أصحاب أبي ثوبان١ المرجئ، الذين زعموا أن الإيمان هو المعرفة والإقرار بالله تعالى، وبرسله ﵈، وبكل ما لا يجوز في العقل أن يفعله، وما جاز في العقل تكره فليس من الإيمان، وأخر العمل كله عن الإيمان.
ومن القائلين بمقالة أبي ثوبان هذا: أبو مروان غيلان٢ بن مروان الدمشقي، وأبو شمر٣، ومويس بن عمران، والفضل الرقاشي، ومحمد بن شبيب، والعتابي، وصالح قبة.
_________________
(١) ١ في الفرق بين الفرق ص١٢٤ "أتباع ثوبان المرجئ الذي زعم أن الإيمان هو الإقرار والمعرفة بالله. وبرسله، وبكل ما يجب في العقل فعله، وما جاز في العقل لا يفعل فليست المعرفة من الإيمان. وفارقوا اليونسية والغسانية بإيجابهم في العقل شيئا قبل ورود الشرع بوجوبه". وفي "مقالات الإسلاميين" ص١٣٥ ج١ "أصحاب أبي ثوبان يزعمون أن الإيمان هو الإقرار بالله وبرسله. وما كان لا يجوز في العقل إلا أن يفعله، وما كان جائزا في العقل أن لا يفعله، فليس ذلك من الإيمان". ٢ في "مقالات الإسلاميين" ص١٣٦ جـ١ "والفرقة السابعة من المرجئة: الغيلانية، أصحاب غيلان، يزعمون أن الإيمان المعرفة بالله الثانية، والمحبة والخضوع والإقرار بما جاء به الرسول، وبما جاء من عند الله سبحانه، وذلك أن المعرفة الأولى عنده، اضطرار فلذلك لم يجعلها من الإيمان". وذكر محمد بن شبيب عن الغيلانية أنهم يوافقون الشمرية في الخصلة من الإيمان أنه لا يقال لها إيمان إذا انفردت، ولا يقال لها بعض الإيمان إذا انفردت، وأن الإيمان لا يحتمل الزيادة والنقصان. وأنهم خالفوهم في العلم فزعموا أن العلم بأن الأشياء محدثة مدبرة ضرورة، والعلم بأن محدثها ومدبرها ليس باثنين ولا أكثر من ذلك اكتساب. وجعلوا العلم بالنبي ﷺ، وبما جاء من عند الله اكتسابا، وزعموا أنه من الإيمان إذا كان الذي جاء من عند الله منصوصا بإجماع المسلمين، ولم يجعلوا شيئا من الذين مستخرجا إيمانا". وينكرون أن يكون في الكفار إيمان، وأن يقال إن فيهم بعض إيمان إذ كان الإيمان لا يتبعض عندهم". ٣ قال عبد القاهر البغدادي ص١٢٤ "قال أبو شمر: الإيمان هو المعرفة والإقرار بالله تعالى =
[ ١ / ١٤٢ ]
وكان غيلان يقول بالقدر خيره وشره من العبد، وفي الإمامة إنها تصلح في غير قريش، وكل من كان قائما بالكتاب والسنة كان مستحقا لها، وإنها لا تثبت إلا بإجماع الأمة. والعجب أن الأمة أجمعت على أنها لا تصلح لغير قريش. وبهذا دفعت الأنصار عن قولهم: منا أمير ومنكم أمير. فقد جمع غيلان خصالا ثلاثا: القدر، والإرجاء، والخروج.
والجماعة التي عددناهم اتفقوا على أن الله تعالى لو عفا عن عاص في القيامة، عفا عن كل مؤمن عاص هو في مثل حاله. وإن أخرج من النار واحدا، أخرج من هو في مثل حاله. ومن العجب أنهم لم يجزموا القول بأن المؤمنين من أهل التوحيد يخرجون من النار لا محالة.
ويحكى عن مقاتل بن سليمان: أن المعصية لا تضر صاحب التوحيد والإيمان. وأنه لا يدخل النار مؤمن. والصحيح من النقل عنه: أن المؤمن العاصي ربه يعذب يوم القيامة على الصراط وهو على متن جهنم، يصيبه لفح النار وحرها ولهيبها. فيتألم بذلك على قدر معصيته، ثم يدخل الجنة. ومثل ذلك بالحبة على المقلاة المؤججة بالنار.
ونقل عن بشر بن غياث المريسي١ أنه قال: إذا دخل أصحاب الكبائر
_________________
(١) = وبما جاء من عنده مما اجتمعت عليه الأمة، كالصلاة، والزكاة، والصيام، والحج، وتحريم الميتة، والدم ولحم الخنزير، ووطء المحارم، ونحو ذلك. وما عرف بالعقل من عدل الإيمان، وتوحيده، ونفي التشبيه عنه". "وأراد بالعقل قوله بالقدر، وأراد بالتوحيد نفيه عن الله صفاته الأزلية. قال: كل ذلك إيمان والشاك فيه كافر، والشاك في الشاك أيضا كافر، ثم كذلك أبدا". "وزعم أن هذه المعرفة لا تكون إيمانا إلا مع الإقرار. وهذه الفرقة عند أهل السنة والجماعة أكفر أصناف المرجئة، لأنها جمعت بين ضلالتي القدر والإرجاء". ١ ينسب إلى المريس، بلدة بصعيد مصر، توفي سنة ٢١٩ ببغداد. قال عبد القاهرة البغدادي ص١٢٤ تحت عنوان "المريسة" "هؤلاء مرجئة بغداد من أتباع بشر المريسي، وكان في الفقه على رأي أبي يوسف القاضي، غير أنه لما أظهر قوله بخلق القرآن هجره أبو يوسف وضللته الصفاتية في ذلك. ولما وافقوا الصفاتية في القول بأن الله تعالى خالق أكساب العباد، وفي أن الاستطاعة مع الفعل، أكفرته المعتزلة في ذلك فصار مهجور الصفاتية والمعتزلة معا. وكان يقول في الإيمان إنه هو التصديق بالقلب واللسان جميعا؛ كما قال ابن الرواندي في أن الكفر هو الجحد والإنكار. وزعما أن السجود للصنم ليس بكفر، ولكنه دلالة على الكفر".
[ ١ / ١٤٣ ]
النار فإنهم سيخرجون عنها بعد أن يعذبوا بذنوبهم. وأما التخليد فيها فمحال، وليس بعدل.
وقيل إن أول من قال بالإرجاء: الحسن بن محمد بن علي بن أبي طالب، وكان يكتب فيه الكتب إلى الأمصار. إلا أنه ما أخر العمل عن الإيمان كما قالت المرجئة اليونسية، والعبيدية. لكنه حكم بأن صاحب الكبيرة لا يكفر إذ الطاعات وترك المعاصي ليست من أصل الإيمان حتى يزول الإيمان بزوالها.
[ ١ / ١٤٤ ]