالى ذاته، ويرى المرئيات، وكونه مدركا لذلك زائد على كونه عالما. وقد أنكر الكعبي ذلك؛ قال: معنى قولنا: يرى ذاته ويرى المرئيات: أنه عالم بها فقط.
[ ١ / ٧٨ ]