الخابطية: أصحاب أحمد بن خابط١، وكذلك الحدثية أصحاب الفضل الحدثي٢، كانا من أصحاب النظام وطالعا كتب الفلاسفة أيضا، وضما إلى مذهب النظام ثلاث بدع:
البدعة الأولى: إثبات حكم من أحكام الإلهية في المسيح ﵇ موافقة للنصارى على اعتقادهم أن المسيح هو الذي يحاسب الخلق في الآخرة، وهو المراد بقوله تعالى: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ ٣ وهو الذي يأتي في ظلل من الغمام، وهو المعني بقوله تعالى: ﴿أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ﴾ ٤ وهو المراد بقول النبي ﵊: "إن الله تعالى خلق آدم على صورة الرحمن" وبقوله: "يضع الجبار قدمه في النار" وزعم أحمد بن خابط٥ أن المسيح تدرع بالجسد الجسماني وهو والكلمة القديمة المتحدة كما قالت النصارى.
_________________
(١) ١ توفي أحمد بن خابط سنة ٢٣٢هـ. ٢ توفي الفضل الحدثي سنة ٢٥٧. ٣ الفجر آية ٢٢. ٤ الأنعام آية ١٥٨. ٥ تكلم عبد القاهر البغدادي في كتابه الفرق بين الفرق ص ١٦٦ ط مؤسسة نشر الثقافة الإسلامية بالقاهرة سنة ١٩٤٨، فمما قاله: "إن ابن خابط وفضلا الحدثي زعما أن للخلق ربين وخالقين: أحدهما قديم وهو الله. والآخر مخلوق وهو عيسى ابن مريم. وزعما أن المسيح ابن الله على معنى دون الولادة، وزعما أن المسيح هو الذي يحاسب الخلق في الآخرة، وهو الذي عناه الله بقوله -وجاء ربك والملك صفا صفا- وهو الذي يأتي في ظلل من الغمام، وهو الذي خلق آدم على صورة نفسه، وذلك تأويل ما روى أن الله تعالى خلق آدم على صورته، وزعم أنه هو الذي عناه النبي ﷺ بقوله: "ترون ربكم كما ترون القمر ليلة البدر" وهو الذي عناه بقوله "إن الله تعالى خلق العقل فقال له: أقبل، فأقبل، وقال له: أدبر، فأدبر، فقال ما خلقت خلقا أكرم منك، وبك أعطي، وبك آخذ" وقالا: إن المسيح تدرع جسدا، وكان قبل التدرع عقلا". قال عبد القاهر: "قد شارك هذان الكافران الثنوية والمجوس في دعوى خالقين، وقولهما شر من قولهم، لأن الثنوية والمجوس أضافوا اختراع جميع الخيرات إلى الله تعالى، وإنما أضافوا فعل الشرور إلى الظلمة وإلى الشيطان. وأضاف ابن خابط وفضل الحدثي فعل الخيلات كلها إلى عيسى ابن مريم، وأضافا إليه محاسبة الخلق في الآخرة. والعجب من قولهما إن عيسى خلق جده آدم ﵇. فيا عجبا من فرع يخلق أصله. ومن عد هذين الضالين من فرق الإسلام كمن عد النصارى من فرق الإسلام".
[ ١ / ٦٠ ]
البدعة الثانية: القول بالتناسخ١ زعما أن الله تعالى أبدع خلقه أصحاء سالمين عقلاء بالغين في دار سوى هذه الدار التي هم فيها اليوم، وخلق فيهم معرفته والعلم به، وأسبغ عليهم نعمه، ولا يجوز أن يكون أول ما يخلقه إلا عاقلا ناظرا معتبرا، وابتدأهم بتكليف شكره، فأطاعه بعضهم في جميع ما أمرهم به، وعصاه بعضهم في جميع ذلك،
_________________
(١) ١ تكلم البيروني في كتابه "تحقيق ما للهند من مقولة" ص٢٤ ط لندن سنة ١٨٨٧ فما ذكره: "كما أن الشهادة بكلمة الإخلاص شعار إيمان المسلمين، والتثليث علامة النصرانية، والأسباب علامة اليهودية، كذلك التناسخ علم النحلة الهندية. فمن لم ينتحله لم يك منها، ولم يعد من جملتها. فإنهم قالوا إن النفس إذا لم تكن عاقلة لم تحط بالمطلوب إحاطة كلية دفعة بلا زمان، واحاجت إلى تتبع الجزئيات، واستقرت الممكنات. وهي وإن كانت متناهية؛ فلعددها المتناهي كثرة، والإتيان على الكثرة مضطر إلى مدة ذات فسحة. ولهذا لا يحصل العلم للنفس إلا بمشاهدة الأشخاص والأنواع، وما يتناوبها من الأفعال والأحوال حتى يحصل لها في كل واحد تجربة، وتستفيد بها جديد معرفة. ولكن الأفعال مختلفة بسبب القوى، وليس العالم بمعطل عن التدبير، وإنما هو مزموم، وإلى غرض فيه مندوب. فالأرواح الباقية تتردد لذلك في الأبدان البالية بحسب افتتان الأفعال إلى الخير والشر، ليكون التردد في التواب منها على الخير فتحرص على الاستكثار منه وفي العقاب على الشر والمكروه فتبالغ في التباعد عنه، ويصير التردد من الأرذل إلى الأفضل دون عكسه". "وحقيق علينا أن نورد من كتبهم شيئا من صريح كلامهم في هذا الباب. قال باسديو لأرجن يحرضه على القتال وهما بين الصفين: إن كنت بالقضاء السابق مؤمنا فاعلم أنهم ليسوا ولا نحن معا بموتى، ولا ذاهبين ذهابا لا رجوع معه، فإن الأرواح غير مائتة ولا متغيرة، وإنما تتردد في الأبدان على تغاير الإنسان من الطفولة إلى الشباب والكهورة ثم الشيخوخة التي عقباها موت الدبن ثم العود. أو قال له كيف يذكر الموت والقتل من عرف أن النفس أبدية الوجود، لا عن ولادة، ولا إلى تلف وعدم، بل هي ثابتة قائمة، لا سيف يقطعها، ولا نار تحرقها، ولا ماء يغصها، ولا ريح تيبسها، لكنها تنتقل عن بدنها إذا عنق نحو آخر ليس كذلك، كما يستبدل البدن اللباس إذا خلق". "وقد كان اليونانيون موافقين الهند في هذا الاعتقاد" ثم أورد البيروني رأي سقراط في التناسخ وهو لا يختلف عما رواه عن الهنود.
[ ١ / ٦١ ]
وأطاعه بعضهم في البعض دون البعض، فمن أطاعه في الكل أقره في دار النعيم التي ابتدأهم فيها، ومن عصاه في الكل أخرجه من تلك الدار إلى دار العذاب وهي النار، ومن أطاعه في البعض وعصاه في البعض أخرجه إلى دار الدنيا فألبسه هذه الأجسام الكثيفة، وابتلاه بالبأساء والضراء، والشدة والرخاء، والآلام واللذات على صر مختلفة من صور الناس وسائر الحيوانات على قدر ذنوبهم. فمن كانت معصيته أقل وطاعته أكثر كانت صورته أحسن، وآلامه أقل. ومن كانت ذنوبه أكثر كانت صورته أقبح، وآلامه أكثر. ثم لا يزال يكون الحيوان في الدنيا كرة بعد كرة، وصورة بعد أخرى، مادات معه ذنوبه وطاعاته. وهذا عين القول بالتناسخ.
وكان في زمانهما شيخ المعتزلة أحمد بن أيوب بن مانوس، وهو أيضا من تلامذة النظام، وقال أيضا مثل ما قال أحمد بن خابط في التناسخ، وخلق البرية دفعة واحدة، إلا أنه قال: متى صارت التوبة إلى البهيمة ارتفعت التكاليف أيضا، وصارت التوبتان عالم الجزاء.
ومن مذاهبما أن الديار خمس:
داران للثواب، إحداهما فيها أكل وشرب وبعال، وجنات وأنهار.
والثانية دار فوق هذه الدار ليس فيها أكل ولا شرب ولا بعال، بل ملاذ روحانية وروح وريحان، غير جسمانية.
والثالثة: دار العقاب المحض، وهي نار جهنم، ليس فيها ترتيب، بل هي على نمط التساوي.
والرابعة: دار الابتداء التي خلق الخلق فيها قبل أن يهبطوا إلى دار الدنيا، وهي الجنة الأولى.
والخامسة: دار الابتداء، وهي التي كلف الخلق فيها بعد أن اجترحوا في الأولى.
وهذا التكوين والتكرير لا يزال في الدنيا حتى يمتلئ المكيالان: مكيال الخير،
[ ١ / ٦٢ ]
ومكيال الشر، فغذا امتلأ مكيال الخير صار العمل كله طاعة، والمطيع خيرا خالصا، فينقل إلى الجنة، ولم يلبث طرفة عين، فإن مطل الغني ظلم، وفي الحديث: "أعطوا الأجير أجره قبل أن يجف عرقه".
وإذا امتلأ مكيال الشر صار العمل كله معصيه، والعاصي شريرا محضا، فينقل إلى النار ولم يلبث طرفة عين، وذلك قوله تعالى: ﴿فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ ١.
البدعة الثالثة: حملهما كل ما ورد في الخبر من رؤية الباري تعالى مثل قوله ﵊: "إنكم سترون ربكم يوم القيامة، كما ترون القمر ليلة البدر، لا تضامون في رؤيته" على رؤية العقل الأول الذي هو أول مبدع، وهو العقل الفعال الذي منه تفيض الصور على الموجودات، وإياه عني النبي ﵊، بقوله: "أول ما خلق الله تعالى العقل، فقال له: أقبل، فأقبل، ثم قال له: أدبر، فأدبر. فقال. وعزتي وجلالي ما خلقت خلقا أحسن منك، بك أعز، وبك أذل، وبك أعطي؛ وبك أمنع" فهو الذي يظهر يوم القيامة وترتفع الحجب بينه وبين الصور التي فاضت منه، فيرونه كمثل القمر ليلة البدر. فأما واهب العقل فلا يرى ألبتة، ولا يشبه إلى مبدع بمبدع.
وقال ابن خابط: إن كل نوع من أنواع الحيوانات أمة على حيالها لقوله تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ﴾ ٢ وفي كل أمة رسول من نوعه لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلا فِيهَا نَذِيرٌ﴾ ٣.
ولهما طريقة أخرى في التناسخ، وكأنهما مزجا كلام التناسخية، والفلاسفة، والمعتزلة بعضها ببعض.
_________________
(١) ١ الأعراف آية٣٤، والنحل آية ٦١. ٢ الأنعام آية ٣٨. ٣ فاطر آية ٢٤.
[ ١ / ٦٣ ]