أصحاب الحسين١ بن محمد النجار، وأكثر معتزلة الري وما حواليها على مذهبه. وهم وإن اختلفوا أصنافا إلا أنهم لم يختلفوا في المسائل التي عددناها أصولا، وهم:
_________________
(١) ١ يطلق بعضهم على النجارية اسم الجنسية. وقد مات النجار في حدود سنة ٢٣٠هـ. قال الأشعري في "مقالات الإسلاميين" ١/ ٢٨٣" زعم الحسين بن محمد النجار وأصحابه وهم الحسينية أن أعمال العباد مخلوقة لله وهم فاعلون لها. وأنه لا يكون في ملك الله سبحانه إلا ما يرديه، وأن الله سبحانه لم يزل مريدا أن يكون في وقته ما علم أنه يكون في وقته، مريدا أن لا يكون ما علم أنه لا يكون". "وأن الاستطاعة لا يجوز أن تتقدم الفعل، وأن العون من الله سبحانه يحدث في حال الفعل مع الفعل؛ وهو الاستطاعة. وأن الاستطاعة الواحدة لا يفعل بها فعلان، وأن لكل فعل استطاعة تحدث معه إذا حدث، وأن الاستطاعة لا تبقى، وأن في وجودها وجود الفعل، وفي عدمها عدم الفعل. وأن استطاعة الإيمان توفيق وتسديد، وفضل ونعمة، وأحسان وهدى. وأن استطاعته الكفر ضلال وخذلان، وبلاء وشر". "وكان يخالف المعتزلة في القدر، ويقول بالإرجاء. وأن الله سبحانه يرزق الحلال ويرزق الحرام، وأن الرزق على ضربين: رزق غذاء، ورزق ملك".
[ ١ / ٨٨ ]
برغوثية، وزعفرانية، ومستدركة، ووافقوا المعتزلة في نفي الصفات من العلم، والقدرة، والإرادة، والحياة، والسمع، والبصر. ووافقوا الصفاتية في خلق الأعمال.
قال النجار: الباري تعالى مريد لنفسه كما هو عالم لنفسه، فألزم عموم التعلق، فالتزم وقال: هو مريد الخير والشر، والنفع والضر، وقال أيضا: معنى كونه مريدا أنه غير مستكره ولا مغلوب، وقال: هو خالق أعمال العباد، خيرها وشرها، حسنها وقبيحها، والعبد مكتسب لها. وأثبت تأثيرا للقدرة الحادثة؛ وسمى ذلك كسبا على حسب ما يثبته الأشعري، ووافقه أيضا في أن الاستطاعة مع الفعل. وأما في مسألة الرؤية فأنكر رؤية الله تعالى بالأبصار وأحالها؛ غير أنه قال: يجوز أن يحول الله تعالى القوة التي في القلب من المعرفة إلى العين؛ فيعرف الله تعالى بها فيكون ذلك رؤية. وقال بحدوث الكلام لكنه انفرد عن المعتزلة بأشياء منها:
قوله إن كلام الباري تعالى إذا قرئ فهو عرض، وإذا كتب فهو جسم. ومن العجب أن الزعفرانية١ قالت كلام الله غيره، وكل ما هو غيره فهو مخلوق، ومع ذلك قالت: كل من قال إن القرآن مخلوق فهو كافر. ولعلهم أرادوا بذلك الاختلاف، وإلا فالتناقض ظاهر. والمستدركة٢ منهم زعموا أن كلامه غيره، وهو مخلوق لكن النبي، ﷺ قال: "كلام الله غير مخلوق" والسلف عن آخرهم أجمعوا
_________________
(١) ١ قال عبد القاهر ص١٢٧ وهؤلاء أتباع الزعفران الذي كان بالري. وكان يناقض بآخر كلامه أوله. فيقول: إن كلام الله تعالى غيره، وكل ما هو غير الله تعالى مخلوق. ثم يقول مع ذلك: الكلب خير ممن يقول كلام الله مخلوق. وذكر بعض أصحاب التواريخ أن هذا الزعفراني أراد أن يشهر نفسه في الآفاق فاكترى رجلا على أن يخرج إلى مكة ويسبه ويلعنه في مواسم مكة ليشتهر ذكره عند حجيج الآفاق". ٢ قال عبد القاهر ص١٢٧ "هؤلاء قوم من النجارية يزعمون أنهم استدركوات ما خفي على أسلافهم لأن أسلافهم منعوا إطلاق القول بأن القرآن مخلوق. وزعمت المستدركة أنه مخلوق، ثم افترقوا فيما بينهم فرقتين: فرقة زعمت أن النبي ﷺ قد قال إن كلام الله مخلوق على ترتيب هذه الحروف، ولكنه اعتقد ذلك بهذه اللفظة على ترتيبه حروفها. ومن لم يقل إن النبي ﵇ قال ذلك على ترتيب هذه الحروف فهو كافر". "وقالت الفرقة الثانية منهم إن النبي ﵇ لم يقل كلام الله مخلوق على ترتيب هذه الحروف ولكنه اعتقد ذلك ودل عليه. ومن زعم أنه قال إن كلام الله مخلوق بهذه اللفظة فهو كافر".
[ ١ / ٨٩ ]
هذا هذه العبارة، فوافقناهم، وحملنا قولهم غير مخلوق، أي على هذا الترتيب والنظم من الحروف والأصوات، بل هو مخلوق على غير هذه الحروف بعينها، وهذه حكاية عنها. وحكى الكعبي عن النجار أنه قال: الباري تعالى بكل مكان ذاتا، ووجودا لا معنى العلم والقدرة، وألزمه محالات على ذلك.
وقال في المفكر: قبل ورود السمع مثل ما قالت المعتزلة إنه يجب عليه تحصيل المعرفة بالنظر والاستدلال.
وقال في الإيمان: إنه عبارة عن التصديق، ومن ارتكب كبيرة، ومات عليها من غير توبة عوقب على ذلك، ويجب أن يخرج من النار، فليس من العدل التسوية بينه وبين الكفار في الخلود.
ومحمد بن عيسى الملقب ببرغوث، وبشر بن غياث المريسي، والحسن النجار متقاربون في المذهب، وكلهم أثبتوا كونه تعالى مريدا لم يزل لكل ما علم أنه سيحدث من خير وشر وإيمان وكفر، وطاعة ومعصية. وعامة المعتزلة يأبون ذلك.
[ ١ / ٩٠ ]